وزارة بلمختار تواصل التحقيق في صفقات العتاد الديداكتيكي

وزارة بلمختار تواصل التحقيق في  صفقات العتاد الديداكتيكي

المصطفى مورادي

أكدت مصادر خاصة لجريدة «الأخبار» أن لجنة وزارية تابعة للمتفشية العامة لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني قد زارت أكاديمية فاس بحر الأسبوع الماضي ورصدت عتادا ديداكتيكيا تم اقتناؤه سنة 2009 بحوالي 16 مليون سنتيم دون أن يتم استعماله نهائيا، في حين قدرت اللجنة ذاتها ثمنها الحقيقي في رقم أقل بكثير مما يوجد في الورق، إذ لا يتجاوز ثمنها حسب مصادر الجريدة 4 ملايين على أبعد تقدير.
المصادر ذاتها أكدت أن العتاد الذي تم رصده تم التخلص منه في مستودع للمتلاشيات دون أن يستعمل قط، فيما كان المقرر هو أن يتم تمكين بعض المؤسسات التعليمية التابعة للأكاديمية منها، في فترة البرنامج الاستعجالي. لكن تبين أن الجهة التي أشرفت على الصفقة ضخمت الأرقام، لكن العتاد المقتنى، والذي رصدته اللجنة لا يمكن استعماله من الأساس، لكونه عبارة عن آليات تم تجميعها، ولا يمكن أن تفيد كوسيلة تعليميةّ.
وفي السياق ذاته، أكدت المصادر أن لجنة التفتيش المركزية، اشتغلت طيلة أيام في المرافق التابعة لأكاديمية فاس، لرصد الصفقات الضخمة التي عرفتها الأكاديمية ذاتها في الفترة ما بين 2009 و2011، سواء تلك المتعلقة ببناء المؤسسات التعليمية وتجهيزها أو تلك المتعلقة بالتكوين المستمر وتوسيع العرض المدرسي وغيرها من المشاريع.
أرقام في حاجة إلى التمحيص
أشارت مصادر من المفتشية العامة للوزارة إلى أن الأمر يتعلق بميزانية تفوق 377 مليون درهم، تم رصدها في الفترة ذاتها للجهة، ونظرا لوجود صعوبات في اقتفاء مفعول هذه المشاريع على الأرض، خصوصا تلك المتعلقة بمشاريع تروم دعم الأسر الفقيرة من أجل محاربة الهذر المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة وعدم التحاق الفتاة بالمدرسة خصوصا بالوسط القروي، لكون اللجنة ذاتها يستعصي عليها التحقق من مدى الاقتناء الفعلي للأدوات المدرسية والمحفظات والزي المدرسي الموحد، وكذا مدى احترام قرار الوزارة آنذاك بالرفع من قيمة وجبات الإطعام المدرسي وتمديد فتراته لتغطي السنة الدراسية بأكملها أي 180 يوما، والرفع من قيمة المنحة المخولة للداخليات من 7 دراهم إلى 14 درهما، إلى جانب اقتناء دراجات وتوزيعها على الأطفال الذين يجدون صعوبة في التنقل بين مقرات سكناهم والمدرسة بالوسط القروي، لكون مشاريع كهذه لا يمكن متابعة مفعولها لكون أغلب التلاميذ الذين استفادوا منها غادروا المؤسسات التعليمية، إما سبب حصولهم على الشواهد أو تسربهم، وبالتالي لا يمكن التحقق من نوعية الدراجات مثلا التي تم اقتناؤها، ومدى صدق الأثمنة التي رصدت لها على الورق.
المصادر الوزارية نفسها أكدت أن تركيز عمل اللجنة المركزية على العتاد الديداكتيكي يأتي من هذا الاعتبار، لكون هذا العتاد يفترض أن تستمر صلاحيته حتى الآن، ويفترض أن يتم توزيعه على المؤسسات التعليمية ليستفيد منه التلاميذ في التعلم والأساتذة في التدريس. لذلك من المتوقع أن تستمر اللجنة ذاتها في عملها، والتقدم بتقريرها الأخير عن مختلف الاختلالات التي رصدتها للوزير. علما أن زيارات تفتيش تم القيام بها منذ خروج التسجيلات الصوتية المنسوبة لمسؤولة سابقة في أكاديمية الرباط في فترة البرنامج الاستعجالي، تعمل حاليا في إحدى لجان المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. وهمت الزيارات عددا من النيابات والأكاديميات، إذ تم توثيق عدد كبير من الاختلالات، وصفتها ذات المصادر بـ«الصادمة»، ومنها اختلالات وصفتها لجان التفتيش بـ«الجنائية» وخاصة في جهات الرباط سلا ومراكش وسطات والجديدة وبني ملال، لاسيما وأن عددا كبيرا من المسؤولين الحاليين والسابقين، والذين كانوا «يعبثون» في الملايير المرصودة لجهاتهم ونياباتهم في هذه الفترة، وردت أسماؤهم في التسجيلات التي نسبت لهذه المسؤولة السابقة. والتي فاقت أربعين تسجيلا، يوثق للطرق التي يتم بها إبرام الصفقات وتنفيذها، بالتواطؤ مع هؤلاء المسؤولين بحسب التسجيلات نفسها وأخطرها تلك التي تضمنت تحايلا على برنامج ملكي يدخل ضمن شراكة بين ولاية طنجة والمباراة الوطنية للتنمية البشرية، تتمحور حول منح بعض المؤسسات التعليمية لوحات إلكترونية تدخل ضمن العتاد الديداكيتيكي الذي يمكن استعماله في التدريس، حيث تعترف المعنية بالأمر بأنها اتفقت مع مسؤول من أكاديمية طنجة، اتصل بها بطلب من مديرها السابق، والذي حصل على تقاعده قبل شهر، يطلب منها تزويده بلوحتين إلكترونيتين، لتعترف المعنية، بحسب التسجيل دوما، أنها «جمعت» اللوحتين، وغلفتهما جيدا حتى لا يتم اكتشافهما، بل طلبت من المسؤول ذاته عدم فتح الغلاف بدعوى انتظار «خبير» سترسله المقاولة المزودة ليشرف على تكوين مستمر للأساتذة ليعرفوا كيفية تشغيل اللوحتين. وفعلا هذا ما تم. لكن لا أحد يعرف حتى الآن، ما إذا كانت اللوحتان قد تم تسليمهما للمؤسسات.
من يحاسب ؟
حتى الآن، لم تتم محاسبة أي مسؤول سابق أو حالي في وزارة التربية الوطنية، بالرغم من التقارير الكثيرة التي رصدت فسادهم. وفي ظل العتمة التي ما تزال مستمرة في الكيفية التي ستدبر بها الوزارة واجبها في حماسية المال العام المرصود للقطاع، تتناسل الإشاعات عن إقالة بعضهم، في حين ما يزال بعضهم في مناصبهم، وآخرون حصلوا على تقاعدهم ليتفرغوا لمشاريع، لدون أن يسألهم أحد «من أين لكم هذا؟»، كمثل المسؤولين السابقين على مختلف الأكاديميات، والذي استغلوا علاقاتهم السابقة في إنشاء مقاولات تستفيد من امتيازات الصفقات مع المؤسسات العمومية. في البناء والتجهيز، بل منهم من أنشأ مكاتب دراسات. بمعنى أن هؤلاء غادروا من الباب كما يقال، وعادوا من النافذة. غادروا الوزارة كمتقاعدين وعادوا إليها كمتعاقدين. والأخطر من هذا كله، فبالرغم من الثروات التي حققوها بشكل ملتبس إبان توليهم المسؤولية، وبالرغم من استغلالهم لعلاقتهم في الاستفادة من الفساد والريع، فإن أغلبهم ما يزال يحتل مسكنا إداريا. وخاصة في الرباط. والسؤال الذي يطرح حتى الآن: ماذا بعد تقارير التفتيش التي أنجزت؟ ماذا بعد اكتشاف السرطان في جسد هذا التعليم المريض؟ هل سيمتلك الوزير شجاعة الجراحين ليشقوا اللحم ويبتر الأعضاء والخلايا السرطانية المتفاقمة أم سيفضل كما فعل سلفه محمد الوفا النشر ويكتفي بتخزين التقارير في أدراج مكتبه؟
وتعود تفاصيل هذه الفضيحة المدوية التي ماتزال تفاعلاتها مستمرة. إلى رسالة أرسلها مجهول في يونيو الماضي، يتهم فيها صاحبها مسؤولة الأكاديمية السابقة في جهة الرباط بالفساد، مستندا إلى تسجيلات صوتية كثيرة منسوبة لها. ويقول صاحبها: «نقدم للمتتبعين من نساء ورجال التعليم الغيورين حلقات لمسلسل شيق يعرض تفاصيل علاقة فساد مالي مروعة على حساب تلاميذ أكاديمية الرباط سلا زمور زعير الذين تم حرمانهم لمدة 10 سنوات من مواد وتجهيزات المختبرات بسبب الطمع والنهب من طرف “ت.ف” ويذكر اسم المديرة كاملا وصفتها” لأموال البرنامج الاستعجالي المخصصة للجهة بشراكة مع شريكتها في الأعمال التجارية المسماة “ب.ج” وزوجها وهو صاحب شركة يسمونها المختبرات المتنقلة الخاصة بتدريس المواد العلمية”.
ويقول صاحب الرسالة إنه سبق له إلى جانب أعضاء المجلس الإداري للأكاديمية أن رفضوا هذا المختبر واعترضوا عليه في كل الدورات أمام أزيد من أربعة وزراء تعاقبوا على القطاع، «وتقدم الرسالة تفاصيل كثيرة حول هذه الشركات وأصحابها وعلاقتها بالمديرة السابقة للأكاديمية، مؤكدا أن المواد التي تزود بها هذه الشركات الأكاديمية يتم تصنيعها بدرب غلف بالدار البيضاء، وبحي الرحمة بسلا في مصنعين تقليديين في ملكية الثلاثي المذكور، لتقدم على أنها مستوردة من إيطاليا.
ويسترسل صاحب الرسالة تفاصيل أخرى تتحدث عن تجاوز هذه الممارسات نطاق أكاديمية الرباط، لتعم أكاديميات أخرى مستعرضا كافة أسماء المديرين الذين تعاملت معهم في الأكاديميات الأخرى. وخلصت هذه الرسالة إلى أن مثل هذه العمليات حرمت آلاف التلاميذ بربوع المغرب من تجهيزات تقنية ضرورية لفهم الدروس العلمية. فمثلا أكاديمية الرباط لوحدها تجاوز مبلغ الصفقات التي استفادت منها “ب.ج” وزوجها “ن.م” أكثر من 90 مليون درهم 9 ملايير سنتيم. وكنتيجة لهذه الممارسات يتهم كاتب الرسالة المديرة المعنية بالأمر بمراكمة الصفقات والأموال وممتلكات عقارية بالهرهورة والرباط وسلا والقنيطرة وأربعاء الغرب، وقال إن هذه الممتلكات ستكون موضوع الحلقة السابعة من هذا المسلسل العجيب بالأدلة والحجج.
ليتواصل مسلسل التسريبات، والفضائح الموازية لها، بإلقاء القبض على مسؤولة في المقاولة المتهمة، والتي تم اتهامها بكونها تقف وراء التسريب، ليتم فيما بعد إعفاء زوجها والذي يشتغل مسؤولا كبيرا في أكاديمية الرباط. ومع ذلك استمرت التسجيلات في الظهور، والتي وصلت أكثر من أربعين تسجيلا.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *