GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

«ويكيليكس» على الطريقة المغربية

لا أحد من المسؤولين يملك الجرأة ليتحدث عن السر المهني عندما تنتهي أوراق إدارية تابعة لإدارته في محل لبيع «الزريعة». الأمر خطير للغاية لكن الجميع يقلل من شأنه. السياسيون أيضا لا يحبون الحديث في هذا الموضوع، رغم أنه سبق أن بيعت حبّات عباد الشمس و«الزريعة» البيضاء ملفوفة في محاضر اجتماعات أعتى الأحزاب السياسية. وهكذا، على الأقل، كانت شعاراتهم وخطاباتهم وما يدور في اجتماعاتهم، تصلح لشيء ما على الأقل..
لا أعتقد أن الذين كانوا وراء إطلاق «ويكيليكس» سبقوا المسؤولين المغاربة إلى تمكين المواطنين من الاطلاع على الأرشيف. المغرب سبق هذا الموقع العالمي وبسنوات طويلة، حتى أنه يستحيل أن تجد مغربيا لم يحصل يوما على «الزريعة» ملفوفة في ورقة إدارية أو فاتورة رسمية أو وصل ضريبي.
تخيل فقط أنك اقتنيت أكلة رخيصة، من تلك التي تشكل الطعام الأبدي لشرائح عريضة من المجتمع، ووجدت أنها ملفوفة في فواتير مستشفى عمومي، وترى كيف أنهم يقتنون ملايين السنتيمات من الأدوية والآليات، ولا أحد يعلم مصيرها لأن المستشفيات العمومية دائما خالية إلا من رائحة الموت التي تتجول، رفقة القطط طبعا، بكل حرية بين الأرصفة.
بالعودة إلى محاضر اجتماعات الأحزاب، فإنه حدث أكثر من مرة أن تخلت فروع الأحزاب السياسية في كثير من المدن عن أرشيف اجتماعاتها الداخلية وعرضتها على المواطنين في إطار الشفافية والمصداقية. لُف بها النعناع وبيعت فيها «العطرية» والخلطات السرية التي يبيعها العطارون وكل ما قد يخطر على بال. وبعضها، خصوصا وأنها كانت وثائق إدارية مكتوبة من جهة واحدة فقط، تحول إلى مسودّات لإنجاز تمارين التلاميذ العلميين المساكين، وأصبحوا يحلّون المعادلات الرياضية المعقدة على ظهر محاضر اجتماعات المعارضة التي تندد بأداء الحكومة وتطالب بتنزيل عاجل لمقتضيات الدستور، وتخصص في الميزانية السنوية مبالغ محترمة للشاي والعصير والحلوى.
لولا هذا الأرشيف الذي وصل إلى المغاربة عن طريق الأطعمة ومحلات صباغة السيارات، لما عرفنا إلى أي حد تستهتر الإدارة المغربية بأرشيفها.
تتذكرون بلا شك، ما قاله بعض المخرجين السينمائيين عندما سُئلوا عن أرشيف السينما المغربية، وردوا بكل صفاقة أنهم لا يتوفرون حتى على أرشيف أفلامهم، وأن المركز الذي يمثل السينما في المغرب، لا يتوفر بدوره على أي شيء..
في الحقيقة لم يكن الأمر صادما إلى هذا الحد. إذا ما استوعبنا أن ثقافة الأرشفة تعد آخر اهتمامات هذا الشعب، مواطنين ومسؤولين أيضا. وهذا الأمر يفسر أيضا التخلف الذي نعوم في حضيضه هذه الأيام. لا يمكن لمن لم يرتب ماضيه بعناية أن يحصل على حاضر مريح ولا مستقبل أيضا.
تخيلوا أن بعض الإدارات والمؤسسات تتوفر على أقسام خاصة بالأرشيف وتخصص موظفين وميزانيات مهمة لصيانة الأرشيف وتخصص أياما لعرضه على عموم المواطنين ليطلعوا على وثائق نادرة ومخطوطات وصور تؤرخ لانطلاق مؤسسات الدولة، في حين أن أرشيف المؤسسات المغربية لا يزال قابعا في القبو.
على ذكر القبو، لماذا تخصص أغلب الإدارات المغربية والوزارات أيضا، القبو مكانا للأرشيف. الكارثة أن الأرشفة تتم بطرق بدائية، وهكذا كدست أوراق المواطنين ووثائق الدولة والصور النادرة أيضا، في أكياس وتم تصفيفها في صفوف وكأنها تنتظر الخلاص، في حين أنها تحولت إلى وجبات للفئران وجميع الطفيليات التي تسبح في الهواء. حتى أن انتقام المسؤولين من الموظفين غير المرغوب فيهم، لا يزال موجها إلى الأرشيف. كل موظف أحيل على قسم الأرشيف في مؤسسة عمومية أو إدارة، فهو بالضرورة مغضوب عليه.
إلى متى ستعرض السير الذاتية وبيانات المواطنين وفواتيرهم، ومحاضر الاجتماعات للبيع بالكيلوغرام في دكاكين العطارين وباعة الحمّص؟ ألا يستحق منا المستقبل أن نحترمه على الأقل، ما دمنا قد لطخنا الماضي والحاضر أيضا، بفائض زيت عباد الشمس؟

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة