شوف تشوف

الرأي

مزوار والعنصر يقران بفشل حكومة بنكيران

في ظرف أسبوع واحد، عاش المغاربة أجواء من «التفعفيع» لا قبل لهم بها، جراء مفاجآت مثيرة للجدل والاستغراب. فبعد الصفعات المؤلمة من هنا وهناك، وإصابتهم، يوم الأربعاء 10 فبراير الجاري، بصدمة الاستغناء عن المدرب بادو الزاكي، في مسرحية رديئة، جاء دور الحليفين الحكوميين صلاح الدين مزوار، رئيس حزب «التجمع الوطني للأحرار»، وامحند العنصر، أمين عام حزب «الحركة الشعبية»، يوم السبت 13 فبراير، لقلب الطاولة على رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران.
وإذا كان فوزي لقجع، المسؤول الأول عن جامعة كرة القدم، قد صرح ذات ليلة بأن ما يتداوله الناس حول إمكانية إبعاد الزاكي، وتعويضه بالمدرب الفرنسي «هيرفي رونار»، مجرد كلام خال من الصحة، وعاد صباح الغد لتكذيب نفسه، عبر بلاغ يعلن من خلاله عن «طلاق» بالتراضي، فإن رجلي السياسة المذكورين، خرجا فجأة للتبرؤ من الحكومة وحصيلتها المخيبة لآمال الشعب.
فصلاح الدين مزوار، وزير الشؤون الخارجية والتعاون، بدا إبان انعقاد المجلس الوطني لحزبه بالصخيرات، أشد شراسة من خصوم رئيس الحكومة ومعارضيه، إذ استغل كلمته الافتتاحية في تفجير غضبه على الحزب الحاكم «العدالة والتنمية» وهزالة الحصيلة الحكومية، مبديا رفضه التام للحملة المسعورة التي سبق لبعض قيادييه أن أعلنوها ضد حزبه، متهمينه بالخيانة عند انتخاب رؤساء الجهات والمجالس الجماعية في شتنبر 2015، وسعيهم إلى محاولة التحكم في استقلالية قراره الداخلي. قبل الانتقال إلى توجيه انتقادات شديدة اللهجة إلى الحكومة، معترفا بأن احتجاجات الشارع مبررة، وتستمد مشروعيتها مما لقيه المواطنون من تعنت، وصم الآذان أمام مطالبهم العادلة، منددا بالتعتيم عن حقيقة الإخفاقات، المتجلية أساسا في: ارتفاع نسبة بطالة الشباب دون 35 سنة إلى 40 في المائة، تراجع الاستثمارات الخاصة، عدم تقدم القطاعات الاجتماعية الحساسة: التعليم والصحة والسكن، وضعف تنمية العالم القروي، الذي ظل مرتبطا بالفلاحة والتساقطات المطرية، فضلا عن إضاعة فرص الاستغلال الجيد للظروف المناخية، وانخفاض أسعار المحروقات في الأسواق العالمية، وهبات الدول الصديقة..
وبتزامن مع هذا الهجوم العنيف، عاب امحند العنصر، الوزير السابق في الداخلية ثم في الشباب والرياضة في النسختين الأولى والثانية للحكومة، خلال كلمة له أمام منتخبي الجماعات الترابية بورزازات، (عاب) على رئيس الحكومة طريقة تعامله مع ملف الأمازيغية، وزيغ حكومته عن المقاربة التشاركية في إعداد مشروعي القانونين التنظيميين للأمازيغية والمجلس الوطني للغات..
من جهته، اضطر بنكيران إلى الحفاظ على هدوئه، وسارع إلى دعوة أعضاء حزبه وكتائبه الإلكترونية إلى ضبط النفس، وعدم خوض أي نقاش من شأنه تعميق الأزمة، والإفضاء إلى تصدع الائتلاف الحكومي قبل نهاية الولاية البرلمانية، مذكرا بأنه وحده المخول له حق الرد. فرغم شدة الوجع، تعلم كيف يمتص الضربات الطائشة وينحني للعاصفة؟ ومتى يخرج أنيابه ومخالبه للذود عن منصبه؟
أكيد أن هذه الضربات في الأنفاس الأخيرة من عمر الحكومة، حتى وهي تحمل معها حقائق ملموسة عن فشل الحكومة في معالجة الملفات الكبرى، وانفراد رئيس الحكومة باتخاذ القرارات المصيرية، وتغييب المقاربة التشاركية، فقد أثارت الكثير من اللغط والتساؤلات عن خلفياتها، لاسيما أن مزوار تأخر في الرد على اتهام حزبه بالخيانة لمدة فاقت أربعة شهور، كانت كافية لطي الصفحة دون انتظار الاعتذار من أحد. واللافت للانتباه أنه لم يكتف بالدفاع عن شرف «التجمعيين»، بل زاد وأقر بأن العمل الحكومي لم يرق إلى مستوى الاستجابة لانتظارات الشعب.
وإذا كان لهذه «التفعفيعة» من حسنات، فهو تأكيدها من قلب الحكومة على حقيقة ما ظل الغيورون ينبهون إليه من قصور وإخلالات، دون الالتفات إلى صرخاتهم المدوية واعتبارهم مجرد مشوشين، ثم الكشف عن إساءة تقدير العواقب لدى بعض الفاعلين السياسيين، وهشاشة الائتلاف الحكومي، لانشغال رئيسه عن خلق الانسجام بين مكوناته، بالعمل على تلميع صورة حزبه ومحاولة إظهاره بمظهر المنقذ الوحيد من الضلال، والحامل الأمين لرسالة الإصلاح، فيما الآخرون ليسوا سوى متآمرين وفاسدين..
ووجد الأنصار و«المؤلفة قلوبهم» في الطلقات النارية للرجلين، مناسبة لاستجماع قواهم وإعادة تشغيل أسطوانتهم المشروخة، التي ما فتئوا يرددونها منذ انسحاب حزب الاستقلال، والتي تحشر أي تعارض مع أهداف الحزب الحاكم في خانة الإرباك وإثارة الفتن، واعتبروها تحريضا واضحا وحركة تمهيدية للتحالف مع الغريم اللدود حزب «الأصالة والمعاصرة» في أفق تشريعيات 2016. وسواء كان هدفهما تأليب المواطنين ضد الحزب الإسلامي أو البحث عن آفاق يريانها الأكثر رحابة وديمقراطية، فإن مختلف التأويلات لن تخفي حقيقة فشل الحكومة وتفككها، بيد أنها لن تصب عدا في مصلحة بنكيران، ومنحه فرصة حشد المزيد من الدعم والتأييد، فضلا عما يتوفر عليه حزبه من كتلة ناخبة قارة ومناضلين منضبطين، في ظل اكتفاء الساخطين على عمل حكومته بالتفرج والانتقاد اللاذع دون التصويت في الانتخابات..
إننا اليوم بحاجة ملحة إلى أشخاص أكفاء، قادرين على تحمل المسؤولية بروح وطنية عالية، والارتقاء بمستوى الخطاب السياسي، وتخليق الحياة العامة واحترام حقوق ومشاعر المواطنين، وجعلهم أكثر حماسا للعمل السياسي وإقبالا على المشاركة في مختلف المحطات الانتخابية. أما استمرار الإصرار على تمييع الأجواء، فلن يخدم عدا مصالح القوى الانتهازية والرجعية بالبلاد، ويزيد في تأزيم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والرياضية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى