الرأي

توأم الأرض (الكوكب الجديد Gliese 581-C)

بقلم: خالص جلبي
صديقي الدكتور (معاذ الحفار) يتحفني دوما بآراء مثيرة، قال لي يوما هل يمكن أن تتصور وجود كرة أرضية توأم، تدور حول الشمس مثل دوران الأرض، ولكن في مكان مختلف؟ صدمت أنا، ثم فكرت بجدية، وقلت إنها فكرة ممكنة! هذه الفكرة طبعا فندها الفلكيون بمجرد ظهورها. وفي عام 2005م قام معرض في المتحف العلمي في لندن، اجتهد فيه الباحثون في تصور عالم تعيش فيه كائنات خارج أرضية، في كوكب يعج بكائنات شتى من حيوانات وطيور ونباتات، أطلقوا عليه الكوكب (أوريليا Aurelia)، حيث تستحم في مستنقعات طينية حيوانات غريبة، وردية، بعيون قائمة بسيقان تذكر بعيون السرطان بانتصابها، تسعى بستة قوائم، تزحف على فرائسها بضراوة ولو كانت خنزيرا بقياس خمسة أمتار. كان هذا التصور والتنفيذ للفكرة متطابقا جدا، مع الإعلان الذي تقدم به الفريق العلمي من تلسكوب (جينيف) برئاسة (ستيفان أودري Stephane Udry) وزملائه عن كوكب يبعد عنا مسيرة 20 سنة ونصف سنة ضوئية، فيه ظروف مشابهة للموجودة على الأرض، مع فروق طفيفة، من (حرارة) و(جاذبية) و(قرب) من الشمس و(حجم) و(ثقل)، علما بأن السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في مدى سنة كاملة وتبلغ 9 ملايين مليون كيلومتر!
وأثار هذا الإعلان أحلام العلماء، كما لم يثره بحث من قبل، فهذا الكشف يعد الأول من نوعه، الذي يعلن عن وجود كوكب مشابه للأرض، قد تدب عليه كائنات ذكية تشبهنا أيضا، إلا أن فريق الخبراء قرر أن الحياة قاسية هناك لو وجدت، والعلماء يراهنون على نوع الحياة النباتية والحيوانية على ظهره، والمشكلة هناك هي الثقالة (الجاذبية).
يمتاز الكوكب الجديد أنه يبعد عنا بـ20 سنة ونصف سنة ضوئية، ودرجة الحرارة على ظهره تتراوح بين 0 و40، وهو يذكر بمناخ الأرض، وأن قطره أكبر من الأرض بمرة ونصف المرة، وثقله أكثر بخمس مرات، وبعده عن شمسه بمقدار جزء من 14 من بعد الأرض عن الشمس، ويدور حول شمسه دورة كاملة في 13 يوما أرضيا، مقابل أرضنا التي تدور حول الشمس في 365 يوما وربع اليوم.
وتبقى المشكلة في ثلاث أمور:
أولا: فهو ينظر بتحديق لا يشبع إلى أمه الشمس، فلا يعرف الفطام، فليس من ليل ونهار، وليس من صيف وشتاء، بعد أن فقد دورانه حول نفسه فهو يواجه الشمس ناظرا بعشق لا يعرف الملل، وهو ما يذكر بالقمر أيضا بوجهين ثابتين، بدرجة حرارة 150 فوق وتحت الصفر للوجهين، مما يجعل الحياة غير ممكنة في الوجهين، أما هذا الكوكب فهو يسبح في ضوء لا ينقطع في نصف كرة، ويسبح في الظلام البهيم البارد النصف الثاني من البرتقالة الكروية، وهذا يعني أن الحياة ستكون فقط تلك التي تواجه الضوء والحرارة.
2ـ والمشكلة الثانية: هي القوانين التي تسود هناك، فلم نعرف عن وجود قمر يحافظ على استقرار الكوكب، كما في الأرض، فلولا القمر ما استقرت الأرض بحال، وكذلك ميل الكرة كما في الأرض بـ23 درجة لتخلق الفصول، ثم وجود المغناطيسية من عدمها، فالكهرطيسية على الأرض، تخلق سقفا يحمي الأرض من الإشعاعات الكونية، خاصة إذا علمنا أن هذا الكوكب أقرب لشمسه، من قربنا لأمنا الشمس، فنحن على بعد 93 مليون ميل وهو على بعد سبعة ملايين ميل، مما يجعله لا يعرف برد الليل ورطوبة الأصيل، بل تغلي محيطاته في حرارة لا تكف ولا تتوقف، طالما كان أحد وجهيه وحيدا في مقابل الشمس بدون تغير.
3ـ والمشكلة الثالثة: هي الثقالة، (أي قانون الجاذبية)، فطالما كانت كتلته أكبر من الأرض بخمس مرات، وقطره أكبر من الأرض بمرة ونصف المرة، فإن الجاذبية أكثر
بـ2,2 مرة، وهذا يعني توديعا للقفز والركض والنط، والدخول في عالم من الفيزياء والكيمياء يتماشى مع القوانين الأزلية لهذه المعادلات، بمعنى أن المرأة الرشيقة على الأرض ستكون هناك بوزن غوريلا بـ120 كيلوغراما. وأن من يريد أن يندفع في الركض والخبب، لن تسعفه قدماه كثيرا، وكأنه ملتصق بالأرض، ويذكر بذلك العجز الذي نراه في المنام، حين نريد أن نسعى فلا نقدر. وهو ينطبق على النباتات؛ فأمام الشجر لضخ الماء إلى الأعلى تحد جبار، وعليها أن تتخذ أشكالا غير رشيقة تتعرج فيها شرايين الماء بقوة والتفاف شديدين، وأما الأغصان فتحاول أن تولي وجهها باتجاه الشمس دوما باتجاه مكان النور الوحيد باتجاه وحيد، وهي معضلة أمام الطيور الذين لن يجتمعوا في الشجر بطوائف شتى، بل أقرب لقرود الجيبون بأيد مدلاة. وهذا يعكس كما قال عالم ميكانيكا البيولوجيا (جيمس أشروود James Usherwood) من الكلية الملكية البيطرية في لندن، إن هذا يسري على حركة كل الكائنات والنباتات هناك، فالطيور لن تكون مثل الطيور عندنا، ولا الكلاب والصراصير، بل وبفعل الثقالة سيكون لها سيقان ضخمة متينة بدون كثير من العضلات والأوتار، تدب على الأرض ملتصقة بالقاعدة الأرضية تحتها، كما كانت تفعل الديناصورات بأقدامها الثقيلة، وخلافا لمن يسبح في الماء، مثل الدلفين، فسوف يعوم باندفاع أفضل، بسرعة تزيد عن مرة ونصف المرة عن الأرض، لأن فرملة الأمواج سوف تخف صدمتها بامتصاص جاذبية الأرض لها، عكسا للطيور التي تريد أن تحلق؛ فأمامها استخدام خمس مرات أكثر من الطاقة، في حين أن الهبوط سيكون أشبه بالارتطام بسرعة 1,5 مرة أكثر، وهو ما لا يطيقه طائر الباتروس الانتحاري. كل هذا لا يقلق (كونوي موريس Conway Morris)، الخبير في (بيولوجيا التطور) من جامعة (كامبريدج)، الذي كان من ساهم في تصميم معرض كوكب (أوريليا)، فهو يرى أن قوانين (الفيزياء والكيمياء) نفسها هي المسيطرة في الكوكب السحيق، وهو يتوقع وجود الماء على ظهره، وهذا يقود تلقائيا إلى وجود الحياة، كما يقول القرآن (وجعلنا من الماء كل شيء حي). وحالما تبدأ عجلة التطور بالعمل، فهي ستنتهي بالكائنات الذكية، وفي النهاية الإنسان على شكل ما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى