كاسترو.. أيقونة صالح في ثمود

كاسترو.. أيقونة صالح في ثمود

رحل الزعيم الكوبي فيديل كاسترو (1926 ـ 2016) عن إرث متناقض متلاطم، شخصي فردي وعامّ وطني، سياسي ونضالي وعقائدي؛ ظلّ، مع ذلك، وفي الحصيلة الإجمالية، مقترناً بهذه الجزيرة العجائبية، كوبا، التي كادت أن تشعل حرباً نووية بين عملاقَيْ القرن العشرين؛ وبقيت، في سياقات لا تقلّ عجباً، بمثابة جار/ خصم للقوّة الكونية العظمى، أقرب إلى «شوكة في الخاصرة، رغم أنها تبقى جزيرة ضئيلة الحجم، ضعيفة القوّة، جائعة ومحاصَرة.
من جانبي، أحفظ لهذا الثوري العجوز سلسلة خيارات نبيلة، شاقة تماماً، ركن إليها في أزمنة عاصفة مصطخبة، ومناخات اغتراب عن العصر، وربما عن الأزمنة الحديثة جمعاء؛ سواء بعد انهيار، وتفكك، ما كان يُدعى «المعسكر الاشتراكي»، والعواقب الكونية، السياسية والاقتصادية والإيديولوجية، التي خلّفتها هذه الهزّة الكونية؛ أو بعد صعود، وترسّخ، العولمة في أنساقها المختلفة، والوحشية الهوجاء منها بصفة خاصة. وأحفظ له، غنيّ عن القول، سلسلة أخرى من الخيارات النقيضة، المستبدة والطغيانية والفردانية؛ التي لا يلوح أنّ التاريخ قَبِل، أو سيقبل، أياً من العوامل والشروط والظروف التي ساقها كاسترو في تسويغ اتخاذها.
أحفظ، على سبيل المثال الأول، فلسفته بصدد علاقات الشمال والجنوب، والتي عرضها في خطبته الافتتاحية الشهيرة أمام «قمّة الفقراء»، في العاصمة هافانا، مطلع الألفية: «لم يسبق للبشرية أن شهدت مثل هذا الإمكان العلمي والتكنولوجي، وهذه القدرة الفريدة على إنتاج الثروات والرفاه. ولكن لم يسبق أن كانت اللامساواة واللاتكافؤ على هذه الدرجة من العمق في العالم»، قال كاسترو. وإذا كانت الأعاجيب التكنولوجية قد قلّصت الكرة الأرضية على مستوى الاتصالات والمسافات، تابع السجال، فإنّ هذه الأعاجيب «تتعايش اليوم مع الهوّة المتزايدة التي تفصل بين الثروة والفقر، وبين التطوّر والتخلّف». أمّا العولمة فإنها «حقيقة موضوعية» تضع أبناء البشرية في مركب واحد، ولكنها لا تساوي بينهم في اعتبارات الغذاء السليم والماء النقيّ والرعاية الصحية واستخدام العلوم؛ هذه التي تحتكرها نسبة 15 في المائة فقط من راكبي المركب الواحد ذاته. ذلك لأنّ المركب إياه «مبنيّ على قدر من المظالم أكبر بكثير من أن يسمح له بالطواف ومواصلة هذا الدرب اللاعقلاني وصولاً إلى مرفأ آمن». هذه العولمة لا تشيع فلسفة أخرى سوى الليبرالية الجديدة في طبعتها الوحشية، ولا تُعَوْلم التنمية بقدر ما تعولم الفقر، ولا تحترم سيادة الأمم بقدر ما تنتهكها يومياً. وليس أدلّ على اختلال التوازن في علاقات أبناء المركب الواحد من حقيقة أنّ النموّ الدولي خلال الربع الأخير من عمر الألفية الثانية لا يرقى إلى نصف ما كان عليه بين أعوام 1945 و1975. أحفظ، في مثال ثانٍ، تلك المقارنة المفزعة التي عقدها كاسترو، بين مسؤولية النظام النازي عن جثث الهولوكوست، ومسؤولية النظام الاقتصادي العالمي الراهن عن جثث الجائعين في أفريقيا. كم من المرّات لجأت شاشات التلفزيون الغربية إلى تحذير مشاهديها من أنّ المشاهد التالية قد تكون «مؤذية» للمشاعر: أطفال يرضعون من أثداء ضامرة تحوم حولها أسراب ذباب ليست أقلّ جوعاً، وأطفال يُدفنون بعد أن التصقت جلودهم بالعظام ونفقوا جوعاً (والفعل «نفق» يخصّ الماشية عادة، لمن ينسى أو يتناسى)، ورجال ينبشون الرمل بحثاً عن عروق وجذور ودرنات… أيّاً كانت؟ وكاسترو لم يكن يفتقر إلى الأرقام ذات الإيحاءات المأساوية الهولوكوستية: في عام 1973 تأثر بالمجاعة نحو ثلاثة ملايين آدمي، وفي عام 1984 بلغ الرقم 7.8 ملايين، وفي عام 1991 انخفض قليلاً ليبلغ… 6.2 ملايين. مجاعة سنة 2000، حين انعقدت قمة الـ77 في مطلع ألفية جديدة، كانت تهدد 7.8 ملايين نسمة في إثيوبيا، و2.7 مليون في كينيا، و1.2 مليون في الصومال، و1.6 مليون في بروندي؛ هذا إذا وضعنا جانباً أعداد المتأثرين في إريتريا ورواندا وأوغندا وجيبوتي والسودان. ويبقى أن النظام الذي خلّفه كاسترو ليس ديمقراطياً، وفق معايير الحدّ الأدنى من أيّ تعريف سليم متفق عليه لمفهوم الديمقراطية؛ بل هو أقرب إلى ديكتاتورية الحزب الواحد في كلّ ما يخصّ حرّيات أساسية مثل التعبير والصحافة والتظاهر والتعددية الحزبية والقضاء المستقلّ؛ وهذا توصيف لم يسبق لي، شخصياً، أن أغفلته في أيّ تثمين للتجربة الكوبية. في الآن ذاته لم أخفِ يقيني بأنّ حجم المشكلات الداخلية والخارجية الهائلة التي جابهتها كوبا، داخلياً وخارجياً، يجعل سجلّ إنجازات النظام أرفع من أن يُقارن بالغالبية الساحقة من أنظمة العالم الثالث؛ خاصة تلك التي سُمّيت ذات يوم «ثورية» أو «تحرّرية» أو «تقدّمية». ولأنه بات غريباً، كصالح في ثمود، أو حتى بمعنى الاغتراب الهيغلي الذي يكرّس انفصال الذات عن روحها الاجتماعية؛ فالأرجح أنّ نموذج كاسترو انطوى نهائياً، في مستواه الأيقوني، ربما قبل سنوات سبقت رحيله الجسدي!

نبذة عن الكاتب

ناقد ومترجم

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *