الرأيزاوية القراء

حكومة الفخفاخ والدروب المفخخة

صبحي حديدي
ليس تفصيلا عابرا أن إلياس الفخفاخ، رئيس الحكومة التونسية المكلف، لم يفلح في تشكيل لائحة وزرائه، وتقديمها إلى الرئيس التونسي قيس سعيّد، إلا في ربع الساعة الأخير، قبيل انتهاء مهلة الـ30 يوما القانونية التي يمنحها له الدستور للانتهاء من المشاورات. ورغم أن عمليات الشد والجذب التي تواصلت طوال الشهر لم تكن خافية، بل كان العكس هو الصحيح والمكشوف المعروف؛ فإن انبثاق الحل لم يكن بدوره مستعصيا أو مستغلقا، إذ كان مفتاحه كلمة سر واحدة هي «حركة النهضة»: إما أن تمنح المباركة، فتحصل الحكومة على الثقة في البرلمان، حتى بأغلبية الحد الأدنى (110، من أصل 217 نائبا)؛ أو أن تحجبها، فتدخل البلاد في أزمة دستورية ذات حسابات مستقبلية ليست في صالح الحركة، أو هي غير مضمونة العواقب في أقل تقدير.
عاقبة أولى، كبرى، هي أن فشل الفخفاخ في نيل ثقة البرلمان، بعد هزيمة سلفه المكلف النهضوي الحبيب الجملي مطلع الشهر المنصرم؛ سوف يمنح الرئيس التونسي هامش مناورة حاسما أمام «النهضة»، مشروعا ودستوريا تماما، هو حل المجلس والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة. وهذا يعني، في مستوى أول، تسليم كامل صلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية إلى الرئاسة، طوال 90 يوما يشترطها الدستور لتنظيم تلك الانتخابات؛ كما يعني، في مستوى ثان، مجازفة غير محسوبة لجهة حظوظ الحركة في تحسين مقاعدها، أو خسران بعض ما تملكه في البرلمان الراهن من المقاعد الـ54. عاقبة ثانية، إيديولوجية على نحو ما، وشعبوية في بعض عناصرها، هي أن الحركة لعبت، أثناء حملات الانتخابات التشريعية الأخيرة، على ما تمتع به الرئيس التونسي من التفاف جماهيري واسع خلال الانتخابات الرئاسية؛ من زاوية الإيحاء بأنه إسلامي «المزاج» أساسا، مما يقربه من «النهضة» بالضرورة، ويدفع ببعض شرائح ناخبيه أن يقطعوا الحيرة بين الحركة و«قلب تونس» مثلا، فيصوتوا للقريب من التيار الإسلامي في مواجهة الليبراليين كما مثلهم نبيل القروي. هذه معادلة قد لا تتكرر، استطرادا، إذا مضت الحركة أبعد في التأزيم الدستوري فوضعت الرئاسة أمام خيار حل البرلمان؛ أو لعلها لن تتكرر إلا في صفة النقيض، أي انفضاض جمهور سعيّد عن «النهضة» تضامنا مع قصر قرطاج. للمرء، مع ذلك، أن يسجل للحركة براعة تكتيكية في إدارة المفاوضات مع الفخفاخ، حتى إذا بدت انتهازية متقلبة، سواء لجهة إعلان مجلس الشورى أن الحركة لن تصوت للحكومة، بداعي أنها ليست حكومة وحدة وطنية ما دامت تستبعد «قلب تونس»؛ أو عودتها عن هذا القرار، بلسان رئيسها ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، واعتبار التشكيلة الحكومية «معقولة، وفيها توازن بين التمثيلية البرلمانية والتمثيلية الحكومية». وهكذا كسبت الحركة حقيبة وزارية إضافية خلال هذه المناورة (سبع حقائب، ذات صلة وثيقة بالحياة اليومية والمشاغل الشعبية، بينها الفلاحة، والصحة، والتجهيز والإسكان، والشؤون المحلية، والشباب والرياضة). لكنها، في الآن ذاته، زرعت بذرة تحالف محتمل مع «قلب تونس»، ثاني أكبر الكتل في البرلمان بعد «النهضة»، يمكن له أن ينقلب إلى نقطة استقطاب معارضة، موازية على نحو غير مباشر للأغلبية ذاتها التي منحت الثقة لحكومة الفخفاخ! هذا واحد من الفخاخ الكثيرة التي تنتظر الحكومة الجديدة فور حصولها على ثقة البرلمان، على مستويات لا تُقارَن مخاطرُها بعمليات «طبخ» حصص هذا أو ذاك من الأحزاب الممثلة في البرلمان، أو الزهو بأن الحقائب السيادية ذهبت إلى وزراء «مستقلين»، أو أن نسبة تمثيل المرأة في الحكومة تجاوزت 18 في المائة… ثمة مشكلات اجتماعية واقتصادية كبرى يترقب الشارع الشعبي حلولا لها ملموسة وفورية؛ وثمة، في المقابل، تباينات حادة ضمن منظورات الأحزاب المشاركة في الحكومة حول طرائق معالجة الأزمات الخانقة. وليست مبالغة، بالتالي، أن تبدأ حكومة الفخفاخ مسيرها على دروب شائكة وعرة، مفخخة عند كل منعطف اجتماعي أو محطة اقتصادية؛ فما بالك بما يمكن أن يطرأ من تبدلات على مصالح الأحزاب، وولاءات النواب.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق