.. ومن الأسماء ما خف وزنها على اللسان والميزان

achhab1

أمضى رجل فاضل يدعى محمد بلعربي، عمِل كاتبا عاما في وزارة الثقافة، ثم الوزارة الأولى، بعض الوقت يتصفح أسماء موظفين وملحقين مكلفين بمهام. جاء الدور علي فطلب مني نسخة مثبتة بعقد الازدياد، قبل إعداد ملف العمل بديوان وزير الدولة.
سلمته بطاقة التعريف الوطنية، فاستأذن بأدب أنه متأكد من الاسم وحامله، غير أن الإدارة تفرض إجراءات أكثر احترازا، لكي يكتب الاسم كما هو مسجل في الوثائق الثبوتية. وحكى لي كيف أن بعض الوزراء وكبار المسؤولين واجهوا صعوبات، جراء عدم ملاءمة أسمائهم لما تحمله ظهائر التعيين أو قرارات الإلحاق.
لا جديد في الأمر بالنسبة إليه، فما تطلبه الإدارة يتعين الوفاء به من الألف إلى الياء. وساق مثالا بذلك مفاده أن حيازة شهادة الحياة لا يكفي أن يطلبها من هم على قيد الحياة، يترجلون نحو الإدارة بلحمهم وعظامهم ودمائهم.. بل يجب إرفاق الطلب بوثائق تمنحها الجهة ذات الصلاحيات، ولابد لمقدم «الحومة» أن يشهد بأن فلانا الذي يحمل الاسم الفلاني هو نفسه، وليس شبحه أو مثيله، كما تتشابه الأسماء والحالات لماما.
مجمل القصة أن حرفا ساكنا أو مضغما، أو ميما زائدة، كما في كتابة اسم محمد بالأحرف اللاتينية، يمكن أن يتسبب لصاحبه في عراقيل لا حد لها، وما عرفته بصلة بالموضوع أن اسم امحمد لا يكتب هكذا في الظهائر، بل يشار إليه بكلمة محمد (فتحا). ولا أدري إن كان محمد الدويري أو محمد بوستة لدى تعيينهما وزيرين خضعا لهذا التوصيف. فالثابت أن الحاج محمد أبا حنيني كان يشار إلى اسمه (فتحا) للتأكيد الذي لا يحتمل تأويل النطق والكتابة، أو هما معا.
ولأن الظهائر تسطر بالعربية، فإن بعض الأسماء لا يمكن كتابتها كما تُنطق، ذلك أن كاتب الدولة السابق في شؤون الهجرة كان اسمه لحسن كابون، ويمكن أن تكتب «غابون» أو «قابون». وعلى ذكر فقهاء اللغة، فكل ما يقمقم يغمغم أو يكمكم أو يجمجم، إذ لا يوجد حرف الكاف بنقط ثلاث في العربية. وهو ما ينطبق على الاسم الذي اشتهر به الباشا الكلاوي، حيث يعتقد أن مصدره في الحرفة يحيل على القلي الذي يشمل الحمص والمكسرات واللحوم المقلية في «الطنجيات». وكان من عادة المدن غير الساحلية ألا يحتل قلي الأسماك إلا حيزا ضئيلا في تنوع مطابخها، لذلك عرفت طواجين السمك أكثر من مقلياتها.
حكايات الأسماء وفيرة. ورحم الله المستشارة الراحلة زليخة نصري، فقد عرفها المغاربة للمرة الأولى إلى جانب ثلاث نساء وزيرات في حكومة واحدة، ضمت كلا من عزيزة بناني، كاتبة الدولة في التعليم العالي والبحث العلمي، وأمينة بنخضرا كاتبة الدولة، مكلفة بتنمية القطاع المعدني، والبطلة نوال المتوكل، كاتبة الدولة، مكلفة بالشبيبة والرياضة.. لكن المثير في ظهير التعيين أن اسمها كان هكذا: زليخة الناصري. ورشح اعتقاد أنها قريبة إلى الزاوية الناصرية، قبل أن يتأكد أنها من منطقة أخرى.
من «الناصريين» نسبة إلى الزاوية وليس إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي أصبح له مذهبه الإيديولوجي بهذا الاسم، كان الشيخ محمد المكي الناصري، الذي تعاقب على وزارتي الأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافة، بعد أن كان يتزعم حزب الإصلاح. وكان الرفيق خالد الناصري وزيرا للاتصال (الإعلام) الذي تعتريه الجذبة، في الدفاع عن القضايا الوطنية، ثم هناك النقيب المحامي محمد الناصري الذي اشتغل وزيرا للعدل، وعرف عنه إدارته لملفات حساسة في نزاعات قضائية، سارت بذكرها الركبان.
إلا أن المستشارة الراحلة التي كانت نموذجا في العمل من وراء الظل، سيصبح اسمها زليخة نصري وليس الناصري. ولا أدري إن كان الأمر يتعلق بإصلاح خطأ في النطق باسمها، إذ يمكن أن تتحول «ناصري» إن نطقت بالفرنسية إلى نصري، أم أن الأصل هو الاسم الذي احتفظت به إلى أن غيبها الموت. وقد يكون من اختصاصات الضالعين في علم الأنساب البحث في جذور الأسماء وخلفيات إطلاقها، عدا ما يتعلق بتوزع القبائل وحركة النزوح على فترات متباعدة، على امتداد رقعة العالم العربي وتأثير انهيار الأندلس واللجوء إلى المغرب الذي كان منطلق الفتح الإسلامي.
ووجدت أن طالبا نبيها في المعهد المولوي تغير اسمه، وبعد أن كان اسمه محمد رشيد الشرايبي، صار محمد رشدي الشرايبي الذي يضطلع بمهام رفيعة في الديوان الملكي. وما من شك في أن هذا التغيير الطفيف الذي حافظ للاسم على رونقه ومعناه، له أسبابه في تصحيح النطق بالاسم وكتابته.
ما كل الأسماء تنطبق عليها الصفات والتوصيفات المقترنة بحمولتها البادية، لذلك فقد تمسك أول رئيس حكومة في مغرب ما بعد الاستقلال باسمه كاملا، أي البكاي مبارك بن مصطفى الهبيل. ولأن المغاربة لا يستعملون الاسم ثلاثيا للدلالة على تفرع أشجار الأنساب، فقد عرف أكثر باسم مبارك البكاي. وربما كانت هناك صلات جذور وقرابة مع آل البكاي الذين استوطنوا بلاد شنقيط، إلا أن كلمة «الهبيل» رافقته مع دلالاتها التي لا علاقة لها بأي معنى قدحي، يشير إلى الخبل، فالمهابيل كانوا «مجاذيب» على حد التوصيف المتوارث.
وأختم بحالة لبس وقع فيها سفير المغرب في موريتانيا، كان يدعى محمد المحجوبي، فقد طلب إليه اتخاذ إجراءات في قطاع البريد تهم الإعداد لزيارة رسمية، ولم يتمكن من رفع الالتباس، إلا بعد أن أدرك أن الرسالة كانت موجهة في الأصل إلى محجوبي آخر، هو المحجوبي أحرضان، وزير الدولة في البريد والمواصلات.. فالأسماء تخلق المفاجآت غير المتوقعة. ولكل امرئ ما حمل منها، ما خف وما ثقل على اللسان وفي الميزان.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *