الرأيالرئيسيةزاوية القراء

«الأنا» الإفريقي

فيروز فوزي
في كل الأوطان تطرح إشكالية الهوية، بكل إبدالاتها السوسيوثقافية ورهاناتها السياسية المتوترة.
والهوية هويات، تتعدد بتعدد الأبعاد. فالجغرافيا والتاريخ، والعرق كما الملة، كلها أبعاد ومحددات للانتماء، ويظل سؤال الهوية جوهريا لارتباطه بالوجود الأنطولوجي للإنسان. لذلك تحتاج الشعوب أن تتحسس خصوصيتها اللغوية والثقافية والتاريخية، المغايرة والتي تجعل منها مكونا بشريا متفردا ومتميزا، مما يمنح حياتها معنى في الوجود. بهذا المعنى تعتبر الهوية معطى سوسيوثقافيا ثابتا ومتغيرا في آن واحد. ولأن الثقافات على اختلافها وتنوعها تتفاعل في محيطها القاري، مثلا، فإنها قد تفقد بعضا من ملامحها كما قد تكتسب ملامح جديدة بفعل التواصل والاحتكاك بين الشعوب، مما ينتج عنه إعادة تشكيل الهويات برسم ملامح معدلة، بحسب المتغيرات.
يطرح سؤال الهوية بالمغرب إشكالا لغويا وثقافيا،
سؤال تتجاذب النخب السياسية خلفياته بموازاة مع النخب الفكرية، الأمر الذي يجعلنا أمام طرحين يتقاطعان في المقاربة الثقافية ويختلفان في المقاربة السياسية والحقوقية.
تتمظهر إشكالية الهوية في قضايا في غاية الأهمية، لما لها من دور في بناء الدولة الوطنية، كالتعليم والتاريخ وحقوق الإنسان وقد يصل الطرح إلى درجة من الصدام تغيب معها الرؤية ويعقم الحوار.
لذا نحتاج مقاربة جديدة تكون بديلة ومؤسسة لمفهوم أكثر انفتاحا على الواقع وضرورات التأقلم معه. مقاربة تنأى بسؤال الهوية عن أسباب الصدام والتشدد الذي يهدد الوحدة الوطنية.
من هذا المنطلق يجدر بنا أن نعيد صياغة السؤال الوجودي، ونربطه بأبعاد جديدة ترهن الانتماء بالمجال الجغرافي المادي القار، لا البعد التاريخي الحافل بأسباب التشنج العرقي والديني، على اعتبار أن الجغرافيا ظلت لقرون عديدة مجالا خصبا للتفاعل بين الشعوب ومشتركا مجاليا يساهم، على قدر كثافة التواصل بين الأفراد والجماعات البشرية، في بناء ملامح مشتركة تسهم في بناء هوية أرحب بعناصر غنية.
إلى عهد قريب كانت قضية الهوية محسومة بالنسبة إلى المغاربة. فنحن أمازيغ ذوو الأنفة قادمون من اليمن عن طريق الحبشة ومصر، ونحن عرب أقحاح من بني معقل وبني هلال، ونحن مسلمون على مذهب المالكية، وتعيش معنا أقليات عرقية ودينية تجمعنا وإياها عقيدة الوطن الذي يحتضن الجميع. تتشكل مغربيتنا من هذا المزيج الهجين وهذا «الموزاييك» البديع، الذي أفضى إلى مظاهر الغنى الثقافي الذي يميز مغرب اليوم. هذا التنوع سيزداد غنى مع توسيع مجالنا الاقتصادي والجيوسياسي داخل القارة السمراء.
إن عودة المغرب إلى بيته الإفريقي حدث كبير وحاسم يملي على النخب الفكرية والسياسية المغربية إعادة ترتيب أوراقها، حتى لا تبقى أطاريحها بخصوص مفهوم الهوية خارج التاريخ. إنها ملزمة بتجديد خطابها الحامل لاجترارات مفاهيمية بخصوص إشكالات الهوية المغربية.
ومع تنامي مد العولمة ومداهمته لكل أوجه الحياة في مناحيها الاقتصادية والإنسانية، تتنامى لدى الدول والشعوب الرغبة الجامحة في الانفتاح على العالم وارتياد آفاق جديدة. وهو نزوع نحو الانتماء لفضاء أرحب وإنسانية أرقى تتوحد في أفقها القيم المشتركة، من حرية وحق في العيش الكريم.
في هذا السياق أصبح المغرب معنيا بانتمائه للمجال الإفريقي، بقوة تعهداته وشراكاته الجيوستراتيجية. لتظل الوحدة الإفريقية، على أسس اقتصادية بمنطق رابح/ رابح، خيارا لا مناص منه أمام الدول لتذويب خلافاتها السياسية ونزاعاتها الإثنية. وحدها الهوية الإفريقية الموحدة تمكن الدول والشعوب من التعاون جنوب/ جنوب في بناء لمفهوم جديد للهوية ذي بعد قاري وحدوي، ويروم البناء والتعاون المثمر من أجل ضمان أمن ورخاء الشعوب الإفريقية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق