وصية المجذوب

وصية المجذوب

نعيش اليوم كبلد هجوما خارجيا كاسحا من عدة جهات قريبة وبعيدة، فالتقارير الهجومية ضد المغرب تتقاطر من كل حدب وصوب، فهناك تقرير الشفافية الدولية بالمغرب الذي يتكلم عن تغول الفساد والرشوة، وتقرير الخارجية الأمريكية الذي يتحدث عن بطء المحاكمات والإفلات من العقاب، وهناك تقرير تجارة المخدرات الأمريكي الذي يقول إن 23 بالمائة من الناتج الداخلي الخام للمملكة هي نتيجة تجارة المخدرات.
وكما لو أن تقارير الأوربيين والأمريكيين لا تكفي فقد انضاف إليها تقرير معهد عزمي بشارة المقيم بقطر الداعم الرسمي لوصول الإخوان للحكم والذي يتهم وزارة الداخلية بالتبعية للقصر وبتوجيه الانتخابات والتحكم فيها.
أما في الحدود مع موريتانيا، في منطقة الكركرات تحديدا، فالجزائر تسلح البوليساريو، فيما الجبهة توزع أراضي المنطقة العازلة على سكان المخيمات للإقامة بالحدود الشمالية لموريتانيا.
نحن إذن في مرمى طلقات مدفعية ثقيلة تستهدف في وقت واحد وحدة المغرب واستقراره وأمنه الداخلي، وبعبارة واضحة إنها طبول الحرب تقرع، ولذلك شرعت مصالح الداخلية في إحصاء جنود الاحتياط ووضع قوائم بأسمائهم حتى يسهل استدعاؤهم لحمل السلاح إذا دعت الضرورة، وتم إلغاء عطل كل المسؤولين العسكريين.
لقد أظهرت الأحداث والوقائع الأخيرة أن المغرب محاط بالذئاب المفترسة وليس بالجيران، ولذلك فأحسن موقف يمكن أن يتخذه المغرب، هو أن يراجع أوراقه ويسلح نفسه ويقوي جبهته الداخلية استعدادا للأسوأ.
فيبدو أننا مقبلون على أزمنة صعبة في الصحراء، بسبب ما تقوم به الجزائر من دفع بجبهة البوليساريو للتحرش بالسيادة المغربية لتصريف أزمتها الداخلية السياسية والاقتصادية العميقة.
إن كل الدول التي تفكر في مستقبلها وأمنها تعـِدّ أبناءها إعدادا صلبا يليق بمفاجآت الغد، فنحن نعيش في عالم يأكل فيه القوي الضعيف، عالم متوحش لا مجال فيه للرحمة، عالم إذا غلبك فيه عدوك استباح عرضك واغتصب بناتك ونساءك، مع تصوير كل ذلك على أشرطة وتوزيعها على وسائل الإعلام حتى تكون فضيحتك أكبر.
ومثال العراقيين والأفغان والسوريين مازال طريا في الأذهان، لذلك يجب أن يفهم أبناء المغاربة اليوم أن الغد لن يكون سهلا بالشكل الذي يتصورونه، ستأتي الأزمنة الرديئة، ويجب أن نكون مستعدين لها من الآن، وليس بجيل من العاطلين عن العمل والتفكير سنواجه تحديات هذا المستقبل.
لقد أصبح منظرا عاديا أن يقترب منك شاب في العشرين من عمره، يلبس أحسن منك ومع ذلك لا يخجل من أن يطلب درهما أو درهمين ليأخذ الحافلة إلى بيته.
لقد أصبح عاديا أن يتسول الشبان ذوو الأكتاف العريضة في الشوارع بلا إحساس بالخجل، والمصيبة أن بعضهم لا يخجل من توقيف فتاة في مثل عمره ومطالبتها بدرهم أو درهمين، وأما بعض الفتيات فمن أجل ساندويتش من «النقانق» و«باناشي» يقبلن بركوب أول سيارة تقف أمامهن.
هذا يعني أن شبابنا يحتاج فعلا إلى «الحكان». لذلك فثلاثة عشر شهرا من الخدمة العسكرية ستكون مفيدة لآلاف الشبان والشابات لكي يعرفوا بحق «الخبز الحرفي» الذي يتعفرون عليه في الصباح عندما يستيقظون في منتصف النهار «معمشين» بعد قضاء الليل كله أمام شاشات هواتفهم، يتابعون الأغاني والمسلسلات الهابطة التي تبلد الذوق.
ثلاثة عشر شهرا من «الكرفي» ستكون مفيدة لكي يعرف الشبان ما معنى الدفاع الذاتي في الغابات عوض الجلوس طيلة النهار فوق كراسي الحدائق العمومية لتدخين «الجوانات»، و«يشللو» آذانهم بسماع أزيز الرصاص عوض سماع «عطيني صاكي»، والمشي عبر الجبال بحذاء مليء بالحصى عوض التسكع في الشوارع بحذاء يساوي راتبا شهريا لموظف في السلم الخامس وسروال مجرور فوق الأرض مثل سراويل «هداوة».
لذلك فكل الشبان والشابات الذين لا شغل لهم غير التسكع في الشوارع سيجدون أنفسهم مجبرين على خلع سراويل «الطاي باص» والأحذية الرياضية لكي يستبدلوها بالبذلة العسكرية والحذاء الثقيل.
وشخصيا، أجد فكرة العودة إلى الخدمة العسكرية أكثر من صائبة، لأنها ستمكن الآلاف من أبنائنا المدللين وبناتنا المدللات من الابتعاد قليلا عن حضن آبائهم، وسيجربون الاستيقاظ في الفجر عوض البقاء «خامرين» في الفراش إلى الحادية عشرة.
فيبدو أننا إذا سرنا على هذه الوتيرة فإننا سنحصل، في السنوات القليلة القادمة، على جيل مترهل، وأخطر من ذلك أننا قد نحصل على جيل عديم الخشونة، يعير كل الاهتمام إلى الثقوب التي في سراويله عوض الثقوب التي في عقله. وهنا، تظهر أهمية الخدمة العسكرية كمدرسة لحك الشباب وإعدادهم للمحن، فليس بهذه الأجيال من الكسالى والعاجزين سنواجه تحديات المستقبل.
ولهذا تحرص كل الدول التي تضع حسابا للمستقبل على فرض التجنيد الإجباري. وفي أمريكا، مثلا، يستحيل على فار من التجنيد الإجباري أن ينجح في الانتخابات، فالجميع بغض النظر عن مستواه الاجتماعي يمر عبر صفوف «المارينز».
وفي إسرائيل، جميع المواطنين يخضعون للتدريب العسكري واستعمال السلاح، حتى إن إسرائيل ليس بها مدنيون بل الجميع «معسكر». أما في إنجلترا، فحتى الأمراء يتم إرسالهم إلى أفغانستان لقضاء فترة تدريب عسكري في الجبال.
ونظرا إلى أنني قريب بعض الشيء من عالم شباب اليوم ومتتبع للظواهر الغريبة التي يعيش تقلباتها، أستطيع أن أؤكد لكم أن هاوية سحيقة تنتظرنا في المستقبل. فأغلب الشباب والمراهقين أصبح لديهم تصور خاطئ حول النجاح، إذ يكفي أن يعرف الواحد منهم أسماء المغنيات ويثقب أنفه أو أذنه حتى يتصور نفسه قد دخل المستقبل من بابه الواسع. وطبعا، فهؤلاء الشباب لا يتحملون مسؤولية هذا الفهم الخاطئ بمفردهم، فوسائل الإعلام تسوق أمامهم يوميا نماذج ورقية خادعة لهذا النجاح الموعود.
يكفي أن تجيد الرقص وأن يكون لديك صوت جميل لكي تضمن مستقبلك، وكأن الموهبة الوحيدة التي يمكن أن تنفع صاحبها في هذه البلاد هي «التلواز». وهذا اختزال خطير للموهبة ولفكرة المستقبل برمتها، والنتيجة هي ما أصبحنا نراه ونسمعه يوميا. شباب ضعيف البنية بسبب سوء التغذية والعيش على الأزبال التي يبيعونها له في المحلات التجارية والتي لا تصلح حتى كطعام للطيور. شباب ضعيف الشخصية والتكوين يتصور أن الحياة هي ساعة كبيرة الحجم في المعصم وحلقة ذهبية في الأذن وما يكفي من الثقوب في السراويل، وبنات قاصرات يعرضن أجسادهن على المواقع الإلكترونية أمام الغرباء من أجل حفنة من الريالات.
أتمنى أن يطبق قانون الخدمة العسكرية الإجبارية في أسرع وقت، وأن يشمل الجميع بدون استثناء، من أبناء الفقراء إلى أبناء الأثرياء. هكذا، ستلتقي الطبقات الاجتماعية في ما بينها داخل الثكنات وتتعارف عن قرب، وربما تتغير نظرة هؤلاء وأولئك نحو الأحسن، فتقل نسبة الكراهية التي يشعر بها الاثنان نحو بعضهما البعض.
كما أن هناك الآلاف من الشباب الذين ستتغير نظرتهم إلى الحياة والمستقبل عندما سيقضون كل تلك الأشهر بالزي العسكري. على الأقل، سترتاح بعض كراسي المقاهي منهم، وبعضهم الآخر سيريح والديه من مصروف قهوته وسجائره اليومي، وسيتعلمون، مثل رجال حقيقيين، كيف يغسلون ثيابهم ويعدون طعامهم ويجمعون فراشهم. ورحم الله سيدي عبد الرحمن المجذوب الذي قال ذات قصيدة «اللي ما جمع فراشو وغسل كساتو وطيب عشاتو، موتو حسن لو من حياتو».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة