الفرّاشة الجدد

القشابة عندهم واسعة، ولا يشبهون في شيء هؤلاء الذين نتوفر عليهم نحن. اختر أي مجال تريد، سواء في السياسة أو الأدب، وقلته أيضا، والسينما.
تنشر «الفورين بوليسي» مقالا، بغض النظر عن مضمونه، بعنوان: «الانتخابات الرئاسية كانت فاسدة» ويلمح العنوان إلى أن الوقت حان لإدراك هذا الأمر. ومع المقال صورة للدولار الأمريكي عليه صورة «ترامب». يجب أن تكون قشابة الرئيس ومن معه واسعة جدا لهضم هذا العنوان، فيما في دول أخرى لا يمكن حتى أن تلمح الصحافة إلى أن الانتخابات شهدت خروقات فما بالك بالتشكيك في مصداقية رئيس الدولة نفسه.
في المغرب، يمكن لأي رئيس جماعة فاسد أن يجرجرك في المحاكم إذا اتهمته بتوزيع الأموال في الانتخابات، ولا يمكن أن يتقبل الأمر أبدا حتى لو كانت الأسر، أو الأصوات، التي وزع عليها الإعانات، لا تزال تتوفر على «القفة» التي حُملت فيها المعونة الانتخابية. الكل في المغرب يتحدث عن الفساد، ولا أحد يعترف بارتكابه، ولا أحد يقبل أن يُشار إليه كفاعل مهم في هذا النشاط الاقتصادي.
حتى الرسم الكاريكاتوري لم يكن مقبولا، وكدنا ندخل عهد التقديس من جديد عندما حاول بعض الرسامين المغاربة البارزين، رسم التشكيلة الحكومية بمجرد إعلان النتائج في 2012، وانبرى أنصار الحزب الحاكم ليلعنوا أنامل كل الذين رسموا وزراء الحزب ووزيراته، والذين كانوا وقتها حديثي عهد بالكراسي والبذل وسيارات الدولة، والبقية تعرفونها طبعا..
أما في السينما، فإن ما يقع هذه الأيام في مهرجان مراكش، فهو كاف للوقوف على حقيقة الوضع. لا يقبل القائمون على أمر السينما في المغرب حجم الانتقادات التي توجه إليهم بهذا الخصوص. وها نحن نرى اليوم كيف أنهم مجرد ضيوف، على مهرجان له وزنه العالمي، يقام في بلادهم ويحمل اسم مدينة مغربية من أشهر المدن السياحية في العالم.
الأحرى أن يأتي الممثلون المغاربة إلى المهرجان بالطائرات، لأن الذين يشكلون نواة المهرجان الآن هم الأجانب والأعمال الأجنبية التي تُعرض هذه الأيام وتتنافس على جوائز لجنة التحكيم، أما السينمائيون المغاربة، فمكانهم إلى جانب الجمهور، ولا أدري حتى لماذا يصرون على المرور فوق السجاد الأحمر، لتعذيب المصورين والترنح أمامهم.
إذا كنت من أهل السينما فسترغب في المغادرة إذا استنتجت أنك مجرد مدعو إلى مهرجان ببلدك، فيما الأعمال الأجنبية تتنافس على الجوائز. بأي حق تستطيع بعد اليوم أن تسمي نفسك فاعلا في السينما أو مهنيا في المجال؟
«تخراج العينين» هو الأمر الوحيد الذي أخذناه من الإخراج. يعترف ممثلون اليوم بأنهم شاركوا في تمثيل أفلام مغربية بدون سيناريو. الأمر شبيه بمحاولة تصوير فيلم عالمي بدون كاميرات! لا فرق بين السيناريو والكاميرا. ومع ذلك يتحدثون عن مستقبل السينما وتحديات المنافسة العالمية، علما أن صندوق دعم الأفلام يصرف الملايين سنويا لدعم الأفلام، وهناك أفلام تصور على مدار السنة.
لا حاجة طبعا أن نُذكر بكل أولئك الذين يطالبون الناس بين الفينة والأخرى بمساعدتهم لإجراء العمليات الجراحية وتسديد إيجار الشقق التي يكترونها، ويتحسرون قائلين إنهم أضحكوا المغاربة لسنوات ونسيهم الجميع. وكأن إضحاك المغاربة يدخل ضمن الإنجازات السامية التي تأتي مباشرة تحت حراسة الحدود.
الإضحاك، خدمة مؤدى عنها. هناك من لم يفلح أحد في إضحاكه، وكلما تذكر همومه الخاصة بكى حتى الإغماء، ومع ذلك يطالبونه بتسديد فاتورة إضحاكه.
الأمر كله يتعلق بـ»القشابة». ربحت الانتخابات فإنها نزيهة، ولا أحد يستطيع التشكيك في مصداقيتك. خسرتها، فإنك «تتكمش» للتأمل وتفكر في طريقة محكمة للربح مستقبلا. كُنت تمتهن السينما، فإنك لا تمانع في حضور مهرجان دولي منظم في بلدك، فقط لتناول العشاء والتقاط الصور فوق السجاد الأحمر والدخول لرؤية أفلام الآخرين، دون أن تضربك «النفس». يبدو أن الأمر أكبر من أزمة اتساع «القشابة» لتقبل النقد. والخوف من يوم يأتي فيه مهرجان مراكش، ويصبح فيه مهنيو السينما باعة لـ»سيديات» أفلامهم في ساحة جامع الفنا، وربما يطالبون القوات المساعدة بعدم مصادرة البضاعة.

الفرّاشة الجدد
Comments (0)
Add Comment