صناعة المستقبل

الأخبار

 

 

 

 

هناك تقارير لا يجب فقط على المسؤولين عن تسيير الشأن العام الاكتفاء بمطالعتها بل عليهم تعليقها على أبواب مكاتبهم حتى يظلوا منشغلين بمضامينها ومستحضرين لخطورتها.

ومن ضمن هذه التقارير تقرير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حول مستقبل العالم خلال الثلاثين سنة المقبلة.

أهم نبوءة جاءت في التقرير هي أن الاضطرابات والثورات الشعبية لن يكون المحرك الرئيسي فيها هو العامل السياسي بل العامل البيئي.

مما يعني أن استمرار الأنظمة ودوام الاستقرار لديهما علاقة مباشرة بالمتغيرات البيئية أكثر من المتغيرات السياسية، والمغرب حسب التقارير الدولية التي تصدرها المؤسسات العالمية المتخصصة سيعرف تغيرات مناخية كبيرة خصوصا على مستوى الماء، إذ يصنف تقرير الأمم المتحدة المغرب ضمن قائمة الدول التي يتراجع فيها منسوب المياه الجوفية بنسبة تتراوح ما بين 20 و50 بالمائة سنويا.

كما يوجد المغرب ضمن قائمة الدول التي تعاني من مستوى انحراف وتغيير نظام التدفق الطبيعي للمياه بنسبة عالية بسبب نظام تدبير السدود والتوحل والتبخر، وكنتيجة مباشرة لهذا الوضع يضيع المغرب 70 مليون متر مكعب سنويا من المياه، مما يجعلنا عضوا كامل العضوية في مجموعة الدول التي تعاني من “الصدمة المائية”.

ولذلك فشخصيا أعتقد أن أهم حدث سياسي وقع في البلاد خلال الشهر الماضي هو ترؤس الملك بالقصر الملكي بالرباط اجتماعا خصص لإشكالية الماء.

إن أخطر كارثة تتهدد استقرار المغرب اليوم، بغض النظر عن الغباء السياسي لمن يقودون الحكومة، هي العطش، والإحصائيات تشير إلى أن انخفاض المياه العذبة يسير بنسبة 61 بالمائة، ومع ذلك ولا حزب واحد، ولا رئيس جهة واحد من بين كل رؤساء الجهات الذين يسكن بعضهم الفيسبوك، استطاع أن يقدم برنامجا واضحا لإنقاذ المغرب، أو على الأقل جهته، من هذه الكارثة.

وما يتجاهله السياسيون المهووسون بمقاعدهم ومستقبلهم السياسي وامتيازاتهم هو أن هناك 3.5 ملايين مغربي محروم من المياه.

ولذلك فالمشروع المهم الذي يجب وضع الأغلفة المالية الخاصة به والشروع فيه حالا هو إنشاء وحدات لتحلية مياه البحر في كل المدن الساحلية، وتغطية إعادة تصفية المياه العادمة بنسبة مائة بالمائة في كل المدن، ووضع آليات لجمع مياه الأمطار عِوَض تركها تضيع في قنوات الصرف الصحي، خصوصا في مناطق تعرف تساقطات مهمة، مثلا في غفساي حيث تتسبب الزراعة الكثيفة للقنب الهندي، والتي تستدعي حفر “الصوندا”، أي الثقوب المائية، في استنزاف الفرشة المائية للمنطقة، وهناك دواوير فيها أكثر من 150 صوندا، وهناك أحد الأعيان في سيدي المخفي لديه لوحده 25 ثقبا مائيا.

المصيبة أن المنطقة محاطة بخمسة سدود من ضمنها سد الوحدة ثاني أكبر سد في إفريقيا بعد سد أسوان والذي تستفيد منه حقول منطقة الغرب وتحرم منه دواوير المنطقة التي تعاني العطش، حيث إن “بوديزة الما” من تعبئة خمسة لترات بيعت في أحد الدواوير بأربعين درهما.

وحتى العيون الطبيعية، كعين تازغدرة وعين بوعادل التي شكلت دائما معالم سياحية لتاونات فقد أصبحت تعاني من ضغط كبير وصارت مهددة بالنضوب، خصوصا بعد فشل مشروع تزويد عشرات الدواوير من سد تاهلة وسد الوحدة الذي كلف مائة مليون درهم وتخرب دون أن تستفيد منه الساكنة التي أصبحت تتزود بالصهاريج المتنقلة غير المجدية لكثرة الحاجيات وقلة الكمية المحددة في 60 لترا لكل مواطن بعد أيام من الانتظار.

وإذا أخذنا مدينة الحسيمة مثلا فإننا نرى كيف أن تزويدها بالماء يتم عبر سد عبد الكريم الخطابي والذي وصلت نسبة التوحل به تسعين بالمائة، مما اضطر السلطات السنة الماضية إلى جلب الماء من المياه الجوفية لواد غيس، المشكلة أن هذا الواد بدأ بدوره يجف، وهذا سبب رئيسي لتوقيف عدة مشاريع سياحية في المنطقة عانت من شح الماء.

والكارثة العظمى أن المجلس البلدي الذي يقوده “البام” رخص بإنشاء مطرح للأزبال في منطقة بين أجدير وإزفزاف، مما يهدد الفرشة المائية، هذا دون الحديث عن الروائح الكريهة التي تصل إلى أنوف مصطافي شاطئ الصفيحة.

لقد حان الوقت لكي تضع وزارة الداخلية استراتيجية واضحة وصارمة وعاجلة لتدبير المياه العادمة وإعادة استغلالها، أما الوزراء المكلفون بالماء فعليهم أن يفهموا أن إنشاء محطات لتحلية مياه البحر وجمع مياه الأمطار وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي أصبحت أولوية الأولويات.

أما شركات المياه المعدنية ومياه المائدة فعليها أن تفهم أنها تبيع الماء وليس “السيرو”، وأن الأسعار التي تبيع بها مياهها منكر يجب أن يتوقف.

ولو كان استخراج هذه المياه المعدنية يكلفها مصاريف كبيرة لفهمنا الأمر، أما وإنها تعبئ مئات الآلاف من القناني كل يوم من عيون طبيعية لا أحد يعرف كيف أصبحت محتكرة لها فعليها أن تخزي الشيطان بعد كل هذه الأرباح التي راكمتها وأن ترحم عطش المغاربة وأن لا تجعله سببا لمراكمة المزيد من الثروات.

صناعة المستقبل
Comments (0)
Add Comment