
يونس جنوحي
من بين القضايا التي وثق لها توماس ماكافوي، في أرشيفه، عن استقلال المغرب باعتباره «بلدا فتيا»، مسألة محو الأمية.
صحيح أن هذا المصور لم يكتب أي مقال بهذا الخصوص، لكنه ترك، في أرشيف مجلة «لايف» الأمريكية، ثلاث صور توثق لمشروع محو الأمية الذي كان الملك الراحل محمد الخامس أطلقه خلال الأشهر الأولى، بل الأسابيع الأولى، لاستقلال البلاد.

في الثاني من مارس 1956، جرى التوقيع رسميا على استقلال المغرب بين وفدين يمثلان المغرب وفرنسا، لتصبح الرباط مستقلة فعليا عن باريس.
كان توماس ماكافوي مقيما فعليا في الرباط خلال هذه الفترة. وفي أحد الصباحات توجه إلى القصر الملكي في الرباط، كعادته، ووجد لقاء مبرمجا بين الملك الراحل محمد الخامس ولجنة حكومية. وحسب أرشيف السفارة الأمريكية في الرباط، فإن المغرب خلال فترة حكم الملك الراحل محمد الخامس، أي قبل فبراير سنة 1961، استفاد فعليا من برنامج دولي لتمويل مشاريع محو الأمية.
اعتاد ماكافوي دائما أن يكتب بالصورة بدل الكلمة. ومن خلال الأرشيف البصري، الذي وثق به لهذه المرحلة، يتضح أن الملك الراحل محمد الخامس كان يشرف شخصيا على مشروع محو الأمية، وأن خبراء أجانب وضعوا تجربتهم رهن إشارة الملك شخصيا للإشراف على المشروع. وأظهرت إحدى الصور الملك محمد الخامس وهو يطالع ملصقا إشهاريا يدعو إلى محاربة الأمية، تتوسطه صورة للسلطان، وتعلوه عبارة «محو الأمية»، باللغة العربية وليس الفرنسية، وهو ما يكشف أن المشروع كان موجها للفئات الهشة، ويهدف إلى تعميم اللغة العربية لدى فئات المجتمع المغربي التي تعاني من استفحال الأمية.
في أرشيف الاتفاقيات الدولية، التي وقع عليها المغرب، يتضح أن «محاربة الأمية» كانت من بين الاتفاقيات التي انخرط فيها المغرب.. لكن المشروع، الذي وثق له ماكافوي، كان سابقا لعدد من الاتفاقيات التي وقع عليها المغرب لاحقا، وهو ما يعني أن الإرادة الوطنية كانت وراء هذا المشروع الأول بعد استقلال البلاد، سيما مع استحضار الظرفية الدقيقة التي كانت تمر بها البلاد في ذلك الوقت، (بداية سنة 1956).
المُلاحظ، أيضا، أن اللجنة المكلفة بالمشروع كانت تنتظر رأي الملك الراحل محمد الخامس بخصوص الملصق الدعائي لحملة محو الأمية.. وهذا ما يعني أن عملا دؤوبا سبق اللحظات التي وثق لها ماكافوي بعدسته، وأن مشروع محاربة الأمية في صفوف المغاربة حديثي العهد باستقلال بلادهم، كان أول ورش وطني فعلي انخرط فيه الملك الراحل محمد الخامس شخصيا، قبل الحكومة.
تبقى الإشارة ضرورية إلى أن الشخصيات الأجنبية الظاهرة في الصور التوثيقية لهذا المشروع، حظيت، في التاريخ نفسه، باستقبال ملكي، وجمعتها صور مع الملك الراحل محمد الخامس داخل القصر الملكي، في التاريخ ذاته الذي يوثق لصور تفحص الملصق.





