من شب على شيء

عندما انتقدنا حامي الدين بخصوص ما قاله حول عرقلة الملكية بشكلها الحالي للتنمية والتقدم والنمو فعلنا ذلك لأننا مؤمنون بما قلناه، معتبرين أن ما يطالب به حامي الدين لا يصدر عن قناعة راسخة بل عن تكتيك سياسي معروف تستعمله الأحزاب السياسية للضغط والتفاوض على الكراسي.

لكن أن يترك الشيخ بيد الله كل ما صرح به زملاؤه في حزب الأصالة والمعاصرة بخصوص النظام والدستور جانبا ويتفرغ لجلد خصمه السياسي دفاعا عن الملكية فهذا ما يثير الاستغراب.

وعندما يصرح بنشماش، أستاذ العلوم السياسية، وهو رئيس مجلس المستشارين، وخامس شخصية سياسية في هرم الدولة، بأن الشرعية الانتخابية هي شرعية زائفة، وبأنها كابحة للتطور، فإن هذه التصريحات يجب أن تثير مخاوف كل الديمقراطيين على مستقبل البلاد، والشيخ بيد الله طبعا إذا كان يعتبر نفسه منهم، لأنها تسير في الاتجاه المعاكس لدستور المملكة المغربية، وتعارض اختيارها الديمقراطي الذي لا رجعة فيه، خاصة وأنها صادرة عن شخص يدعي انتماءه لحركة سميت بهذا الاسم، ويقود حزبا “جرارا” يطمح أن يصل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، بعدما كان أغلب أعضائه، ومن بينهم أستاذنا الحكيم، يحلمون بدكتاتورية البروليتاريا، وإسقاط النظام عن طريق العنف الثوري، ويعتبرون نضالاتهم في صفوف الحركة الطلابية مجرد طليعة تكتيكية لثورتهم الموعودة.

غير أن كل هذا الماضي الذي يحلو لبنشماش أن يتبجح به أينما حل وارتحل، لم يمنع صاحبنا سنة 2003 من القبول بمنصب نائب مكتب تصويت لكي يشرف على انتخابات فاسدة لأحزاب إدارية صفراء وأحزاب إصلاحية في المجالس الجماعية، وتكريس ديمقراطية الواجهة، التي ظل يهاجمها في حلقيات جامعة محمد الأول بوجدة.

فما يقفز عليه صاحب نظرية “السلطة الخامسة” السيد عبد الحكيم بنشماش في سرديات مساره النضالي الشخصي والعائلي، أنه تورط في عمليات فساد انتخابي منذ نعومة “أظافره” السياسية، حين عينته السلطة المحلية خلال انتخابات 13 أكتوبر 2003، لكي يتولى النيابة عن رئيس مكتب التصويت بجماعة شقران التابعة لإقليم الحسيمة، حيث تبين للمحكمة الإدارية بفاس، على إثر الطعن الانتخابي الذي تقدم به المرشح أحمد الدويري، بأن السيد عبد الحكيم بنشماش قد استغل قلة تجربة أعضاء مكتب التصويت وأمية البعض منهم، وأصبح يسير جميع عمليات الاقتراع من بدايتها إلى نهايتها، رغم وجود رئيس مكتب التصويت المؤهل قانونا للقيام بتلك المهام، كما أنه أوعز إلى أعضاء المكتب بالتوقيع مسبقا على محضر العملية الانتخابية في الصباح، أي قبل بدء عملية التصويت، وقبل تعبير الناخبين عن آرائهم، وثبت للمحكمة أيضا أن السيد عبد الحكيم بنشماش كان يدخل مع النساء، خاصة الأميات منهن إلى المعزل، ويصوت نيابة عنهن، مبررا هذا التصرف أمام المحكمة بأن السلطة المحلية هي التي كلفته بضرورة مساعدة نساء العالم القروي على التصويت، وهو ما اعتبرته المحكمة خرقا سافرا للقانون، الذي لا يسمح بمثل تلك المساعدة إلا بالنسبة للمعاقين دون غيرهم، على أن يتم ذلك بواسطة أقربائهم أو أولياء أمورهم الذين يطمئنون إليهم في الحفاظ على سرية الاقتراع وصيانة إرادة الناخب، وليس بواسطة نائب رئيس مكتب التصويت المعين من طرف السلطة.

وهكذا قررت المحكمة الإدارية بفاس في 28/10/2003 بمقتضى حكمها رقم 1505 إلغاء العملية الانتخابية التي كانت قد أسفرت عن فوز المرشح حسن فارس، وأمرت بإعادتها طبقا للقانون.

فما دام السيد عبد الحكيم بنشماش يحرص على تأثيث تاريخه النضالي المشبوه بواقعة قضاء والده عقوبة الحبس لمدة 5 سنوات قبل ولادته، وهجرة أخيه الاتحادي المنتمي لتيار الفقيه البصري إلى هولندا، واعتقاله هو سنة 1984 بمدينة وجدة عن سن يناهز العشرين، عندما كان طالبا قاعديا كما يدعي، من أجل رفع أسهمه في تعويضات الإنصاف والمصالحة، التي حصل منها على مبالغ طائلة، فقد كان عليه أن يخبرنا أيضا برضى السلطة المحلية عليه، وتعيينه قيما على الانتخابات سنة 2003 وهو في سن الأربعين، وعلى منوال ما قاله أحد المحامين الكبار في مرافعاته، فإنه من لم يكن ثوريا في سن العشرين لا عاطفة له، ومن بقي ثوريا في سن الأربعين فلا عقل له.

وما دام صاحبنا قد أعلن القطيعة مع مرحلة العاطفة الثورية و«شرب» عقله سنة 2003 على الأقل، فإن من حقنا أن نبدأ تلمس مساره الحقيقي مع مطلع سنة 2004، لأن التاريخ الحقيقي لبنشماش وشلة يساريي «البام» بدأ في تلك السنة بالضبط، مع إطلاق مبادرة الإنصاف والمصالحة في 7 يناير 2004 التي تزامنت مع كارثة زلزال الحسيمة بتاريخ 24 فبراير 2004، فالزلزال فسح المجال أمام فعاليات مدنية مغمورة ومحسوبة على اليسار المهجن، لكي تلعب دورا في تأطير الدعم والمساندة لسكان الريف، في إطار تنسيقيات ما سمي بالفريق المدني، الذي سمح بتشكيله في سرعة غير عادية تحسبا لأية حركة احتجاجية تلقائية وغير منضبطة، من شأنها أن تحدث بالريف جراء ارتباك السلطات العمومية في تقديم الدعم لسكان تلك المنطقة الحساسة، التي تعتبر بمثابة بركان قابل للفوران في أي وقت، لما تحمله من جروح لم تندمل بعد، وما تختزله من رصيد تاريخي صدامي مع المركز، وهو الفريق «المرضي» الذي ضم بنشماش إلى جانب بنعزوز والحموتي وإلياس العماري وشكل النواة الأولى لقيادات «البام» في المستقبل، التي تمكنت، بفضل عملها الميداني المرخص، ومركزتها للتبرعات وتكديسها في المستودعات السرية، وتجميع الدعم لضحايا الزلزال، القادمة من فعاليات مدنية وطنية ودولية، من التقرب أكثر من دائرة السلطة وتقديم نفسها لها كوسيطة طيعة في عملية مستقبلية لإعادة بناء الثقة والمصالحة.

غير أن بعض مناضلي هذا الحزب، وفي غمرة الانتشاء بالسلطة التي أصبحوا يتوفرون عليها، لم يجدوا في شعارات الإنصاف والمصالحة سوى السبيل إلى شرعنة زراعة الحشيش عبر سن قوانين تبيحها، وإنصاف مزارعي الكيف، والعفو عن المتابعين منهم، من أجل استغلال فقرائهم كقاعدة انتخابية وأغنيائهم كدعامة لوجستيكية لأية حملة انتخابية مقبلة، واعتبار التساهل مع زراعة الحشيش نوعا من جبر الضرر الجماعي لسكان المناطق المهمشة بكل من الريف وجبالة.

لذلك، فإن ما سمي بحراك الريف في ظل سيطرة شبه مطلقة لحزب «التراكتور» على مفاصل الجماعات الترابية لجهة طنجة تطوان الحسيمة، يشكل في حد ذاته إفلاسا لتلك النخبة التي نصبت نفسها وسيطة بين سكان الريف وسكان الرباط، واستغلت مبادرات جبر الضرر الجماعي للمنطقة الذي حاولت الدولة تحقيقه عبر مشروع «الحسيمة منارة المتوسط» وغيره من المشاريع، من أجل تحقيق الاغتناء الفاحش، وخلق مشاريعها التنموية بعيدا عنه. لذلك فليس من باب الصدفة أن يأتي الزلزال السياسي لكي ينهي أكاذيب من استغلوا الزلزال الطبيعي ونصبوا أنفسهم ممثلين لأبناء الريف وقيمين على تاريخه.

فما بين فترة الزلزالين، استطاع العديد من أبناء المنطقة أن يتحولوا إلى مليارديرات يركبون مع أبنائهم المدللين السيارات الفارهة، ويسكنون القصور الفخمة، واستطاعوا أن ينتقلوا من موظفين متواضعين إلى موظفين سامين وأصحاب مشاريع كبرى، رغم مسؤوليتهم الواضحة في تبذير الأموال العمومية، من خلال البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم مثلا، الذي أضاع على الدولة مليارات الدراهم، أو مشاريع «الحسيمة منارة المتوسط»، أو عبر الضلوع في منح صفقات مشبوهة للأهل والأصدقاء. ويكفي أن نعود إلى ممتلكات السيد حكيم بنشماش لكي نلاحظ أن الثراء الفاحش الذي أصبح يرفل فيه صاحبنا كاف، في حد ذاته، للقول بوجود زواج السلطة بالمال، وشبهة استغلال رئيس مجلس المستشارين للتسريبات المخلة بالمنافسة التي يحرمها الدستور. فكيف يمكننا أن نصدق أن بنشماش، الذي مول شراء فيلا بالحي العسكري بالرباط مساحتها 1000 متر بمبلغ مصرح به مقدر بـ800 مليون سنتيم، عبر بيع شقته في حي الأندلس واقتراض مبلغ 400 مليون سنتيم من البنك، دون احتساب كلفة تأثيثها وديكوراتها وصيانة مسبحها، وقيامه، في الوقت نفسه، وهو مثقل بالديون البنكية، وبالاشتراك مع رفيقه في المكتب السياسي العربي لمحرشي، بشراء أرض تعاونية بضواحي فاس بقيمة مليار سنتيم، في منطقة تتأهب شركة «العمران» لتحويلها إلى منطقة سكنية هامة واقتناء تلك الأراضي من أصحابها بأثمان مضاعفة خمس مرات أو أكثر.

من شب على شيء
Comments (0)
Add Comment