الأخبار ترصد أسباب أزمة الماء بالشمال وفشل المجالس في الحلول الاستباقية

الأخبار ترصد أسباب أزمة الماء بالشمال وفشل المجالس في الحلول الاستباقية

تطوان: حسن الخضراوي

تتلقى مصالح شركة «أمانديس» سيلا من الشكايات اليومية حول اختلالات انقطاع الماء عن الأحياء السكنية، في غياب أي جواب يحمل معطيات دقيقة حول الأزمة ومدة استمرارها، ما عدا محاولات للتهدئة ونزع فتيل الاحتقان الذي تحول إلى دعوة واسعة للخروج إلى الشوارع من أجل الاحتجاج الجماعي على شاكلة ثورة الشموع السابقة .
الجهات المسؤولة تحاول تبرير أزمة المياه بتأخر موسم التساقطات المطرية وشحها خلال الثلاث سنوات السابقة، والمواطن يطالب جميع المتدخلين بتحمل مسؤوليتهم في الكشف عن أسباب الأزمة وربط المسؤولية بالمحاسبة من أجل تجنب مثل هذه المشاكل المستعصية والحساسة مستقبلا، والاستمرار في ربط المنازل بالمياه، باتخاذ كافة الإجراءات الاستباقية المناسبة .

سخط عارم
يسود سخط عارم لدى سكان الشمال من اختلالات انقطاع الماء الصالح للشرب بسبب عدم التزام شركة «أمانديس» المكلفة بالتوزيع، بعد البلاغ الذي أصدرته سابقا ويتحدث عن تحديد المدة الزمنية للانقطاع التي لم يتم احترامها، فضلا عن تضارب الأنباء وغياب التواصل من طرف المجالس الجماعية المسؤولة عن التتبع والمراقبة، ما فتح المجال أمام تداول الإشاعات وتناقل الأخبار غير الدقيقة، التي تتحدث عن موجة من العطش ستعرفها تطوان والنواحي خلال الأيام المقبلة بغياب الماء لأسابيع عن الأحياء الهامشية، وليس يومين أو ثلاثة فقط كما يحدث الآن.
الحسين (شاب ثلاثيني يقطن بأحد الأحياء العشوائية بالفنيدق) قال إن المدة الزمنية التي تزود بها المنازل بالماء غير منتظمة، لذلك يلجأ عدد من السكان إلى ملء خزانات ضخمة لاستعمالها في ما بعد، ما يطرح إكراه ضعف صبيب الصنابير وعدم استفادة البعض من مدة عودة التزود بالماء بشكل نهائي .
ويضيف المتحدث نفسه، أن بعض السكان أصبحوا يلجؤون إلى مياه الآبار والصنابير التي يضعها محسنون أمام أبواب منازلهم، بعد يأسهم من عودة التزود بالماء الصالح للشرب واستمرار انقطاعه ليومين أو أكثر، مشددا المتحدث ذاته، على أن لا أحد زار السكان من مسؤولي الجماعة لتفقد أحوالهم ومشاكلهم مع أزمة الماء .
وكشف مصدر «الأخبار» أن السخط والتذمر الذي يعيشه سكان بعض الأحياء الهامشية التي لا يصلها الماء لمدة طويلة، يمكن أن يتحول في أي وقت إلى قنبلة موقوتة واحتجاجات عشوائية غير مؤطرة لا يمكن التكهن بنتائجها على مستوى الأمن العام .
وأضاف المصدر نفسه أن غياب المعلومة الدقيقة وعدم تشكيل خلية أزمة تتواصل مع المواطنين وتشرح أكثر أسباب انقطاع الماء، والحلول البديلة التي يمكن الاعتماد عليها في حال تأخر الأمطار، يفتح الباب أمام انتعاش الإشاعات وانتشارها خاصة تلك التي تقول إن كمية الماء الموجودة بالسدود لم تعد تكفي سوى لأيام معدودة وأن العطش يتهدد السكان عما قريب .
واستقت الجريدة مجموعة من الآراء التي أجمعت كلها على أن أزمة الماء هي مشكل المسؤولين والمؤسسات التي تسهر على تدبير هذا القطاع الحساس، لأن المواطن أو زبون شركة «أمانديس» يلتزم بعملية الدفع مقابل استهلاكه شهريا، وحملات التوعية من أجل عدم التبذير والمحافظة على الماء لا يمكنها أن تحل محل الاستراتيجيات الواضحة لرصد المشاكل واعتماد حلول استباقية تحول دون السقوط فيها تجنبا للتبعات والنتائج الوخيمة.

أسباب الأزمة

كشفت مصادر للجريدة أن من أسباب أزمة المياه الصالحة للشرب التي دخلت فيها مدن الشمال، تبذير هذه المادة الحيوية من طرف مصالح المؤسسات، خاصة جماعة تطوان التي تستعمل الماء الصالح للشرب، في سقي مساحات خضراء واسعة، ما استنزف الثروة المائية وساهم في تراجع حقينة السدود بشكل مخيف، خاصة وأن عملية السقي ترافقها اختلالات كبيرة تتمثل في الإهمال واستخدام خراطيم المياه من طرف العمال المكلفين عوض الاعتماد على الرشاشات على الأقل للاقتصاد، وضرورة مراقبتها تجنبا للأعطاب المؤدية إلى تبذير المادة الحيوية.
وأضافت المصادر نفسها أن محمد إدعمار، رئيس الجماعة الحضرية لتطوان، ورغم سفره المتكرر إلى المدن الخارجية واطلاعه على تجاربها في الحفاظ على الماء الصالح للشرب، وعدم تبذيره في سقي المساحات الخضراء، إلا أنه لم يعمل على استلهام تلك التجارب لتنزيلها بالمدينة.
وقال مستشار عن المعارضة بمجلس تطوان إن التفكير في سقي المساحات الخضراء بالاعتماد على مياه الآبار، أو دراسة مشروع من مثل الذي أنجز بعمالة المضيق الفنيدق ويهم سقي المساحات الخضراء الشاسعة بالمياه العادمة المعالجة، سبق أن تم عرضه على المجلس كما تم التحذير من المشاكل التي ستعرفها المدينة مستقبلا والمرتبطة أساسا بندرة المياه، لكن للأسف ليس هناك أذان صاغية من بعض أعضاء الأغلبية الذين يخالون كلام المعارضة كله مزايدات سياسية لا معنى، بحسب المستشار ذاته.
وطالب المتحدث نفسه الجهات المسؤولة بفتح تحقيق في تعثر المشاريع التي كانت ستعالج مشكل ندرة المياه الصالحة للشرب، أهمها تأخر الأشغال بسد مرتيل الذي يعول عليه لسد حاجيات مدن الشمال من الماء لسنوات متعددة .
وسبق أن تم التحذير من استعمال المياه الصالحة للشرب في ملء المسابح المتواجدة بالمشاريع السياحية بالمنطقة، الخاصة منها والعامة، مع وجود البديل المتمثل في مياه الآبار والفرشة المائية الغنية بالموارد المائية .
ومن الأسباب التي أدت إلى أزمة الماء أيضا غياب حملات التوعية للمحافظة على هذه المادة الحيوية من التبذير، فضلا عن ندرة التساقطات المطرية خلال السنين الأخيرة والانفجار الديمغرافي الذي تعرفه مدن الشمال بسبب الهجرة القروية واستقبالها لأفواج من العمال للاستقرار أو مزاولة مهن موسمية .

تهرب الرئيس
حاول محمد إدعمار رئيس الجماعة الحضرية بتطوان التهرب من أزمة الماء بالمدينة، بإشارته إلى أن شركة «أمانديس» لم تنسق مع الجماعة حول قطع الماء، لذلك فالقرار انفرادي لم يحترم القوانين الجاري بها العمل وضرورة إشعار الجماعة المكلفة بمتابعة ومراقبة تنزيل بنود دفتر التحملات الموقع بين الأطراف المعنية .
وخرج الفريق الاشتراكي المعارض بالمجلس ببلاغ قال فيه إنه يتابع بقلق كبير الانقطاعات الحاصلة في تزويد السكان بالماء الصالح للشرب، وقد فاجأه بلاغ صادر من رئيس الجماعة اعتبر في نصه أن البلاغ الثلاثي الصادر عن الحوض المائي اللوكوس والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب وشركة «أمانديس» هو بلاغ انفرادي، محاولا التنصل من مسؤوليته كرئيس لمؤسسة تمثيلية للسكان وكرئيس للجنة تتبع تنفيذ عقد التدبير المفوض لقطاع الماء والكهرباء .
وأضاف البلاغ نفسه أن الفريق الاشتراكي يؤكد على انخراط رئيس الجماعة الحضرية لتطوان في اتخاذ قرار قطع الماء على الساكنة باعتباره رئيسا للجهة الإدارية المفوضة، ولا يمكن لشركة «أمانديس» أن تتخذ مثل هذا القرار الخطير والماس بحق المواطنين في التزود بهذه المادة الحيوية دون إذن من السلطة المانحة للتفويض. كما أدان البلاغ ذاته كل تدبير غير شفاف لهذا المشكل وكل محاولة إلصاقه بالغير، باعتبار أن الرئيس كان طيلة السنة وبحكم منصبه على إطلاع كامل بحيثيات الملف وما يجب اتخاذه من تدابير احترازية.
ورغم مطالبة الفريق الاستقلالي عن الأغلبية داخل المجلس بعقد دورة استثنائية لتدارس الأزمة، إلا أن إدعمار مازال يتعامل باستخفاف مع الأمر، وقد تم تنبيهه إلى المسؤولية الثابتة لفشل الجماعة في تتبع ومراقبة تنزيل بنود دفتر التحملات الموقع مع شركة «أمانديس»، ما يعني أن المجلس الذي علقت عليه آمال كبيرة لإنقاذ المدينة، يفتقر إلى حلول للأزمة ويهاب مناقشتها مع المعارضة وأعضاء عن الأغلبية بحضور الرأي العام تجنبا للإحراج، بحسب بعض المتتبعين .
وطالب مجموعة من السكان رئيس الجماعة بالكف عن طرح المبررات وتبادل الاتهامات التي لن تغير شيئا من الواقع الملموس الذي أصبحوا يعيشونه كل يوم، والمبادرة إلى إنهاء الأزمة والحد من استمرار جحيم قطع الماء دون برنامج منظم من طرف شركة «أمانديس»، ما ساهم في اختلال برنامجهم اليومي الخاص بالمنزل والعمل على حد سواء .

صمت المجالس
اختارت جماعة الفنيدق والمضيق ومرتيل الصمت أمام أزمة انقطاع الماء عن أحياء المدن التي تشرف على تدبيرها وتسييرها، ما عدا بعض البلاغات التي تحاول التهرب من المسؤولية وإلقائها على عاتق مؤسسات أخرى عوض الخروج من أجل توضيح حيثيات وأسباب العطش الذي أصبح يتهدد المواطنين وينذر بتطورات مثيرة في المستقبل القريب خاصة مع تزايد الاحتقان الذي خلفه الارتباك والاختلالات الواضحة على مستوى عملية التقنين وعدم احترام توقيت ومدة الانقطاع.
وكشف مصدر الجريدة أن صمت المجالس الجماعية مرده إلى أنها لا تتوفر على الكفاءات السياسية التي يمكنها معالجة الأزمة، فضلا عن فشلها في رسم استراتيجيات واضحة تعالج بها مشكل التبذير الحاصل واستنزاف الثروات المائية قبل المشكل وليس بعده .
وأضاف المتحدث نفسه أن أغلب أعضاء المجالس لا يقدرون ارتباط الأزمة بالسلم الاجتماعي وضرورة المساهمة في المحافظة عليه من خلال عقد دورات استثنائية مستعجلة واجتماعات مع مختلف المؤسسات المسؤولة على الأقل لتشكيل خلية أزمة توكل إليها مهمة تدبير هذه المرحلة الحساسة في انتظار أمطار الخير واستكمال المشاريع المتعلقة بالسدود التي ستنهي مشكل ندرة الماء مستقبلا بمدن الشمال . وأظهرت المجالس الجماعية فشلها الذريع في تتبع ومراقبة تنزيل بنود دفتر التحملات الموقع مع «أمانديس» المكلفة بتدبير قطاعي الماء والكهرباء والتطهير السائل بالشمال، خاصة على مستوى غلاء الفواتير المتواصل وتنصل الشركة من التزامات ما بعد ثورة الشموع، فضلا عن قطع الماء على عدد من الأحياء خارج توقيت البلاغ الذي خرج إلى العموم .
وكشف مصدر «الأخبار» أن الحوار السياسي الذي يدور داخل المجالس الجماعية بالمضيق الفنيدق خلال مناقشة مثل هذه الأزمات الخانقة لا يرقى إلى إيجاد الحلول أو حتى التفكير في بديل حقيقي، ما يتطلب تدخل المؤسسات الموازية من أجل إيجاد حلول آنية للأزمة تتم دراستها من طرف مختصين، في انتظار موسم أمطار الخير أو استكمال المشاريع الخاصة بالسدود.
وكان بلاغ مشترك لوكالة الحوض المائي اللكوس والمكتب الوطني للماء والكهرباء وشركة «أمانديس»، تتوفر الجريدة على نسخة منه، قد أكد أن أحياء مدينة تطوان ونواحيها ستعرف انقطاعات متتالية للماء الشروب نتيجة النقص الحاد في الموارد المائية الصالحة للشرب، بسبب قلة الأمطار، وعدم انتظام سقوطها طيلة الثلاث سنوات الماضية على التوالي، ما أثار سخط المواطنين على فشل الجهات المعنية في الحفاظ على هذه المادة الحيوية من التبذير، والبحث عن حلول بديلة لتجنب استعمالها في سقي مساحات واسعة من المناطق الخضراء تستنزف الثروة المائية وتهدد المدن الشمالية وسكانها بالعطش.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *