الرأي

مُهاجرون في كل مكان

يونس جنوحي

 

في الوقت الذي كان فيه الناس يستعدون لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في جو غائم وممطر، كان عشرة أشخاص يستعدون لإلقاء تقرير «قنبلة» بشأن تداعيات الهجرة في شمال إفريقيا. إذ إن يوم الجمعة الماضي عرف رفع مجموعة من الشباب لتقرير تم الاشتغال عليه منذ سنة 2012، ورصد حركة الهجرة غير النظامية لمئات آلاف النازحين من دول شهدت انفلاتا أمنيا وركودا اقتصاديا، إما بسبب الحرب، كما في سوريا وليبيا، أو بسبب المشاكل الاقتصادية مثل دول جنوب الصحراء.

هذا التقرير تناول نماذج عاش معها هؤلاء الشباب المنتمون إلى خمس منظمات غير حكومية متعددة الجنسيات. حيث مولت هذه المنظمات إعداد التقرير على مدى ثماني سنوات قضاها هؤلاء الشباب من الولايات المتحدة وبريطانيا، متنقلين بين مناطق النزاع، أو في عواصم حول العالم استقبلوا فيها اللاجئين الذين نجحوا في الوصول إلى القارة الأوروبية، وأجروا مقابلات مطولة معهم وحصلوا منهم على معلومات عن طريقة وصولهم إلى القارة العجوز والأسباب الحقيقية وراء مغامرتهم، وركزوا في شق مهم من التقرير على حالات النزوح العائلي الجماعي، أي الحالات التي قطع فيها الزوج والزوجة والأبناء آلاف الكيلومترات للوصول إلى أوروبا، بعد عبور المغرب أو ليبيا إلى البحر الأبيض المتوسط، ومنه إلى إسبانيا أو إيطاليا.

هذا التقرير الذي سوف تكشف كل مضامينه كما هو متوقع في يناير المقبل، وعد بنقل قصص مئات الآلاف الذين نزحوا من كل مكان خلال السنوات الأخيرة، سواء في عز أزمة الربيع العربي أو أثناء تداعياتها، وكشف الطرق التي لجأ إليها مرشحون من مختلف الجنسيات، حيث قطعوا آلاف الكيلومترات ومروا من أراض تعرف توترات عسكرية أو تشتعل فيها حروب العصابات، ونجحوا في العبور إلى أوروبا.

بعض الدول الأوروبية قلصت من التأشيرات التي مُنحت للمغاربة بشكل نظامي، مثل فرنسا وألمانيا، وهو القرار الذي وُصف بغير المفهوم، حيث مورس إقصاء كبير على المغاربة، وحد من حرية تنقلهم، رغم توفر الضمانات للراغبين المغاربة في الحصول على التأشيرة إلى ألمانيا وفرنسا. علما أن المغاربة كانوا دائما من أوائل الجنسيات التي تحصل على تأشيرات قصيرة لزيارة العائلة في أوروبا، أو لقضاء العطل. وهذا الإقصاء الذي تعرض له المغاربة أعاد من جديد محاولات الهجرة السرية، بعد تقليص الدولتين المذكورتين للتأشيرات السنوية الممنوحة للمغاربة. في مقابل استقبال ألمانيا مثلا لأعداد هائلة من النازحين من سوريا، ومن دول أخرى طالما اعتبرت المغرب بلد عبور نحو أوروبا.

هذا التقرير من شأنه أن يظهر مدى فداحة القرار الأخير لفرنسا وألمانيا، بخصوص تقليص التأشيرات الممنوحة للمواطنين المغاربة. إذ إنه لا معنى أبدا لخفض أعداد مواطني بلد يعبر من خلاله آلاف المرشحين للهجرة غير النظامية، والذين يصلون إلى أوروبا بدون جوازات سفر، ورغم ذلك يتم استقبالهم. علما أن جل المنظمات الدولية التي تعمل في مجال المهاجرين غير النظاميين، تثني في تقاريرها على جهود المغرب، وتتطرق إلى واقع اندماج آلاف المهاجرين من دول جنوب الصحراء واستقرارهم في المغرب، وتخليهم عن مواصلة الهجرة نحو أوروبا.

ما وقع من أحداث طيلة السنوات العشر الأخيرة، كشف إلى أي حد يمكن للإنسان التمرد على الحدود وعدم الاعتراف بها. السير على الأقدام لآلاف الكيلومترات للوصول إلى البحر المتوسط وعبوره سباحة، كلها خطوات في مغامرة لا تعترف لا بوزارات الخارجية ولا قرارات منح أو حجب التأشيرة. الإنسان قضى ملايين السنوات في التنقل فوق الأرض، ولا يمكن لوزارة يرفرف فوقها علم الاتحاد الأوروبي أن توقف هذا الزحف. وهذا ما أثبتته الأيام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى