حصول «بوب ديلان» على «نوبل» يحيي الجدل حول الطبيعة النخبوية للآداب

حصول «بوب ديلان»  على «نوبل» يحيي الجدل حول الطبيعة النخبوية للآداب

حملت جائزة «نوبل» في الآداب هذه السنة مفاجأة كبرى تمثلت في فوز موسيقار «الديلتا بلوز» الأمريكي بوب ديلان بالجائزة. بالنسبة لسارا دانيوس، السكرتير الدائم للأكاديمية، فإن ديلان يستحق الجائزة «لأنه أوجد تعبيرات شعرية جديدة في الأغنية الأمريكية التقليدية»، لكونه «جرب كل التقاليد العظيمة من الأغنية الشعبية الأمريكية إلى نوع موسيقى «الدلتا بلوز» ثم إلى الحداثة الفرنسية، بأسلوب أصلي للغاية»، مضيفة أنه «أعاد اكتشاف نفسه وعمله أكثر من مرة». كما أنه ينتمي إلى تقليد شعري يمتد للشاعر الإنجليزي «وليام بلاك».
هذه الأسباب التي اقتنعت بها الأكاديمية السويدية لتمنح جائزة «نوبل» للآداب لأول موسيقي في تاريخ الجائزة، شكلت موضوع نقاش ساخن، أكاديميا وإعلاميا، فالبعض رأوا في نسخة هذه السنة «انحدارا في الذوق الشعري» لكون ديلان مجرد «كاتب كلمات» وليس شاعرا. فالشعري يتضمن بالضرورة بعدا موسيقيا، بينما ليست كل الأغاني المغناة شعرا، في حين رأى آخرون أن ديلان يستحق الجائزة، لأنه قبل أن تناقش موسيقاه جماليا في تاريخ الموسيقى العالمية عموما والأمريكية خصوصا، فهو شاعر، فيما ذهب آخرون إلى أن النقاد الذين انتقدوا منح الجائزة لديلان، ينطلقون من تصور تقليدي ونمطي للتعبير الجمالي، لكون الفصل بين الشعر والرواية والنثر والموسيقى والتشكيل والمسرح وغيرها من التعابير الجمالية، هي تقسيمات صورية لا تخفي حقيقة التداخل الموجود بينها. فالشعر يمكن أن يتضمن رواية، مستدلين بشعر الملحمة، والشعر يمكن أن يكون نثريا، مستدلين بالقصيدة النثرية.
المثير للجدل هو أن المعني بالأمر، أي بوب ديلان نفسه، غير معني تماما بهذا النقاش، حيث مايزال حتى الساعة صامتا دون أن يبدي أية ردة فعل حول فوزه، وهي ردة الفعل التي رأى فيها كثيرون تجاهلا غريبا.
المعارضون: «ديلان لا علاقة له بالآداب»
الجميع يؤكد أن اختيار ديلان هو تكسير للقاعدة، تماما كما تم اختيار بعض الكتاب المحسوبين على الفلسفة أو السياسة في سنوات سابقة، أمثال الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر والسياسي البريطاني ونستون تشرشل، لكن تم الاختلاف في تقدير هذا الاستثناء. المعارضون، وأبرزهم الفيلسوف الفرنسي المعاصر آلان فرانكروت، الذي رأى في حصول بوب ديلان وشعره على الجائزة ابتذالا وانحدارا في الذوق الشعري، إذ بدل أن تكون الأكاديمية السويدية عنصر مقاومة لكل أشكال الثقافة الشعبية المبتذلة التي تجتاح العالم في كل شيء، فإنها، حسب فرانكروت، استسلمت للثقافة الشعبية والشائعة، والتي لا علاقة لها بالضرورة بالشعر أو الآداب. هذا من حيث الشكل الشعري، أما من حيث المضمون، فإن ديلان، إن كان يستحق جائزة «نوبل» فإنه يستحقها في السلام، لكون كلمات أغانية منذ الستينات تنصب على ثقافة الرفض، فقد اشتهر برفضه للحروب والاستبداد والعنصرية، وقربه من حياة المهمشين والمظلومين، وهي أسباب قد تجعله أقرب لجائزة السلام منه لجائزة الآداب. فحسب الفيلسوف الفرنسي، فالجائزة انحازت للسياسة وانحازت للعموم، ولم تنحز للذوق الشعري الراقي. فالأغنية هي أصل الآداب، لذلك أخطأت الأكاديمية السويدية. ولذلك من الصعب أن نفضل بوب ديلان، يقول فرانكروت، على شعراء أمثال «سيرج غانسبورغ» و«جورج براسون» و«إتيان رودا جيل»، فالآداب ولدت أغنية لكن لا يمكن لأي أغنية أن تعتبر أدبا، خاصة أن أغاني بوب ديلان هي أغان شعبية تعكس التاريخ الأمريكي حيث لقاء العبودية بالموسيقى الأوربية والثقافات اليهودية والإيطالية والإسبانية، وديلان هو ابن هذه الثقافة الشعبية التي ينبغي أن تفهم في سياق تاريخي وليس في سياق تاريخ الآداب.
فحسب هذا الفيلسوف الفرنسي المثير للجدل في الأوساط الثقافية والأكاديمية الفرنسية، فالأدب يتجاوز الأغاني والمقالات الصحفية والسيناريوهات السينمائية والحوارات، إنه يضمها كلها ولكن لن يكونها بشكل حصري. لذلك فاختصار الأدب في الأغاني الشعبية يعكس مستوى الانحدار الذي باتت تمثله الجائزة، بل إن الأمر يتعلق بسقوط آخر قلعة أمام موجة الابتذال التي تجتاح العالم المعاصر.
مساندو بوب ديلان: «إنه يكتب أدبا للأذن»
بالنسبة لكثيرين، بوب ديلان يستحق الجائزة، إنه أسطورة حية تمشي على الأرض، إنه أحسن من يعبر عن أجيال أحسن تعبير، الأجيال التي عارضت ثقافة الهيمنة والاستعمار والعنصرية، عارضت حرب فيتنام وجدار الفصل العنصري، وكذا كل أشكال اللامساواة بين الأعراق في أمريكا في الستينات والسبعينات. لذلك، أصبحت أغانيه تراتيل تغنى في كل مكان، في أغان مثل: «يترنح بفعل الهواء» «Blowin’in the wind» و«الأزمنة التي تتغير» «The Times they are a-changing»، وهي أغان عبرت بصدق عن حال أجيال كاملة وكانت تحفظ من طرف الجميع، لأنها تنطق باسمهم ومواقفهم مما يجري حولهم في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. لذلك، بالنسبة للذين رأوا في منح جائزة «نوبل» للآداب لهذه السنة لبوب ديلان قرارا صائبا، فهذه الجائزة ليست مفاجأة ضمن سلسلة الجوائز العالمية التي حصل عليها، والتي لا يمكن أن تكون كلها مخطئة، وكان من هؤلاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي يعتبرها جائزة مستحقة. فحسب أوباما، فـ«ديلان يكتب آدابا للأذن».
وبالنسبة للكثير من معجبي ديلان، من النقاد والصحفيين المتخصصين في الفن والآداب، فهو ليس كاتبا أو شاعرا أو روائيا محترفا، ممن يتلاعبون باللغة ويعبرون بها عن عواطف، لكنه حمل اللغة إلى عوالم أرقى وأجمل، والتي لا يصل إليها الكثير من المغنين والكثير أيضا ممن يصنفون ضمن طائفة الكتاب. إنه حمل الأغنية إلى مستويات راقية في معانيها وفي رقيها الأدبي، إنه خلق ثورة أدبية في الأغنية وخلق ثورة غنائية في القصيدة. وتكفي العودة لبضع أغانيه ليكتشف المستمع أنه ليس في حاجة لعشرات الكتب. وفوزه بالجائزة ليس صدفة، فقد سبق له أن ترشح إليها سنة 2004.
وطرحت جريدة «النيوزويك» سؤالا على قرائها سنة 2013: هل ديلان شاعر أم مغنّ؟ بمعنى أن العلاقة بين الشعري والغنائي كانت دوما مرافقة لمسيرته. ولنفس هذا الرأي ذهب عضو الأكاديمية السويدية «بير واستبرغ» الذي علق على فوز ديلان بالجائزة: «هو في الأغلب أعظم شاعر على قيد الحياة»، بينما ذكرت سارة دانيوس، الأمين العام الدائم لأكاديمية «نوبل»، في المؤتمر الصحفي للإعلان عن الجائزة، إنه كان هناك «توافق رائع» في قرار اللجنة لمنح ديلان الجائزة.
ديلان.. أكثر من نصف قرن من الإبداع
بوب ديلان مغنٍ وملحن وشاعر أمريكي حاز على شهرة عالمية عظيمة، وخصوصاً في أوساط الشباب والمثقفين والطبقة العاملة. واسمه الحقيقي روبرت تسيمرمان، وكان بدل هذا الاسم باسمه المعروف به الآن عام  1962.
ولد بوب ديلان عام 1941 في بلدة صغيرة (دولوث) بولاية مينوسوتا قرب الحدود مع كندا، لأبوين من المهاجرين اليهود من أوكرانيا. تعلم العزف على القيثارة وهو طفل صغير وتحول إلى عازف محترف على القيثارة والهارمونيكا، قبل أن يصل الثامنة عشرة من العمر، وكان أول ظهور له كعازف ومغن في عام 1955، حين شارك في حفلات موسيقية بمصاحبة فرقة متخصصة في الموسيقى الفولكلورية مكونة من أربعة من الشبان، لكنه لم يلبث أن ضاق درعا بالحياة في المدينة الصغيرة والغناء في البارات والمقاهي الرخيصة، فانتقل عام 1961 إلى نيويورك لتتسع شهرته بعد ذلك، ثم يتخذ في العام التالي اسم بوب ديلان بديلا لاسمه الحقيقي، تيمنا بالشاعر توماس ديلان.
انخرط بوب في حركات الشباب الاحتجاجية الكبرى على سباق التسلح وحرب فيتنام، واضطهاد السود في الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي .
نال ديلان الكثير من الجوائز الكبرى شاعراً ومثقفاً وموسيقاراً ومغنياً، وعده بعض النقاد أفضل كاتب كلمات في تاريخ الغناء الغربي، وهو يستلهم تلك الكلمات من حياته ومن آمال وأحزان وتطلعات الناس المحيطين به والشباب منهم على وجه الخصوص.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *