شوف تشوف

حملة سابقة لأوانها

أصبح في حكم الأكيد أن الفرنسيين لن يمنحوا ماكرون ولاية ثانية، ولذلك فالرجل فقد صوابه وأصبح يغازل بشكل فج الصف اليميني المتطرف باتخاذه للمهاجرين والمسلمين كهدف لقراراته المتعجرفة.
لقد أصبح العرب والمسلمون رسميا ورقة انتخابية في فرنسا، وذلك على بعد سبعة أشهر من الانتخابات الرئاسية، لتتحول ما تُعرف ب”قلعة الأنوار” إلى قلعة عنصرية، حيث كل مرشح يسعى لإرضاء جمهور اليمين المتطرف، الذي يعتبر العرب والمسلمين أصل أزمات فرنسا. والحقيقة أن فرنسا ضعيفة بنخبها السياسية أولا، وضعيفة أيضا بنخبها الفكرية التي لم يعد صوتها مسموعا ورأيها مؤثرا، فاسحة المجال لنوع من “المثقفين” اليمينيين الذين تحولوا إلى نجوم. وعلى رأس هؤلاء إريك زمور، والذي حقق كتابه الأخير رقما قياسا من حيث المبيعات. كتاب يقطر عنصرية ضد العرب والمسلمين.
هكذا تركت النخبة الفرنسية قضايا كثيرة تهم أساسا موقع بلدهم في المعسكر الغربي، وهزائمه المتتالية في مواقع كثيرة، من قبيل فشله الذريع في حل مشاكل لبنان، هذا البلد الذي تعتبره فرنسا “مزرعة خاصة”، وأيضا في ليبيا ومالي. وتناست أيضا طعنة صفقة الغواصات، لتتفرغ لمناقشة موضوع واحد هو كيفية التعامل مع المهاجرين، وخاصة ذوي الأصول العربية والمسلمة. وفي هذا “تنافس المتنافسون”، بين من يقترح إصدار قانون يمنع الأسماء العربية المنتشرة في الأوساط العربية، من قبيل اسم “محمد”، وهذا اقتراح دافع عنه بقوة إريك زمور، ومن يقترح فرض عقوبات على الدول المصدرة للمهاجرين في حالة عدم موافقتها على استرداد مواطنيها.
ساكن “الإليزيه”، إيمانويل ماكرون، لم يجد في خضم هذه الحمى العنصرية إلا أن يركب الموجة اليمينية، بدل التشبث بقيم الإنسانية التي يتشدق بها. إذ التقط فكرة قالتها ماري لوبين في جولة لها مؤخرا، وطبقها حرفيا لعله يقنع الناخبين بأنه أكثر يمينية من اليمين نفسه، وهي تقليص التأشيرات الممنوحة للمواطنين المغاربيين إلى النصف، ومنهم المواطنون المغاربة.
ماكرون، البنكي الذي فضل أن يتخلى عن لغة الأرقام المالية، لصالح ولاية رئاسية ثانية، يعلم جيدا الفائدة الاقتصادية الكبيرة التي يقدمها المهاجرون لبلده. إذ يكفي أن نذكر هنا أن حجم الأموال التي يضخها الطلبة الأجانب في الاقتصاد الفرنسي، قصد التسجيل والدراسة في المدارس الفرنسية، يتجاوز 3 ملايير دولار سنويا.
ولنعرف حجم الانحدار الذي وصلته فرنسا في عهد ماكرون، ينبغي أن نقارن شطحاته الكثيرة التي ينافس فيها اليمين على شوفينيته بسلفه الراحل جاك شيراك. ففي انتخابات 2002، وضع شيراك مسافة واضحة مع اليمين المتطرف عندما تم تسجيل تقدم لهذا الأخير، حيث دعا الفرنسيين إلى مناصرته من أجل صون الديمقراطية ومن أجل الوفاء “لكل ميراث فرنسا الحضاري في مجال حقوق الإنسان والمساواة”.
كان هذا رد شيراك على فكرة مركزية بنى عليها جون ماري لوبين حملته وهي أن “سياسة الهجرة الفرنسية تتسم بالفوضوية، وأنه من غير المقبول، أن تواصل فرنسا استقبال مهاجرين لمجرد أنهم فارون من ظروف مزرية في بلدانهم الأصلية”.
ستمر عشرين سنة على هذا الحدث لتجد فرنسا نفسها أمام مرشحين يصطف أغلبهم في اليمين، حتى أن تقارير صحفية ذات مصداقية تتحدث عن أن مارين لوبين تقود أسوأ حملة انتخابية على الإطلاق، لكون كل أوراقها المعتادة، وعلى رأسها الهجرة والمهاجرون، قد أصبحت في أيادي لاعبين آخرين لا يقلون قوة، وعلى رأسهم ماكرون نفسه. فما كانت تحتكره لوبين لوحدها، وتعول عليه كثيرا لحسم التنافس الانتخابي، أضحى مشتركا بين كثيرين. فالكل يريد أن يكون أكثر يمينية من الآخر.
لذلك لم يخجل الناطق باسم الحكومة وهو يدافع عن قرار تشديد شروط منح تأشيرات الدخول إلى مواطني المغرب والجزائر وتونس، وقال حرفيا: “لا نريدهم ولا يمكننا إبقاؤهم في فرنسا”.
كلام كهذا ألفنا أن نسمعه من اليمين المتطرف منذ عقود، لكن أن يصدر من الحكومة، فهو أمر صادم، يعكس مستوى الانحدار الذي بلغته فرنسا. إذ في اليوم نفسه الذي أصدر فيه الإليزيه قرار تقليص عدد التأشيرات الممنوحة للمغرب والجزائر إلى النصف وتونس إلى الثلث، أصدر حزب مارين لوبين مذكرة تدعو لإجراء استفتاء حو الهجرة.
والحقيقة أن مستوى انحدار الإدارة الفرنسية في عهد “ماكرون” بدا واضحا عندما ساند قبل سنتين عشرات الرسوم المسيئة للإسلام ورموزه، حيث لم يتجرأ أي رئيس فرنسي على استعداء أكثر من مليار ونصف مليار مسلم بهذا الشكل الفج والعنيف والصادم، مثلما فعل هو، عندما أعلن أن بلاده لن تتخلى عن “الرسوم الكاريكاتورية” المسيئة والمنشورة على واجهات المباني بعدة مدن فرنسية بينها تولوز ومونبولييه، التي يقيم فيها عدد كبير من المسلمين خاصة من الدول المغاربية.
ماكرون الذي وصل للإليزيه على أكتاف العرب والمسلمين، عندما وصف مارين لوبين ب”كاهنة الخوف الكبرى”، منتقدا خطابها العدائي ضد المسلمين والمهاجرين، هو نفسه ماكرون، الذي يتقمص نفس دور “كاهنة الخوف” في معاداته للإسلام والمسلمين، ورغبته في خوض حرب ضد ما وصفه بـ”الانفصالية الإسلامية”. والغريب هو أن الكاتب اليميني إريك زامور وصف في الأسبوع نفسه الذي صدر فيه القرار الفرنسي المهاجرين بأنهم “مجرد تجار مخدرات وسارقي سيارات وزوار سجون”، محذرا من أن يحول المهاجرون فرنسا إلى لبنان أوروبية.
أزمة فرنسا ليست أزمة مهاجرين أبدا، إنما هي أزمة الغرب ككل وهو يعيد ترتيب بيته الداخلي استعدادا لمواجهة قوة التنين الصيني المتعاظمة. فالغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أصبح على يقين بأن المواجهة العسكرية مع الصين حتمية، وأن هذه المواجهة ممنوعة على ذوي “القلوب الضعيفة”، لذلك قررت أستراليا التراجع عن صفقة الغواصات التي تقدر بعشرات الملايير من الدولارات، لأن الغواصات الفرنسية تقليدية، لكونها تعمل بالبنزين، وفضلت الغواصات الأمريكية التي تعمل بالطاقة النووية. فالمواجهة مع الصين لن تكون تقليدية أبدا.
ففي خضم الصراع بين العملاقين الأمريكي والصيني تبدو فرنسا قزما حقيقيا. لذلك لم يجد ماكرون إلا أن يدعو الأوروبيين إلى “التخلي عن السذاجة أمام استراتيجيات واشنطن الجديدة”، بل وصرح بأن فرنسا تنوي الانسحاب من حلف الناتو. هكذا وجدت فرنسا نفسها فأرا في المعسكر الغربي، لكنها تسعى لتعويض هذه القزمية بلعب دور الأسد في ملف المهاجرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى