الرئيسيةخاص

MBC.. الخطر القادم من الشرق… أو لماذا تجب مقاومة الغزو التلفزيوني السعودي على المغرب ؟

جمال الخنوسي

شهدت الأيام القليلة الماضية غزوة من نوع خاص، غارات لم تستعمل فيها أسلحة الدمار الشامل ولا الصواريخ بعيدة المدى أو القنابل الفتاكة. لكنها غزوة لا تقل خطورة استعملت فيها أسلحة مهلكة وقاتلة، وسيلتها القوة الناعمة أو ” softpower”.

الغزوة بدأت بهجمة الهدف منها فتح الأبواب أو فتح الفضاء السمعي البصري أمام الآلة الإعلامية السعودية، وعلى رأسها قناة ” MBC المغرب”، على أن تليها غارات أخرى إلى غاية تحقيق النصر المبين.

ليس المستهدف في الغارة هو الإعلام السمعي البصري فحسب، بل المواطن المغربي ككل باعتبار التلفزيون أداة “بروباغندا” فعالة للترويض والتدجين يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة إذا تلاعبت بها قوى خارجية كشفت عن نواياها السيئة في مناسبات عديدة. ولن يقف الأمر عند هذا الحد، بل سيمتد إلى مجالات ثقافية وترفيهية أخرى من مسارح وعروض فنية وحفلات كبرى.. مادام الأمر استراتيجية متكاملة وشاملة.

منذ أكثر من سنة، راودت المجموعة السعودية”MBC ” الرغبة في دخول السوق المغاربي والمغربي، لكنها لم تتمكن من ذلك نظرا لعدة عوامل سياسية تخص المملكة وما شهدته في الآونة الأخيرة من تحولات. كان طموح المجموعة هو إنشاء قناة مغاربية على شاكلة MBC مصر أو MBC العراق.

ومنذ البداية كانت MBC تسعي للدخول مع شركات إنتاج مغربية في شراكات وتعاملات رابح رابح، يقودها المدير الحالي لـMBC مصر محمد عبد المتعال، حيث من المنتظر أن تنظم حفلا كبيرا لإطلاقها حدد تاريخه في 20 يونيو 2019 بالدار البيضاء.

غير أن اتصالا هاتفيا قلب الموازين، خصوصا أن مُلاك MBC أصبحوا في وضع هش بعد بروز ولي العهد القوي محمد بن سلمان، الذي سجن مالك المجموعة، ورئيس مجلس إدارتها «وليد الإبراهيمي» بدعوى «تهم فساد» تلاحقه في السعودية. وأشارت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، في وقت سابق، إلى أن MBC كانت هدفًا واضحًا لولي العهد السعودي الشاب الذي يسعى إلى «ضمان الحصول على تغطية إعلامية إيجابية لخططه الطموحة» (على رأسها رؤية المملكة العربية السعودية 2030)، إذ قال أحد المراقبين إنه «رغب في شرائها قبل سنوات، والآن يمكنه أخذها ببساطة».

صاحب المكالمة الحاسمة يعرفه المغاربة جيدا واسمه تركي آل شيخ، الذي كان سابقا رئيسًا لمجلس إدارة الهيئة العامة للرياضة في العربية السعودية، ودافع عن تصويت بلده لأمريكا في ترشيحات استضافة كأس العالم 2026. أكثر من هذا، فقد ساق وراءه العديد من الدول الخليجية التابعة والخاضعة، وأصبح اليوم رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية .

موضوع المكالمة هو فرض شركة لبنانية على مجموعة MBC لتكون المنتج الأساسي في العملية و”تسطو بالتالي على الملايين وتترك للشركات المغربية بعض الفتاة تلعقه على موائد الذل»، حسب تعبير أحد المنتجين المغاربة. ففي 8 فبراير الماضي وقع تركي بالقاهرة مع صادق الصباح، مالك الشركة نفسها، عقدا لإنتاج العديد من الأفلام بمشاركة فنانين مصريين وعرب وسعوديين تكون عروضها الأولى في السعودية.

وقبل أسبوعين أرسلت شركة إنتاج لبنانية وتدعى “شركة الصباح للإنتاج الفني” التي فوض لها تركي آل شيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، إنتاج المسلسلات، مبعوثا مصريا يدعى أحمد جلال استعان بدوره بمغربية تدعى ح.ج عبدت له الطريق للقاء المهنيين المغاربة من منتجين وممثلين وتقنيين ..

وحسب المعطيات المتوفرة، فإن الوسيط المصري جاء بنصوص مكتوبة على شكل سيناريوهات مقتبسة عن روايات أو مسلسلات مصرية تم بثها في وقت سابق ويكفي هنا أن نشير إلى عملين: رواية “أنا والشغالات” للكاتبة المصرية حنان البهي، ورواية «أريد رجلًا» للسعودية المزدادة في مصر نور عبد المجيد. لكنها سيناريوهات تجب مغربتها، وبالتالي عرض الوسيط المصري أجرا زهيدا للكتابة (حوالي 6000 درهم مقابل 12000 درهم المتداولة في السوق المغربية)، مادامت النصوص كتبت في الخارج، والمطلوب فقط مغربتها وكتابة حوارات بالدا

وحسب ما وعد به المنتج اللبناني صادق الصباح، عبر وسيطه المصري، سيتم إنتاج ستة مسلسلات في 2019 على أن يكون الربح المادي بالنسبة للعاملين على امتداد الوقت وفي مختلف المشاريع. فالمشروع الدرامي الذي ترصد له القناة الأولى المغربية ميزانية مليار و100 مليون سنتيم (30 حلقة من 30 دقيقة)، فإن شركة الصباح ترصد له ما بين 6 و7 ملايين درهم فقط. «كيف يمكن تقديم عمل بجودة عالية مع تخفيض أكثر من 40 في المائة من الميزانية؟»، يتساءل مسؤول بالقناة الثانية، «هذه معادلة مستحيلة وتنقصها المصداقية، وأي تخفيض لن يكون من طبيعة الحال في هامش الربح للشركة، بل في أجور الممثلين والتقنيين والمهنيين».

لا عصافير اليد ولا عصافير الشجرة

«الطماع يقضي عليه الكذاب»، حسب المثل المغربي القح، لذلك فإن شركات الإنتاج التي سال لعابها على شركة الصباح، وعلى رأسها “فيديوراما” و”سيغما”، تجاهلت حقيقة النوايا السعودية اللبنانية، فالمشاريع الأولى التي أطلقتها الشركة الوسيطة الهدف منها فقط معرفة السوق والوصول للمهنيين ودراسة السوق المغربية، وبعدها ستنشئ شركة في المغرب لتنتج أعمالها بنفسها وتتخلص من منفذ الإنتاج المغربي الذي «شاف لفلوس ماشاف الحافة».

أكثر من هذا، فقد بدأ اللبنانيون بكراء مكاتب بشارع المسيرة الخضراء في قلب العاصمة الاقتصادية. وستجد الشركات المغربية المتسرعة نفسها وقد أضاعت العصفور الذي في اليد ولن تنال قط العصافير التي في الشجرة.

نهم المؤسسة السعودية لا يقف عند هذا الحد، إذ ستقوم الشركات التابعة لها بمرافقتها الى المغرب وستنتج إلى جانب الدراما الوصلات الإشهارية: «مستوى الوصلات الإشهارية هزيل جدا»، يقول مبعوث شركة الصباح، «على غرار الأعمال الدرامية سنخفض الأثمان ونرفع الجودة لتحقيق الاحتكار التام للسوق».

لعبة سياسية

نحن هنا أمام تهديد للأمن السمعي البصري لبلد بأكمله حيث يقدم بلد خارجي على عرض إنتاجات محلية يسعى من خلالها إلى التواصل مع عامة «الشعب». فعولمة الثقافة والإعلام ستكون لها عواقب وخيمة على المستويين القريب والبعيد إذا لم يتم التحرك لكسر شوكتها .

تدمير السوق

إن المشروع السعودي لا يتوخى ضخ ميزانيات جديدة في السوق والتعامل بشبكة الأجور التي يشتغل بها في مصر مثلا، لكنه يسعى لتحطيم كل القواعد. وينقل أحد المنتجين عن الوسيط المصري قوله إن المغرب لا يوجد فيه نجوم أو “ستار سيستم”، وبالتالي فأجور الممثلين هزيلة ليست كتلك التي ندفعها لعادل امام أو غيره (2.5 مليون دولار للمسلسل).

واذا قبل المهنيون بالاشتغال بأجور السعوديين الزهيدة فإن قنواتنا المحلية (الأولى دوزيم ميدي 1 تيفي..) بدورها ستتبنى شبكة الأجور الزهيدة نفسها وبالتالي سينهار السوق كليا. يقول منتج مغربي في هذا الباب: «هادو حكرو علينا، وباغيين يهرسو السوق.. هاد السوق اخدمنا فيها اكثر من عشر سنين فآخر يامنا غنوليو خماسة عند السواعدة.. جيبو شبكات أجور محترمة للمغاربة وأجيو عندنا نتنافسو على الجودة».

نزيف الإشهار

بالإضافة إلى الدوافع السياسية، فإن MBC لم تخف قط رغبتها في تجفيف منابع الإشهار حيث ما وجدت وهو الأمر الذي وقع في مصر ومجموعة بلدان خليجية والعراق.

وفضلا عن منتجاتها الحصرية عالميا مثل “أراب غات تالنت” وغيرها، ستبث القناة الجديدة إنتاجات مغربية في “البرايم التايم” لجذب أكبر قسط من المستشهرين. وهي منافسة غير شريفة مع محطات محلية مثل الأولى دوزيم والأمازيغية وميدي 1 تيفي.. تقوم بتمويل الشبكة الكاملة بما فيها «الشبكة غير المجدية».

ورغم هزالة الكعكة الإشهارية في المغرب التي تبلغ 850 مليون درهم لجميع القنوات التلفزيونية العامة والخاصة، وتراجع في سوق الإشهار بلغ سنة 2018، 15 في المائة، فإنها توفر للقناة الثانية ما يمثل 95 في المائة من ميزانيتها، وتوفر للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة ما يمثل 15 في المائة من ميزانيتها العامة. وأي تهديد لهذا التوازن المالي الهش هو تهديد للمشهد السمعي البصري برمته، كما سيقطع احتكار المجموعة السعودية للسوق، الطريق أمام أي مستثمر أو مشروع جديد. أي أن الهلاك سيكون عاما وشاملا.

الوحش

«هذا مشروع محكوم بالفشل أو ربما هو مشروع بدأ بشكل راجح وتحول إلى الهواية والارتجال». يقول منتج مغربي يسعى الى دق ناقوس الخطر. «ليس هناك أخطر من أن يضيع بلد ما أمنه التلفزيوني ويمنح مفاتيح مواطنيه إلى بلد آخر».

ويختم المنتج حديثه بالقول: «كان من الممكن أن نفتح الأبواب لMBC كشريك ومنفس شريف في المغرب، لكن ليس بهذه الطريقة».

هو خطر قادم من الشرق إذن، ويجب أخذه بمحمل الجد والتعامل معه بحزم لأن الأمور أكبر من أن تكون مال وبزنس، بل لها عواقب على مستقبل مجتمع بأكمله واختياراته المصيرية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق