GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

يسار ويمين في ظلال النقابة

رحب الوزير بمسؤول العلاقات العامة في القطاع الذي يشرف عليه قائلا: مرحبا بسيادة الوزير في وطنه الثاني، أرجو ألا تكون رحلتكم متعبة، وآمل أن يكون مقامكم طيبا. وقبل أن يواصل الحديث، فاجأه موظف العلاقات العامة: آسف سيدي الوزير. وشرح له أنه مرافق الضيف الإفريقي، ثم قدم له الوزير الحقيقي لتبدأ جولة مباحثات عن مجالات التعاون بين المغرب وبلاد الضيف الإفريقي في قطاع تنمية الصناعة التقليدية وتنويع المبادلات.
مصدر الالتباس في الحادث الذي كان مثل «خال الجمال»، أن مسؤول العلاقات كان لونه أسمر، ويرتدي بدلة مناسبة ويتحرك بوقار، تقديرا لاعتبارات بروتوكولية. وعندما كان بصدد تقديم الضيف الإفريقي للوزير السابق في الصناعة التقليدية محمد أبيض، اعتقد الأخير أنه الوزير، بخاصة وأن الحادث وقع في الأيام الأولى لتوليه المسؤولية. إذ لم يكن يعرف موظفي إدارته بالوجوه والأسماء¡ لأنه كان ينشغل بالملفات لا بالتفاصيل. ولعل القليل يعلم أن الفنان التشكيلي الكبير محمد شبعة اشتغل مسؤولا في ديوان الوزير محمد أبيض، بغاية تجديد النظرة إلى الصناعة التقليدية.
كانت مغامرة أن يختار إلى ديوانه مثقفا أمضى فترة اعتقال بسبب أفكاره اليسارية، على خلفية الحملات التي شملت اعتقال شعراء ورسامين ومنشقين يدينون بالنهج الماركسي – اللينيني، أمثال عبد اللطيف اللعبي وعبد القادر الشاوي وأبراهام السرفاتي وأنيس بلا فريج ومحمد الدرقاوي، والرئيس السابق للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أحمد حرزني.
لم تكن المرة الأولى التي ينضبط فيها يساريون لأوفاق المسؤوليات في نطاق دواوين وزارية، فقد اشتغل المهندس السرفاتي بعض الوقت مسؤولا في ديوان وزير الفلاحة أحمد رضا كديرة. وكانت تلك من بين الأسباب التي جعلت هذا الأخير يتبنى الدفاع عن ملفه بعد تعرضه لاعتقال تعسفي، لولا أن الملك الراحل الحسن الثاني كان يرفض بشدة أن يسمع أي صوت خارج منطق الإجماع في قضية الصحراء.
الظاهر أن النزعة النقابية لدى الوزير محمد أبيض جعلته يتخطى ما كان يوصف بالخطوط الحمراء. واستقدم المبدع التشكيلي محمد شبعة إلى ديوانه، بغاية تأكيد أن العمل في دواليب الإدارة لا ينبغي أن يخضع للتهميش السياسي، بل يعتمد على الكفاءات. وصادف أن شبعة كان من أشد المدافعين عن معاودة تنظيم فضاءات المدن وتجاوز النظرة السطحية لقطاع الصناعة التقليدية. وكان من دعاة تقريب الفن التشكيلي إلى اهتمامات الشارع، كما في التظاهرة الرائعة التي همت تنظيم معرض جماعي لفنون الرسم في ساحة جامع الفنا في مراكش.
مصدر الإحالة في تصرفات وزراء تمرسوا في العمل النقابي، أن تجربة «الاتحاد المغربي للشغل» قبل ظهور روافد نقابية جديدة، كانت أكثر انفتاحا على التيارات اليسارية، خصوصا في مجال الصحافة. وشكلت الطليعة و«مغرب أنفورماسيون» وغيرها منابر إعلامية تستقطب الاهتمام. والأرجح أن الوزير محمد أبيض القادم من عالم البدلات الزرقاء قبل أن تتحول إلى بدلات بربطات عنق، تأثر بهذا المسار الذي سيعرف المزيد من الانعطافات يمينا ويسارا. فهو لم يكن بعيدا عن المحجوب بن الصديق، إلا أن قربه منه لم يكن مثل محمد عبد الرزاق، رجل المهمات الصعبة الذي لم يتخلص من الوصاية الآلية للنقابة. وثمة استثناء في هذا النطاق كان يمثله أستاذ الفلسفة حسن بن عدي الذي صعد إلى أعلى الدرج في مراتب نقابية، ثم انتهى إلى خلاف عميق مع المحجوب بن الصديق الذي لم يكن ليتقبل أي صوت يغرد خارج السرب الذي صنعه.
لكن محمد أبيض ومحمد بن عبد الجليل ومحمد الشرقاوي وأحمد حيمر الذين كانوا قياديين في الطبعة الأولى لتأسيس الاتحاد الدستوري بزعامة المعطي بوعبيد، ظلوا على وفاق مع الاتحاد المغربي للشغل، وكان الحزب اليساري الوحيد الذي لم يقطع صلاته بالمركزية النقابية للمحجوب بن الصديق هو التقدم والاشتراكية على عهد الراحل علي يعته. ما يفسر كيف أن «الاستئساد» بالنقابة كان خيارا سياسيا في بعض الفترات. ولم يكن هناك من يتصور وجود حزب سياسي فاعل ومؤثر من دون ذراع نقابية وامتدادات ثقافية داخل أوساط اتحاد كتاب المغرب، ومهنية في إطار اتحاد المحامين، إضافة إلى التنظيمات الموازية للشباب والنساء وحتى الجمعيات الكشفية.
في تلك المرحلة، كان معيار الحضور والتأثير الحزبي يستجمع القوى النقابية. لذلك انتقدت أحزاب المعارضة الرئيسية، على امتداد فترات الصراع السياسي، وجود أحزاب كانت تنعتها بأنها «إدارية» بلا امتدادات نقابية أو ثقافية. وكان يكفيها القول إن الأحزاب التي لا صحافة لها ولا روافد تنظيمية داخل المجتمع لا يمكنها أن تكتسح الساحة السياسية عبر انتخابات «مطبوخة».
لكني أختم بما قاله الوزير السابق في الصناعة التقليدية محمد أبيض، يوم آلت إليه قيادة «الاتحاد الدستوري» الذي كان في قلب عاصفة الانتقاد ضد ما وصف بـ«أحزاب الكوكوت مينوت»، فقد سئل عن موقف حزبه من البرنامج الحكومي لما بعد الطبعة الأولى لحكومة التناوب، فأجاب بالقول : « لا نستطيع أن نعارض برنامجا سياسيا يتطابق والخطوط العريضة لتوجهات نؤمن بها».
لعله كان يقصد بذلك أن الأفكار التي تضمنها البرنامج الحكومي لا تتعارض وما كان يطرحه حزبه، نظريا على الأقل، أي دعم المبادرة الحرة وتمكين جيل ما بعد الاستقلال من تحمل المسؤولية، وتكريس خيار الجهوية وإلغاء مفهوم الدولة الراعية، من خلال تفويت منشآت القطاع العام في مجال الخدمات، إلى القطاع الخاص، من الاحتفاظ بالقطاعات الاستراتيجية فقط. فقد أصبحت هذه المفاهيم أقرب إلى خارطة طريق، زاد الالتفاف حولها بعد انهيار الحرب الباردة وسقوط جدار برلين.
إلا أن الأهم في هذا المنظور، هو أن المعارضة تقاس بالبرامج لا المواقع. وكم تبدو فكرة المعارضة مغرية حتى لا تتطلب غير التلويح بكلمات لا يكون لها ما بعدها من مضايقات. لكن كل شيء في طريقه لأن يتغير بما في ذلك العمل النقابي، فبالأحرى مصطلحات القرار السياسي.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة