اسأل نفسك.. هل سيزورك أحد؟

اسأل نفسك.. هل سيزورك أحد؟

يقال إن بعض الذين يشاركون في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، كانوا يخططون لزيارة عبد الرحمن اليوسفي في المصحة التي يخضع فيها للعلاج هذه الأيام، لكن موعد زيارتهم لليوسفي قوبل بالرفض.
الأمر فعلا يحتاج لأن نتوقف عنده قليلا، ما دام يتعلق بسياسي مثل عبد الرحمن اليوسفي. طبعا لا نحتاج إلى كثير من الذكاء لنفهم أن الذين يخططون اليوم لزيارة اليوسفي لن يترددوا في توظيف الأمر سياسيا، خصوصا أنهم «يتناتفون» هذه الأيام لتقسيم غنيمة «الصيكان» في ما بينهم.
لا نقول، بطبيعة الحال، إن اليوسفي رفض لقاءهم. لا شيء مؤكد في الأخير، لكن يبدو أن المقربين منه يريدون قطع الطريق على هؤلاء الانتهازيين الذين لن يترددوا في توظيف صورة الزيارة سياسيا، وسيكون من المهين لكل من يحترم نفسه، أن يرى رصيد رجل متعَب، يُستغل بطريقة مشابهة.
هناك اليوم من يبحث عن شراء رصيد نضالي بأي ثمن، لكنه يكتشف في الأخير، متأخرا، بطبيعة الحال، أن الماضي لا يُشترى. هناك، طبعا، من ينتقد أداء عبد الرحمن اليوسفي أو مواقفه السابقة، لكن لا أحد يستطيع إنكار دور الرجل في محطات سياسية كثيرة عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، وهو الأمر الذي كلفه مقامه بالمغرب، وازداد رصيده النضالي اعتباريا عندما عاد إلى البلاد في التسعينات، ليتسلم تجربة حكومية كانت الآمال كلها قد عقدت عليها لإخراج المغرب من السكتة القلبية التي كانت تهدده.
أين كان كل أولئك الذين أمضوا عقودا طويلة في الاستفادة من الأجرة الوزارية وأجرة البرلمان؟ الدولة تعرف جيدا أنه لا يمكنها أن تعول عليهم لأنهم كانوا يفكرون في زرع عائلاتهم وأصدقائهم، ويفهمون أن الحزب هو قبيلة صغيرة من المعارف الذين يجب أن تخصص لهم أجور الدولة، بينما الفقراء ليسوا إلا فحما يجب إحراقه ليسير القطار البخاري الذي يركبونه إلى حيث يسير.
دخل أغلب هؤلاء إلى المصحات للعلاج، لكن لا أحد زارهم، ولم يحظوا باحترام أحد في الأخير، رغم أنهم قضوا أعمارهم في التلذذ بتأخير المواعد وجرجرة الذين كانوا يتقربون منهم حتى يستظلّوا بمظلة السلطة التي كانوا يحملونها وحُرموا منها في الأخير. ورغم كل هذا، يرفض هؤلاء الذين يدّعون الغيرة على الوطن، استخلاص الدروس من السابقين، ويغامرون بكل شيء للفوز بالمناصب والامتيازات، بل ويرفضون حتى مناقشة فكرة التقشف أو التخلي عن بعض امتيازاتهم، احتراما للمعاناة التي يعيشها أغلب أفراد الشعب المساكين.
إنه التعنت، وهو وحده الذي يضمن الارتطام بالحائط في الأخير.
هناك اتحاديون عاشوا مع عبد الرحمن اليوسفي تجربة التناوب، لكن لا أحد يحترمهم اليوم، بل توجه لهم اتهامات مباشرة باستغلال منصبهم الوزاري لجمع وسخ الدنيا، الذي غرقوا فيه اليوم إلى الركب، ولا أحد يحترم أسماءهم ولا وجودهم، حتى أنه، في السنة الماضية، كان مخططا أن تُعقد ندوة لمناقشة مسار اليسار في التجربة الحكومية وتجربته الطويلة في المعارضة أيام كانت كلمة «لا» تُرسل إلى الأقبية والمعتقلات، وبمجرد ما علم الحاضرون ببرمجة مداخلة لأحد الوزراء الاتحاديين السابقين، حتى بدأ بعض الحاضرين في الانسحاب تلقائيا، ليعتذروا من المنظمين في الأخير، وقالوا بالواضح إنه لا يشرفهم، كمناضلين سابقين اعتقلوا من أجل آرائهم، أن يستمعوا لوزير سابق ينظر عليهم في النضال بينما ثروته كلها راكمها بعد الوزارة.
لا نحتاج، بطبيعة الحال، أن نذكر مرشحي تشكيل الحكومة المقبلة، أن المرض ينتظر الجميع، وأن الحقائب والأضواء وميكروفونات الصحافة، كلها تنفض في الأخير عن هؤلاء الذين يرون في السياسة مرادفا للاستثمار العائلي.
بإمكانك أن تطير، وأن تقفز وتتحالف وتتخاصم، وتصادق المعارضة وتخون الحلفاء، لكنك، في الأخير، ستترك كل شيء، وستجد نفسك ممددا، أو متقاعدا في فيلا تدخلها الشمس، ورغم ذلك يدخلها الطبيب أيضا لعلاجك، لكن التخوف الذي يجب أن تقلق بشأنه هو هل سيزورك أحد، أم أن المرة الوحيدة التي ستُذكر فيها بعد الوزارة، هي قصاصة الأنباء التي ستضرب موعدا لمن لهثوا خلفك سابقا، في مقبرة «الشهداء».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *