الرأي

الفرعون الشاب: توت عنخ آمون

بقلم: خالص جلبي
لم يكن اللورد (كارنارفون) من علماء الآثار المصرية، ولكن مناخ مصر لصحته العليلة وحب العثور على الذهب والكنوز، وما يحيط بالأساطير المصرية من القصص الخلابة والساحرة، جعله يكلف شابا نحيلا في عام 1890 بالبحث في الآثار المصرية هو السيد (هوارد كارتر ـHOWARD CARTER)، الذي استمر التعاون بينهما لفترة 32 عاما، ولكن معظم الحفريات التي قام بها كانت مخيبة للآمال، باستثناء بعض الكشوفات الجانبية غير ذات الأهمية، فضلا عن تبخر حلم اللورد في التقاط كنز عظيم من الأصفر الرنان. فهؤلاء المصريون القدماء كانوا يحملون معهم كنوزهم إلى مقابرهم المسلحة بالأحجار الثقيلة، فحفظوا للزمن ليس فقط جثثهم المحنطة على شكل المومياء، بل ثرواتهم النفيسة وبدائع صنع أيديهم، وبقايا طعامهم وملابسهم وأسلحتهم وعرباتهم. فضلا عن الجدران الملونة بالكتابات التي تشرح طبيعة الحياة بالتفصيل، من صناعة القماش وطريقة الحياة واللباس والزينة والحروب والموسيقى، في مناظر عجيبة وألوان حافظت على نفسها آلاف السنين. كانت آثار المصريين بحق متحف شمع تاريخي محفوظ.
استمر كارتر كما يصف نفسه (الكلب الذي يشم رائحة الطريدة فينبش في الأرض) فترة طويلة وهو يمسح المناطق الأثرية المتوقع فيها العثور على بعض النفائس، واللورد كارنارفون يمده بالمساعدة المالية على مضض، ولا تخلو أحيانا من حفلات الإهانة والإنذارات، حتى قرر كارتر أن يقوم بالمسح في منطقة الشمال في دلتا النيل، ولكن مفاجأة غير سارة كانت في انتظاره، هذه المرة من كائنات العالم السفلي؛ فقد اغتاظت ثعابين الكوبرا فأرسلت فحيحها.
قرر كارتر أن يبدأ حفرياته في منطقة (سايس)، ولكن ارتفاع حرارة الجو ونضح التربة بمياه الرشح النيلية؛ جعلا الحياة لا تطاق، وكان المرعب بحق في منطقة الحفريات هو ظهور حيات الكوبرا الخبيثة، برأسها المسطح وعينيها المحدقتين وفحيحها المرعب، إن بصقت لعابها في عيني العامل أصابته بالعمى، وإن نهشت في لحمه أصابته نوبة تحلل دم قاتلة، مما جعل كارتر يوقف أبحاثه ليتحول إلى منطقة الجنوب، إلى منطقة (طيبة ـ الأقصر الحالية) لمواصلة الحفر هناك، ولكن هذا التحول قاده إلى كشف هز العالم برمته؛ فقد وقع على مقبرة ملكية كاملة لم تصل إليها أيدي اللصوص بعد.
في شتاء عام 1906 م كان الأثري (تيودور ديفيز) يواصل أعماله في وادي الملوك بجنوب مصر؛ حينما اكتشف حفرة واسعة على عمق سبعة أمتار، مملوءة بالوحل الجاف حتى السقف، مما جلبته السيول، وعثر على بعض المخلفات الفرعونية غير ذات قيمة، ولكنها تتحدث عن توت عنخ آمون، الملك الشاب الذي قضى نحبه شابا في عمر لا يزيد على العشرين، والخلاصة التي خرج بها (ديفيز) يومها أن بقايا توت عنخ آمون نُهبت، كما نهب غيرها على يد لصوص المقابر؛ إلا أن هذه النتيجة لم تقنع صاحبنا كارتر فتابع حفره في المنطقة، ما بين بقايا قبري رمسيس التاسع والسادس، حتى جاء ذلك النهار الرائع عندما رأى شيئا ملفتا للنظر.
اكتشف كارتر درجة منحوتة في الصخر على امتداد الأرض، أسفل مقبرة رمسيس السادس، فلما أزال الأتربة والأنقاض عنها عثر على خمس عشرة درجة أخرى، تنحدر إلى الأسفل، وتشكل سلما عرضه 1.6 متر تنتهي بباب مغلق، عليه أختام الجبانة الملكية الفرعونية، فرك عينيه ولم يصدق. لقد كانت تعلن عن قبر الفرعون (توت عنخ آمون) المعروف باسم (خبرو ـ نب ـ رع)، عندها أدرك كارتر أنه أمام كشف مثير، ولكن كل الخوف أن تكون يد اللصوص قد وصلت إليه كما وصلت إلى فراعنة عظام آخرين، وعند فتح الباب كانت المفاجأة أعظم، حيث تتابع المسلسل المثير أكثر فأكثر، فالباب قاد إلى ممر آخر بطول ثمانية أمتار يفضي مباشرة إلى مكان الدفن الرئيسي، يحرسه من جديد باب آخر، عندها أرسل في 6 نونبر برقية إلى اللورد (كارنارفون) الذي سارع بالحضور مع ابنته إيفلين، وفي 25 نونبر يصف كارتر المصاب بالإعياء بعد رحلته المكدودة للاكتشافات التي امتدت 32 عاما، بأن ذلك اليوم كان «من أروع الأيام التي عشتها في حياتي كلها، يوم لاريب أني آمل برؤية مثله مرة أخرى».
استطاع كارتر ومعه اللورد (كارنارفون) الذي كان يراقب المنظر وهو كاتم أنفاسه، وكأن الطير على رأسه، ولعابه يسيل بانتظار الذهب الموعود الذي انتظره أكثر من ربع قرن! وتحت نور الشمعة البسيط المترجرج، استطاعا أن يريا أشياء عجيبة في تلك اللحظة؛ من كراسي ومناضد وحيوانات عجيبة وتماثيل من ذهب، تتبدى شيئا فشيئا وسط الدجنة. وخرج التاريخ يروي قصته على لسان الفرعون الشاب، الذي لم يتمتع بالحياة أكثر من عقدين من السنين، ولم يحكم أكثر من ثماني سنوات، ولكن جثمانه بقي يقاوم الزمن 3275 عاما. كان المنظر رهيبا بحق؛ فالملك مغلف سبع مرات، منها أربعة هياكل جنائزية من خشب مذهب، وفي داخلها ثلاثة توابيت متداخلة بإحكام، وترقد المومياء (الجثة) في الأخير بقالب يزن 1110 كيلوغرامات من الذهب الخالص، والتوابيت الثلاثة تزن معا أكثر من 1375 كيلوغراما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى