الرأي

حكم في قوارب الموت

حسن البصري

تابع المغاربة بألم شديد مشهد لحظة وصول عشرات المهاجرين السريين إلى إحدى الجزر الإسبانية في عرض المحيط الأطلسي، وعاينوا سجود الناجين من الحيتان فوق الرمال، قبل أن يمضي كل إلى غايته «لا يقل شئنا فإن القدر شاء».
لفت معاذ أنظار «الحاركين» بركضه السريع من المركب نحو اليابسة، تعرف عليه أبناء آسفي وهو الذي انحنت أمامه الرؤوس حين كان حلاقا ينحت تسريحات الشباب، لكن عشيرة الرياضيين تعرفوا على ملامح معاذ، الحكم الجهوي الذي لطالما قاد مباريات كرة القدم في عصبة عبدة دكالة من أزمور إلى الصويرية.
في غفلة من اللجنة الجهوية للتحكيم، جمع معاذ أغراضه الصغيرة، ووضع «صاكه» على كتفيه، رمى الصفارة في وجه عصبة حرمته من متعة قيادة مباريات الكرة، وقرر ركوب قوارب الموت مقابل تحويشة العمر. ألقى النظرة الأخيرة على عتاد لا يسمن ولا يغني من جوع، واستنشق رائحة عطر الذقون، ثم أشهر البطاقة الحمراء في وجه مهنة لم يجن من ورائها إلا «الرغوة».
هاجر الحكم الوطني والحلاق الجهوي معاذ إلى جزيرة في المحيط، أملا في صفارة نظيفة، هاربا من مقص الرقيب ورائحة الشعر وغبار الملاعب وشظايا شتائم الجمهور الغاضب، الذي يردد مع كل صافرة منفلتة لازمة «ألربيط أمسخوط الوالدين»، وكأن قضاة الملاعب تخرجوا من مدارس العقوق.
سقط اسم معاذ من لائحة الترقية إلى حكم وطني، وحين استفسر عن سر حرمانه من تحكيم مباريات وطنية، قيل له إن صوتك مبحوح وركضك مسموع وتقاسيم وجهك تحتاج إلى لمسة صرامة زائدة، نظر في مرآة دكانه وتأمل مبررات الإقصاء، فكان من كاظمي الغيظ.
ليس معاذ حلاقا ثرثارا كما قرأنا في رواية الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي «الحلاق الثرثار»، وليس انتحاريا كما ورد في قصة «تحت موس الحلاق» للكاتب العراقي سليم البصري، وليس عدميا في مواجهة قساوة الحياة وجبروت الاستغلال وإذلال الإنسان لبني الإنسان، كما جاء في فيلم «حلاق درب الفقراء» للمخرج محمد الركاب، لم يفكر يوما في حفر خندق في مواقع التواصل الاجتماعي للهجوم على لجنة الحكام ونقابة الحلاقين، بل اختار الصمت ومطاردة حلم الهجرة بعيدا عن مدينة يمارس فيها شبابها هواية «الحريك».
لست وحدك عاشق الهجرة السرية تحت جنح الظلام، فقد سبقك إلى المغامرة عشرات الأبطال من عاصمة السردين، أبرزهم علي حبابا، عميد الفريق الرديف لأولمبيك آسفي، الممارس بالبطولة الاحترافية. رمى بشارة العمادة في عرض البحر وفضل ركوب قوارب الموت، وحين وطأت قدماه الضفة الأخرى، سجد شاكرا كما كان يفعل في الملاعب حين يسجل هدفا يسعد المسفيويين.
قبل علي نجح البطل المغربي في التايكواندو، أنور بوخرصة، ابن مدينة آسفي، في اختبار الهجرة عبر قوارب الموت، وحين غادر السواحل المغربية رمى بميدالياته في عرض البحر معلنا القطيعة مع الحلبة. في جزيرة «لانزاروت» التابعة لجزر الكناري يحكي أبطال آسفي الهاربون عن حيف المسيرين وجحود الزمن، عن رياضيين بلا مجد عن كرة محشوة بالهواء الفاسد عن النفق المسدود، الذي لا تتسلل منه خيوط الحلم إلا للمحظوظين.
من بين «الحاركين» شابة في الثامنة عشرة من العمر تدعى أحلام، هي اسم على مسمى لأنها تحمل على كتفيها عشرات الأحلام المؤجلة، قيل إنها كانت لاعبة لكرة القدم واعدة، قبل أن تعيش في أيامها الأخيرة حالة شرود ذهني، وتعلن نفسها مرشحة للهجرة السرية. أنصتت بإمعان لقصة العبور المرعبة التي كتبتها زميلتها ريم بويحد، لاعبة المنتخب المغربي النسوي وفريق أولمبيك آسفي، والتي لم تفوت فرصة «الحريك» فقررت ركوب صهوة المخاطرة.
في قاعة الانتظار عشرات الأبطال الرياضيين الذين ينتظرون إشارة من كبير «الحراكين» ليحملهم نحو الجزيرة، بعد أن كتبوا على الشاطئ وصيتهم الأخيرة وتبرؤوا من رياضة تأكل أبناءها.
عذرا فقوارب الموت اليوم أضحت قوارب للحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى