الرأيزاوية القراء

الطائفية بين المرض والمضاعفات (3)

خالص جلبي
إنها بضاعة فات وقتها مهما جلس مثقفو السلطة الكذبة يروجون؛ فالطائفية سبب ونتيجة مثل المرض والمضاعفات، وهي مؤشر على الانتحار الداخلي. وهي خطر على كل مستقبل الطائفة لأن يوم الفصل كان ميقاتا؛ فيحكم بقطع رأسها على مقصلة التاريخ، وتغيب عن مسرح الأحداث قرونا بين ذلك كثيرا. ولنا في قصة مذابح التوتسي والهوتو أو ميلوسوفيتس ورادوفان كاراديتش من الصرب عبرة لمن يعتبر. والأصنام لا تبقي الأشخاص، بل الحقائق والعدل. والطائفية علامة تسم المرحلة التاريخية التي تمر بها الأمة، فكما تنتفض الأعضاء بالتشنجات حين يتعطل الدماغ بالحمى، كذلك الحال بنمو هذا السرطان، حينما تفقد الأمة روحها النابض؛ فتتمزق الأمة مزعا، وكل طائفة بما لديهم فرحون. وعندما ينقلب الإنسان على عقبيه ليتجمد في مربعات الطائفية، يحكم على نفسه بالموت ويفوته قطار التاريخ. واليوم ودع العالم حكم العائلة والقبيلة والطائفة والدولة الإقليمية، فهذا هو روح العصر. ونحن ليس أمامنا إلا سنن من قبلنا. ولا يمكن حرق المراحل، ولكن كشف قانون الشيء يمنحنا السيطرة عليه وتسريع عمليات الشفاء. كما نفعل مع المريض بإعطائه الصاد الحيوي، فنسرع في عملية الشفاء.
وكما يقول مالك بن نبي إن التعامل مع القانون لا يعني إلغاؤه، بل التعامل معه بما يمنحنا السيطرة عليه، كما أمكن للحديد أن يطير على شكل طائرات، فهنا لم يتم إلغاء القانون، بل تم التعامل معه حسب وجوده الأزلي بتداخل القوانين على بعضها البعض. وأوربا اليوم ودعت مرحلة الدولة القومية باتجاه الدولة العالمية، وقد أصبحوا عام 2004م 25 دولة تضم 450 مليون نسمة، في أعظم تجمع عرفه التاريخ بدون سيف جنكيزخان ولا مدفع نابليون أو مدرعات هتلر، تحت كلمة التوحيد، فلا يتخذ البشر بعضهم بعضا أربابا من دون الله.  ونحن ما زلنا في مرحلة العائلة والطائفة. وهناك قسم من حكومات العالم العربي خلطة غير موفقة، تذكر بقصة فرانكنشتاين، فالدماغ مكون من نصفي كرة مخية من عائلة الحاكم وزوجته، والقلب للطائفة، والعمود الفقري لضباط العشيرة، وأما الأحشاء فهي من بورجوازية المدن المنحلة. وتبقى العظام والعضلات من أولاد الأقليات من طوائف شتى، والجلد هو الحزب القائد. ولكننا نعلم من قصة فرانكنشتاين في النهاية، أن من صنعه جاء فقتله فهو نموذج غير قادر على الصمود وضد قوانين الحياة. وصدام العراق نموذج صنعته أمريكا كما صنعت نورييغا، ثم جاءت فقتلت نظامه ونحرت أولاده، وعلقته على حبل المشنقة فتدلى. وليس الوحيد فقد لحقه القذافي مقذوفا بسيف من لهب. ونحن لن نخرج عن قانون التاريخ، فلسوف نقتل بعضنا بعضا مائة عام أخرى حتى نعرف أن الله حق، وأن الطائفة ورطة، وأن الله خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف وليس لنتقاتل. وحتى يعود الوعي من المنفى ليس أمامنا إلا البكاء وصرير الأسنان. والشعوب لا تصل إلى شاطئ الوعي إلا على جسر من المعاناة، فوق نهر من الدموع.
وصف النيهوم، الكاتب الليبي، بعض أنظمة الحكم في العالم العربي بأنه حكم عائلات إقطاعية مسلحة. وحين قتل صدام العراق بصدمة ودهشة، سرى في الإنترنت طوفان من الفتاوى عن صدام، هل مات موحدا، أو وثنيا يعبد أصنام البعث الثلاثة: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، بعد أن نطق الشهادتين؟ وانقطع رأس أخيه برزان في الإعدام أو قطع. إن الثالوث البعثي المقدس (الوحدة والحرية والاشتراكية)، يشبه مركب الأقانيم الغامض، عند الكنيسة الكاثوليكية والبابا المعصوم؛ فتحت اسم المسيح تحول المعلم البسيط، إلى رب يخلق السماوات السبع ورب العرش العظيم، كما حصل لصنمي البعث في العراق وسوريا، فتحت شعار الثالوث البعثي المقدس، أصبح الرفيق القائد، الرب العظيم؛ يحيي ويميت، ويضع ويرفع، ويعز ويذل. السميع العليم. وهذا يحكي غرامنا السقيم بالكلمات؛ فيكسب القاموس الكلمات الميتة، ويخسر الواقع الحقائق الحية؛ فتحت كلمة الوحدة مشينا باتجاه التقسيم الطائفي. وتحت كلمة الحرية، طارت كل حرية، في فم تنينات الأجهزة الأمنية التسع عشرة، الذين يحصون دبيب كل نملة، وطنين كل نحلة، ولا تأخذهم سنة ولا نوم. وتحت كلمة الاشتراكية تحول نظام الحكم إلى عصابة مافيوية! ليست مافيا داخل الحكم، كما كتبت مجلة «الشبيغل» الألمانية، بل نظام الحكم كله تحول إلى مافيا دموية، مسلحة حتى الأسنان، لقبض الأرواح، إلى بلاد الحزن والأتراح. وما يجري في العراق وباء طام، يهدد كل المنطقة بطوفان نوح، من المذابح الطائفية والمذهبية. وما حدث في العراق لن يبق في العراق، فالبركان يقذف باللافا ويشق الأرض ويزلزل الأرض ويهدم البنى على رؤوس أصحابها..
فبعد أن سبح العرب طويلا في قذارات النتن القومي البعثي، يتحول زورقهم المنكوب، إلى مستنقع أشد هولا وقذارة؛ من المذابح الدينية، باسم الله والصليب، وعلي والحسين، والحاكم بأمر الله الفاطمي، في رحلة انقلاب في محاور الزمن، نكسا إلى العصور الوسطى الظلماء. وهكذا فبدل دخول الحداثة؛ ينتكس العرب على وجوههم، عميا وبكما وصما، مأواهم جهنم الطائفية، كلما خبت زدناهم سعيرا. ووضع العرب هذه الأيام يذكر بجو دول الطوائف في الأندلس، أو جو الفرق المذهبية قديما، بين (معتزلة) و(شيعة) و(خوارج) و(مرجئة) و(قدرية) في خمس شعب، لا ظليل ولا تغني من اللهب. فأما الشيعة فقد رفعوا من قدر علي وذريته؛ فزعموا أن القمر نزل في حضنه، وأن في دمه كريات حمراء مختلفة مقدسة. وأما الخوارج (وأشباههم من الانتحاريين حاليا) فكفروا الجميع وقتلوا.
وأما المرجئة فهم أولئك السياسيون الكذابون الملاعين، الذين يرون أن الله يغفر الذنوب جميعا، ولو قتل القاتل أمة من الناس، يكفي أن يلوك بلسانه كلمات. وأما القدرية فقالوا بالحرية الإنسانية المطلقة، وعلى هذا الفكرة ذبح الجعد بن درهم.
وأما المعتزلة فحاولوا تحريك العقل، في وسط يموت، فماتوا مع الأموات، إلى يوم الدين. واليوم تنهض هذه المذاهب بكل أمراضها وعيوبها، من التوابيت، وترجع إلى الحياة، ونحن مذهولون من هذه الرؤية غير المتوقعة، لجثث تدب فيها الحياة.. ونقول يا ويلنا من بعثهم من مرقدهم؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق