الرئيسية

موطن المسجد الأقصى

كتاب القدس الحلقة 10

تكتسي مدينة القدس عند المسلمين أهمية قصوى، وتتبوأ منزلة رفيعة كإحدى المدن المقدسة المباركة، ذلك أن القرآن الكريم احتفى بها احتفاء كبيرا، إذ يقول عز وجل:
«سبحان الذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى
الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنهُ هُوَ السمِيعُ الْبَصِيرُ» [سورة الإسراء، الآية: 1].
فالبركة هنا ميزة للمسجدين: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهي تعم ما حولهما، وبناء عليه فإن أهمية ومكانة المسجد الأقصى تكاد تضارع أهمية ومكانة المسجد الحرام، وهو ما يفسر تقديس المسلمين للمدينة ككل، فالمراد بالمسجد الأقصى «هو بيت المقدس الذي هو إيلياء، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل؛ ولهذا جمعوا له (المقصود الرسول صلى الله عليه وسلم) هنالك كلهم، فأمهم في محلتهم، ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين». (تفسير ابن كثير).

بيت المقدس
إن القدس كحيز مكاني كانت شاهدة على إحدى أعظم المعجزات المحمدية، إنها معجزة الإسراء والمعراج التي جاءت لتنير العقل البشري، إذ أسرى الله تعالى بالرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حيث عرج به من الصخرة المقدسة إلى السماوات العلى، وهناك التقى جميع الأنبياء والرسل الذين سبقوه، وأثناء ذلك فرض الله على المسلمين الصلوات الخمس وبيّن للرسول صلى الله عليه وسلم كيفية أدائها.
يذهب أغلب المفسرين إلى أن المقصود بالمسجد الأقصى في سورة «الإسراء»، إنما هو بيت المقدس أو القدس، وتسمية الأقصى جاءت للدلالة على بعد المسافة بين المسجدين. ويرجع تقديس المسلمين لمدينة القدس كذلك إلى كونها كانت مهاد العديد من الأنبياء والقدسيين والصلحاء نظير النبي داود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، وبالتالي فقد كانت فضاء لتنزلات الوحي ومهبطا للملائكة، عدا عن أنها ستكون شاهدة على حشر الناس يوم القيامة.
وفضلا عن هذا وذاك كانت القدس أول قبلة للمسلمين لمدة ناهزت السنة، قال تعالى: «قَدْ نَرَىٰ تَقَلبَ وَجْهِكَ فِي السمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّينكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» [البقرة آية:144]، جاء في صحيح البخاري (399) ومسلم (525) عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صلى نحو بيت المقدس ستة أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله: «قَدْ نَرَىٰ تَقَلبَ وَجْهِكَ فِي السمَاءِ»، فتوجه نحو الكعبة. أما المسجد الأقصى والمسمى ببيت المقدس، وإيلياء، فهو ثاني مسجد وضع في الأرض بعد المسجد الحرام، فقد روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن أول مسجد وضع على الأرض قال: «المسجد الحرام»، قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى»، قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون عاما، ثم الأرض لك مسجد، فحيث أدركتك الصلاة فصل».
إن رحلة الإسراء والمعراج هي في الأساس من بين الأسباب الهامة الداعية إلى تقديس المسجد الأقصى، تلك البقعة الطاهرة التي انتهى إليها فعل الإسراء، ومنها بدأت رحلة المعراج التي انتهت بالمصطفى عليه السلام إلى سدرة المنتهى، إذن فنقطة الوصل بين الرحلتين تشكل معلما مقدسا، فهو جزء من الحرم القدسي، سمي بـ«البراق الشريف» وقد ورد ذكره في الحديث الشريف، ومن ذلك ما رواه مسلم عن أنس عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «أتيت بالبراق فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم عرج بي إلى السماء» (رواه الإمام مسلم). ولعل ما يلفت الانتباه أن الأراضي المجاورة للمسجد الأقصى تدخل في حيز الوقف الإسلامي العام، منذ عهد الأفضل بين صلاح الدين الذي أوقف على المغاربة الحي المعروف بحي المغاربة، وذلك سنة 583هـ، كما بنى لهم مدرسة تسمت باسمه وهي مدرسة الأفضلية.

مسجد قبة الصخرة
فضلا عن المسجد الأقصى المبارك وحائط البراق، تحتضن القدس معلما مقدسا آخر وهو مسجد قبة الصخرة، الذي يذهب المؤرخون إلى أن عبد الملك بن مروان وفر مالا كثيرا لبنائه، فتم له ذلك سنة 691هـ وطلي قبة هذا المسجد وأبوابه الأربعة بالذهب، أما هندسته المعمارية فجمعت بين الطراز العربي والفارسي والبيزنطي، وفي هذا الصدد يعزو بعض المؤرخين حرص الأمويين على تشييد هذا المسجد بتلك المواصفات إلى رغبتهم في تحويل أنظار المسلمين والحجاج إلى القدس، بدلا عن مكة المكرمة والمدينة المنورة الخاضعتين آنذاك لحكم معارضهم عبد الله بن الزبير، وهذا ما يفسر دعوة عبد الملك بن مروان الناس إلى تنظيم مواكب دينية حول القبة نظير الطواف بالكعبة أثناء الحج. أما المسجد الأقصى الواقع جنوب مسجد قبة الصخرة، فقد بدأ عبد الملك بناءه سنة 693م/37هـ، وتم الانتهاء منه في عهد ابنه الوليد سنة 706م/96هـ، ويستنتج من بعض تفاسير الأئمة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سبق إيراده أن هذا المسجد بناه أول مرة سيدنا إبراهيم الخليل، بعد أربعين عاما من بنائه الكعبة.
لقد أسهبت كتب الحديث والمرويات في ذكر محاسن وفضائل القدس عامة والمسجد الأقصى خاصة، ومن أشهر الأحاديث النبوية التي يستشهد بها في هذا الباب، قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى»، (رواه البخاري ومسلم). وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثا: حكما يصادف بحكمة، ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد الصلاة فيه، إلا خرج من ذنوبه ليوم ولدته أمه (…) أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة». أما فضل الصلاة في المسجد الأقصى فيثبته حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي روته مولاته ميمونة، إذ قالت: «يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس قال: «أرض المحضر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، قالت: أرأيت إن لم أستطع أن أحمل إليه قال: فتهدي له زيتا يسرج فيه، فمن فعل ذلك كمن أتاه»، (رواه أحمد وأبو داود).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى