شوف تشوف

الرئيسية

شكدالي: كورونا كشفت عن الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة وسلوكات المجتمع كانت انفعالية

أجرى الحوار: النعمان اليعلاوي
يواصل فيروس كورونا المستجد حصد مئات الآلاف من الإصابات يوميا عبر العالم، مما يودي بعشرات الآلاف من الأرواح، في الوقت الذي دخلت معظم دول العالم مرحلة جديدة من مراحل مواجهة الوباء، بعد الأشهر الثلاثة من الحجر الصحي الذي طبقته أغلب السلطات الصحية في دول العالم كإجراء وقائي ضد انتشار الوباء، وقد أدت هذه المرحلة من الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي إلى آثار اجتماعية واقتصادية وحتى نفسية، دفعت بالدول إلى التعجيل بالانتقال إلى مراحل التخفيف.
في هذا الحوار مع المصطفى شكدالي، الأستاذ الباحث في علم النفس الاجتماعي، نستعرض جانبا أساسيا من الآثار الاجتماعية والنفسية لأزمة كورونا وما خلفته مرحلة الحجر الصحي من آثار، والدواعي الاجتماعية والنفسية لدخول مرحلة تخفيف الحجر الصحي، بالإضافة إلى الآثار المباشرة لجائحة كورونا على فئات أساسية من المجتمع المغربي على رأسها الشباب والأطفال، كما سنحاول رفقته رصد التغيرات السلوكية والقيمية التي أحدثتها الجائحة في المجتمع المغربي.

ما هي الآثار الاجتماعية لجائحة كورونا؟
هذا سؤال بحثي، ويجب أن نقوم ببحث ميداني دقيق حتى نتمكن من الإجابة عنه بشكل علمي، فمن خلال الفضاءات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، عبر شبكة الأنترنت، يمكن أن نستشف، من خلال الأخبار المتداولة هنا وهناك، أن الفضاء الرقمي هو فضاء عمومي، يمكننا من أن نقف على هذه الآثار، غير أنه قبل أن ندخل في غمار الجواب على السؤال، وجب أن نتحدث عن الكيفية التي جاءت بها هذه الجائحة، وهذا هو المهم حتى نتمكن من الوصول إلى آثارها. فبالعودة إلى هذا الأمر، نسجل أن هذه الجائحة جاءت بشكل فجائي، حتى وإن كانت قد بدأت في الصين قبل شهرين من انتقالها لباقي دول العالم، إلا أنها تبقى بطريقة فجائية.
إن هذه الجائحة قد أخذت معها العديد من الأشياء التي يتمتع بها الناس، في مقدمتها حرية التجول والتجارة وكل ما يتعلق بالاقتصاد، وقد كانت آثار الجائحة في المرتبة الأولى صحية تم اقتصادية، تم اجتماعية تمثلت في التباعد الاجتماعي، وهو تباعد جسدي، على اعتبار أن التقارب أصبح انطلاقا من الوسائل الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، ثم إن هذا الجائحة، وهذا هو العنصر الأساسي، جعلت المجتمع بصفة عامة، والإنسان المغربي بصفة خاصة، يعيش تجربة لم يسبق له أن عاشها في ما قبل، منها التزام البيت وعدم الخروج، والتزام قواعد النظافة، وهذا كله قد كان له آثار على الجانب السيكولوجي، منها الملل أو اضطرابات في السلوك، على اعتبار أن الإنسان يعيش في ظل هذه الجائحة، وكأنه يعيش إكراها بدنيا.
وفي مرحلة من المراحل بدأنا نلاحظ ارتفاع نوع من العنف داخل الأسر، على اعتبار أن الاحتكاك بين الأفراد أصبح يوميا، خاصة في الفضاءات الأسرية والمنازل الضيقة، وقد كانت الوصية الأساسية خلال بداية الجائحة هي ضرورة لزوم البيت، مع العلم أن البيت يحدد في عدة مستويات، منها البيت الفيزيقي المتشكل من النوافذ والجدران والأبواب والغرف، وكذلك البيت على المستوى السيكولوجي المعرفي و الوجداني، بمعنى أننا لو كنا مهيئين، من الجانب الخارجي، للزوم البيوت، فهل كنا مهيئين من الجانب الداخلي على تحمل «بيوتنا الداخلية السيكولوجية» لتحمل هذه «القهرية» بالبقاء في البيوت؟ إذا، ومع كل هذا، فالآثار المباشرة للجائحة هي آثار اجتماعية ونفسية واقتصادية، فالجائحة الوبائية (كوفيد 19)، كما نكشف عن أعراضها، هي أيضا كشفت عن أعراضنا، على اعتبار أنها أظهرت على أن الجائحة في شقها الاجتماعي قد تكون موجودة، قبل أن يأتي هذا الوباء، فقد ظهر لنا جليا حجم المعاناة بالخصوص لدى فئات اجتماعية كبيرة تعيش من إيرادات قطاعات غير مهيكلة، بل في بعض الحالات تعيش بطريقة تعاني من التهميش والإقصاء الاجتماعي.

ما هي التغييرات السلوكية التي رافقت ظهور الجائحة؟
كما أشرت في جوابي على السؤال الأول، فإن هذه الجائحة قد جاءت بطريقة فجائية واضطرارية، وحين تأتي الأمور بهذا الشكل، فإن السلوكات تكون انفعالية، بمعني أنها تكون عبارة عن ردود أفعال وغير مفكر فيها، وقد لاحظنا في البداية كيف أن الناس كانوا يتحدثون عن تغيرات في سلوكاتهم، وأنها بعد انقضاء الجائحة ستتحسن العديد من هذه السلوكات على ما كانت عليه قبل الجائحة، وهو الأمر الذي لم يحصل، كما سأتحدث عن ذلك في ما بعد. إذن فقد كانت السلوكات انفعالية على المستوى السيكولوجي، على اعتبار أن إدراك المشكل لم يكن كما كان متوقعا، وبالتالي فقد ظهرت بعض الاضطرابات السلوكية، ويمكن أن نسميها «تغييرات قهرية»، من قبيل ما كنا نلاحظه على مستوى الوسائط الرقمية، وهي السلوكات التي فيها انفعالات واضطرابات و»نداء استغاثة»، وكل هذا كان يحصل على مستوى التغييرات في السلوك، وحتى في تفسيرنا للجائحة، وأمام تضارب المعلومات التي كانت تصلنا، كنا نسجل ظهور سلوكات فيها نوع من الخوف والفوبيا والاضطرابات السلوكية، وهو ما يمكن أن نسميه استجابة انفعالية لهذه الضغوطات.

هل هذا الأمر مرتبط بخلل في إدراك حقيقة الجائحة لدى الناس؟
على هذا المستوى بالتحديد لاحظنا أن هذا الإدراك كان معطوبا، لأننا كنا نرد هذا الوباء إلى عقاب إلهي، أو شيء من هذا القبيل، ولم نكن نفهم طبيعة الوباء، حتى أن التضارب في المعلومات التي تصل حوله مازال إلى الآن، مما ساعد في عدم الإدراك الجيد للجائحة، فقد ظهرت العديد من الأمور الغامضة التي دفعت بالبعض إلى التشكيك، والبعض الآخر إلى ربط الجائحة بمؤامرة ماسونية، وكل هذا كان مرتبطا بالسلوكات المشككة، حول مدى صحة الجائحة، فيما كانت السلوكات الأخرى على النقيض، إيجابية، وتمثلت في البقاء في البيت، والعودة إلى أمور بسيطة افتقدناها، بسبب الحياة العادية المرتبطة بمغادرة الأفراد للبيت طلبا للعمل والتعليم، وهي الحياة التي كان فيها نوع مع «التسمم»، غير أن السلوكات الإيجابية المرتبطة بالبقاء في البيت، سرعان ما بدأت تغيب من جديدة مع دخول مرحلة التخفيف التي نحن بصددها، وكل هذه السلوكيات، كانت استجابات لهذا الوضع الطارئ المرتبط بالجائحة التي وصلتنا بشكل فجائي وفرضت علينا العديد من القيود، وهذه السلوكيات لا يمكن أن نقول إنها سلوكيات متجذرة، غير أنها كشفت لنا نوع السلوكات التي يجب أن نلتزمها في الحياة، من قبيل النقصان من الاستهلاك المبالغ فيه، والالتزام بالنظافة والوقاية وغيرها.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه في هذا الجانب، هو ما السبيل إلى ترسيخ السلوكات الإيجابية التي أكسبتنا إياها هذه الجائحة، من قبيل البقاء في البيت، بالمفهوم السيكولوجي للبيت، والخروج من العجز المكتسب، لابد أن يكون هناك من سبيل إلى تجذير تلك السلوكات الانفعالية وتحويلها إلى إيجابية، وغرسها في التنشئة الاجتماعية على مستوى المدرسة والأسرة، وهذا الأمر لن يتأتى إن لم يكن هنالك انخراط للفاعل الاجتماعي، والذي هو هنا كل المؤسسات والأفراد الاجتماعيين، من أجل التأسيس لتربية فيها كل الأمور الإيجابية التي أبرزتها لنا الجائحة.

هل عززت الجائحة من قيم التضامن في المجتمع المغربي؟
هذا السؤال يرتبط ارتباطا وثيقا بالسؤال المتعلق بالتغييرات التي طرأت على السلوكيات، على اعتبار أنها سلوكيات انفعالية، إذن فقيم التضامن التي ظهرت، يمكن أن أصفها شخصيا بأنها انفعالية، وقد لاحظنا مثلا، التضامن مع المتشردين وأطفال الشوارع، وكأنهم لم يكونوا موجودين من قبل، وبالتالي فأمام الخوف من المرض، كان هذا التفاعل مع هذه الفئات، ليس لسواد عيونهم، ولكن خوفا من أن ينقلوا هذا المرض، ومنه فإن مجموعة من مظاهر التضامن كانت انفعالية ولم تكن مؤسسة بشكل جذري ومرسخ يمكن من الاستدامة، وهذا الزخم القيمي الذي ظهر فجأة، كما ظهرت الجائحة فجأة، هو انفعال ولا يرقى إلى مستوى الفعل، لذلك فنحن مطالبين اليوم، وكما كتبت في مجموعة من المقالات، بالتأسيس لفعل مستدام، وهو الذي سيمكننا من القول إن المجتمع المغربي متضامن، ليس كأفراد فقط، بل أيضا كمؤسسات. ويجب أن تكون مؤسسات تعمل على هذا الجانب، إذ أن الجائحة الوبائية عرت على جائحة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، ولا يمكن أن نعتبر أن قيم التضامن هذه التي ظهرت خلال هذه الفترة هي قيم مرسخة بقدر ما هي قيم انفعالية، وإن كانت قيم جميلة جدا، لذلك وجب الاشتغال عليها لتكون مؤسّسة ومؤسَّسة، وحتى نخرج من الانفعالات إلى الأفعال، والظاهر أن لنا زخم كبير من القيم على مستوى الخطاب، لكن على مستوى الفعل تبقى السلوكات في بعض الحالات «انشطارية»، وتبقى قيم التآزر «انفعالية» فيها نوع من التباهي على مستوى نشرها في الوسائط الاجتماعية، وقيمة هذه القيم لا يمكن أن تستمر وستتوقف بتوقف الجائحة.

هل من شأن تخفيف الحجر الصحي التخفيف من الآثار السلبية لجائحة كورونا؟
الأغلبية من الناس فهموا أن الخروج من الحجر الصحي، يعني الخروج من العادات المكتسبة أثناء هذا الحجر، بما فيها الوقاية والنظافة ووضع الكمامة، وكل الاحترازات التي كان من المفروض الالتزام بها أثناء الحجر الصحي الذي دام لفترة ثلاثة أشهر، وبالتالي فإن الخروج من الحجر كان مضاعفا، وتمثل في الخروج من البيت والخروج من تلك العادات، وهذا في حد ذاته سلبي، لأنه يرتبط بالإدراك المعطوب. فالناس يعتقدون بأن الجائحة الوبائية قد انتهت، بل إن هناك من عاد وبقوة إلى الاستهلاك والحياة السابقة بكل تفاصيلها، وكأنه يريد أن يعوض ما فاته، وفي ذلك مخاطرة ومغامرة كبيرة جدا، وهذا ليس بالتخفيف إذا فهم بهذه الطريقة، بل ستكون له عواقب وخيمة، ولعل الأرقام التي ترد بين الفينة والأخرى، تؤكد أن هذا التخفيف ستكون له ردود ثقيلة على مستوى الإصابات وحتى على مستوى الفتك أيضا، إذا فإن هذا التخفيف من شأنه أن يخفف إذا ما أحسن التصرف فيه، وما لاحظناه، وهو ما يؤكد أن التأثيرات التي كانت انفعالية لم تدم طويلا، فقد لاحظنا اكتظاظا على مستوى الشواطئ والأسواق، كما لاحظنا استهتارا تاما بشروط السلامة لدى مجموعة من المواطنين، وكأن المشكل قد انتهى، مع العلم أن المشكل لم ينته بعد، وقد كشفت لنا الجائحة عن «جائحة فكرية» فيها نوع من التفكير المرتبط بـ «الشح المعرفي» وعدم قراءة الواقع والوقائع، وإن كان هذا التخفيف سيخفف من الأعباء الاقتصادية للجائحة فإنه في تقديري لن يخفف من عدد الإصابات.

هل الأمر ينطبق على بعض الفئات العمرية كالشباب والأطفال؟
أنا اعتقد أن الأطفال واليافعين المراهقين، كانت لهم معاناة خاصة خلال الجائحة، حيث إن الطفل على سبيل المثال، يدرك الزمان بطريقة أخرى بخلاف ما يدركه الراشدون، والأشخاص الذين لديهم القدرة على التحمل النفسي، غير أن الخطابات التي كانت تصل، كانت بصيغة موجهة لكل الناس، مع العلم أنه كان من المفروض، خصوصا في القرارات التي كانت تصدر أن تتم مواكبتها من ذوي الاختصاص، حتى نتمكن من شرح الأمور بطرق مختلفة لفئات الشباب والأطفال. وبالعودة إلى فئات اليافعين والمراهقين، والذين هم في مرحلة تأكيد الذات والخروج إلى الشارع بالنسبة لهم يدخل في إطار تمريرهم لطقوس مرتبطة بهذه الفترة العمرية، من قبل إظهار المفاتن والاعتداد بالجسد واللباس وغيرها من المظاهر، وما لاحظناه، هو أنه وإن كان الشباب قد حضر على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن الحجر الصحي غيب الشارع العام وإمكانية الخروج إليه خلال هذه الفترة ، وهذا يعني أن الجائحة بقوتها الفجائية جعلتنا لا نفكر في الخطابات التي يجب أن نقدمها للشباب بشكل علمي ومدروس، حتى يستوعبوا حجم هذه الجائحة ويكون هنالك تفاعل إيجابي لهم مع الأوضاع، مع العلم أن هناك عددا من الشباب كانوا يتفاعلون بشكل خلاق مع الأوضاع، ولاحظنا من خلال الوسائط الرقمية، كيف أن هناك شبابا انخرطوا في صناعة المعدات لمحاربة (كوفيد 19)، غير أن الشباب تبقى الفئة الأكثر تأثرا بالجائحة وقد لاحظنا هذا في فترة تخفيف الحجر الصحي، حيث إنهم خرجوا من الحجر ومن العادات المكتسبة والتي منها الاحتراز والاجراءات الوقائية للتأقلم والحذر من الوباء.

شكدالي في أسطر
المصطفى شكدالي، أستاذ باحث في علم النفس الاجتماعي
أستاذ التعليم العالي مؤهل في علم النفس الاجتماعي بالمعهد العالي الدولي للسياحة بطنجة
أستاذ زائر في علم النفس الاجتماعي بجامعة بادوفا في ماستر الدين والسياسة والمواطنة – إيطاليا
أستاذ الفلسفة وعلم النفس بالمدرسة العليا للتدبير بطنجة
أستاذ زائر في علم النفس الاجتماعي بجامعة محمد الخامس بالرباط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى