شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

مساعدات “لا إنسانية”

يونس جنوحي

 

بعد حُكم دام 14 سنة، يوما بيوم، انتهى حُكم “بونغو” في الغابون، بانقلاب عسكري في عز شهر غشت. وأول أمس الثلاثاء، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية رسميا تعليق كل مساعداتها للغابون.

البلاغ الصادر عن الخارجية الأمريكية أعلن أن واشنطن قررت قطع جميع مساعداتها للغابون بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس علي بونغو أونديمبا.

لكن الولايات المتحدة أبقت على خيط رفيع في العلاقة مع الغابون، وأعلنت أنها مستعدة لتغيير موقفها إذا تحقق تقدم “ديموقراطي” في البلاد.

المتابعون للشأن السياسي في الغابون لم يُفاجؤوا بالخطوة الأمريكية. فقد كانت علاماتها ظاهرة منذ منتصف شتنبر عندما قلصت الولايات المتحدة من حجم المساعدات، وتوقعوا وقتها أن يتم تجميد المساعدات مع نهاية العام الجاري، في حال استمر الوضع السياسي على ما هو عليه.

لكن واشنطن فاجأت الجميع بإعلان قطع جميع المساعدات بكل أنواعها أمس الاثنين، في خطوة رأى محللون أمريكيون متخصصون في الشأن الأمريكي أنها منطقية وتحاكي التوجه الأمريكي في تعامله مع الانقلابات العسكرية.

إذا أراد الغابونيون أن تفتح الولايات المتحدة باب المساعدات الإنسانية من جديد، عليهم أن يدخلوا “نفق” مرحلة انتقالية، يُعلن فيها عن تأسيس حكومة جديدة والتوجه نحو إقامة نظام ديموقراطي في البلاد.

مؤسف فعلا ما وصلت إليه الغابون، الدولة الإفريقية الغنية بالموارد الطبيعية وعلى رأسها النفط.

كل من سمعوا أو قرؤوا بلاغ الخارجية الأمريكية، بخصوص تجميد المساعدات، قد يظنون أن الغابون تتلقى أطنانا من المساعدات الإنسانية، فيما الحقيقة أن هذه الدولة، المنكوبة سياسيا، لا تتلقى سوى نسبة ضئيلة جدا من المساعدات التي تخصصها الولايات المتحدة إجمالا للقارة الإفريقية. وهناك دول إفريقية غيرها تحصل على أضعاف ما حصلت عليه الغابون خلال السنوات الأخيرة، وتعرف هي الأخرى خروقات سياسية، بل وهناك نشطاء أفارقة يقيمون في الولايات المتحدة، نددوا بما يقع في بلدانهم، لكن واشنطن لم تر في تحذيراتهم ما يُثير اهتمامها بتلك القضايا التي تتعلق في أغلبها بحقوق الإنسان وحرية التعبير. واستمرت الإدارة الأمريكية في صرف المساعدات.

ما يحدث في الغابون يستدعي فعلا تدخل منظمات حقوق الإنسان للحفاظ على حياة معارضي الانقلاب. إذ رغم أن الطريقة التي فاز بها الرئيس المخلوع، في الانتخابات الأخيرة، تحوم حولها شبهات كثيرة، ووجهت له على إثرها اتهامات بالسعي نحو توريث الحكم والاستحواذ على موارد الدولة، من بينها البترول، والهيمنة على اقتصاد البلاد، إلا أن هناك أصواتا، من داخل الغابون، نددت بالانقلاب العسكري على الرئيس، ودعت إلى إقامة حل سياسي وتنظيم انتخابات رئاسية وانسحاب الجيش من الحياة السياسية.

الرئيس الغابوني الحالي، الذي ألقى كلمة في مقر الأمم المتحدة في شتنبر الماضي، قال إن انقلاب الجيش يبقى “أهون الشرين”، في إشارة إلى تداعيات ما بعد الانتخابات. إذ إن تجييش الغاضبين في شوارع الغابون، ضد نتائج الانتخابات الأخيرة، قد يؤدي إلى مواجهات دامية بين أنصار الرئيس المخلوع ومعارضيه، مما قد يُدخل البلاد في حمام دم يعيدها خمسين سنة إلى الوراء.

تجميد المساعدات المخصصة للغابون قد يؤثر على الاقتصاد الداخلي، خصوصا وأن بعض القطاعات الحكومية في البلاد تعول أساسا على المساعدات الأمريكية للحفاظ على الأمن الغذائي، في بلد غني بالموارد الطبيعية، لو كانت دول أخرى تملك نصفها لحققت المعجزات.

وحدهم الأمريكيون المنحدرون من الدول الإفريقية يعرفون جيدا الطريقة التي تُمسك بها واشنطن بعصا المساعدات الإنسانية. وابتداء من يوم الاثنين، عليهم في الغرب أن يجدوا اسما آخر لهذه المساعدات، ما دامت تُجمد بهذه الطريقة في انتظار تعيين رئيس جديد للبلاد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى