الافتتاحية

قصة نجاح دبلوماسي واستخباراتي

بين دخول بن بطوش متسترا إلى إسبانيا ووقوفه أمام القضاء الإسباني مثل أي مجرم وخروجه هاربا ذليلا دون أن يتمم علاجه، حدث نزيف كبير في شرايين العلاقات الدبلوماسية بين الرباط ومدريد. وليس هناك أي مؤشر على وقف النزيف مادام أن الجانب الإسباني مصر على توجيه الطعنات إلى ظهر شريك قدم له لعقود خدمات أمنية واقتصادية واستثمارية كبرى دون أن يحصل على الاحترام والتقدير اللازمين كشريك استراتيجي.
في قضية بن بطوش إسبانيا هي من فرضت معركة دبلوماسية على المغرب، فبلدنا لم يختر المواجهة بل فرضت عليه فرضا، وكان من واجب الدولة المغربية باسم الدفاع الشرعي عن تاريخ وهوية بلد عريق، وما تقتضيه مبادئ حسن الجوار، أن ترد بالمثل على الاستفزازات الإسبانية غير المفهومة.
وبالقدر الذي كانت فيه الضربة موجعة والطعنة حادة ومفاجئة من جار نتقاسم معه الكثير، بقدر ما كان الرد مدروسا بعناية فائقة ومتناسبا مع ما يتطلبه سياق الأحداث.
فلا أحد، حتى خصوم المغرب، يستطيع أن ينكر أن المؤسسات الاستخباراتية والدبلوماسية المغربية وضعتا نظيراتها الإسبانية في الزاوية الضيقة، مرة عندما فجرت معطيات دخول مجرم حرب أراضيها بهوية مزورة وتارة بعد السماح له بالفرار بجلده إلى ولي نعمته بالجزائر، قبل أن تكبر كرة الثلج وينقلب السحر على الساحر.
وبين هاتين المحطتين وجدت سلطات مدريد نفسها في مأزق دبلوماسي وسياسي حقيقي لا تحسد عليه، ودفعها وضعها الهش تارة للبحث عن تبريرات واهية للخروج من الحرج بأقل الأضرار الدبلوماسية الممكنة، وتارة أخرى بخلق مواضيع مصطنعة والاختباء وراء الاتحاد الأوربي للتهرب من جوهر المشكل الحقيقي.
فلم تكن السلطات الإسبانية، ذات الرصيد التاريخي في الاستعمار، في يوم من الأيام تتوقع أن تجد نفسها في موقف محرج للغاية، تحاول الخروج منه بتصرفات بهلوانية مثيرة للشفقة، وبدا واضحا أن الأحداث المتتالية تتجاوز الآلة الدبلوماسية الإسبانية التي اكتفت بدور الدفاع بسبب ضعف مركزها في هاته الأزمة الحادة.
ولكي نلمس قصة النجاح الدبلوماسي، فما علينا سوى العودة للقصة من البداية، فبعد ضرب السلطات الإسبانية طوقا من السرية على صفقة دخول بن بطوش إلى أراضيها، في خرق تام لقانونها الوطني، بعد افتضاح أمرها من طرف المخابرات المغربية بداية الأمر، سارعت إلى الاعتراف بوجود المجرم غالي بأحد مستشفياتها. بعد ذلك، نجحت الضغوط الدبلوماسية معززة بمعطيات استخباراتية دقيقة في دفع إسبانيا إلى الاعتراف بتغيير اسم إبراهيم غالي في المستشفى لأسباب أمنية، وبعدما كانت سلطات مدريد ترفض إحالة بن بطوش على القضاء رضخت تحت الضغط وقبلت إحالة زعيم الانفصاليين على القضاء كأي زعيم عصابة، بعدما كان بن بطوش يتوهم أنه رئيس جمهورية الوهم. صحيح أن قرارات القضاء كانت مخيبة للآمال، لكن الاستماع لابن بطوش لثلاث ساعات من قاضي مدريد تعد في حد ذاتها صورة من صور قصة النجاح الدبلوماسي الاستخباراتي المغربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى