طائر أسود

غادة الصنهاجي

 

 

كانت امرأة الرحيل، وهذا هو الشيء الذي لم يكن يريد استيعابه، لطالما عاش خوف مغادرتها؛ لكنه لم يتوقع أنها في يوم ما ستتلاشى دون رجعة.. ستتركه مع ذكرياته في ذلك البيت الكئيب، الذي تشاركا فيه وجبات من الغدر على طاولة واحدة؛ حتى أصابتها التخمة من شدة ما ابتلعته من خيانات..

عندما كانت تتجاهل وجوده كان يرتب أمامها كذبه الأنيق، يضعه بعد ذلك في دولاب نسيانها الدائم، كان يضيع وقته هباء.. ربما كان ذلك الشيء الوحيد الذي كان سخيا به، وقته التافه الذي يستخدمه في الثرثرة المنمقة، كأنه طائر أسود مسجون داخل أوهامه يزقزق بلا كلل.. يقفز في مكانه، ويحتج على عدم وقوفها إلى جانبه على غصن جاف وهش.. كيف له أن يعرف أن ذلك الغصن سهل الانكسار وآيل إلى السقوط لا محالة.. وأنها لا تريد أن تشهد هذا السقوط المريع لأنها لا تريد أن يحملوها مسؤولية هلاك طائر غبي عاش مصرا على انتظار حتفه..؟ !

أجمل ما في هروبها هو أنها تخلصت من ذلك المكان بسرعة، لم يكن هناك من داع لأن تحسب مسافة الوصول ولا نقطته.. كان الابتعاد بحد ذاته أجمل بكثير من ذلك الوصول المحدود، فقد يغلق النافذة التي ستستخدمها لتطل على باقي العالم.. الآن هي حرة في التحليق عاليا، وفي الوقوف على أي غصن تختاره.. وجميع الطيور الجارحة من حولها تذكرها بضعفه وجبنه، وبجناحيه الصغيرين المرتعشين وبكل الريش الذي تساقط منهما من كثر كذبه وصراخه.. كيف كان سيحميها من بطش الرياح المفاجئة إذا كان النسيم يفقده توازنه؟ بالرغم من أن تخمينها مستبعد جدا، فمن أين يستمد القوة التي تأتيه بجرأة مغادرة القفص لمعانقة الجبال البعيدة..

مكانه الطبيعي هو القفص الذي تركته وحيدا بداخله، حاكم نفسه وسجنها بتهمة الجرائم التي اقترفها في حق امرأة لم تسامحه، إنه رجل الأماكن المغلقة الذي أذاقها طعم الأسر، الأسر القاسي الذي تستلذ بفضله الآن حلاوة الحرية.. باعت أغلالها واشترت السماء بكل نجومها، وسكنت غابات الأرض وسبحت في بحارها.. وبالرغم من أنها وأدت طريق العودة إلى عشه؛ فإن رائحة ريشه جعلتها تكره كل أنواع الطيور..

 

 

Comments (0)
Add Comment