الرئيسيةبانوراما

هكذا نجت إفريقيا من الوباء

مخاوف أممية بعد رفع القيود الصارمة بالقارة السمراء

سهيلة التاور
بعد شهور من انتشار فيروس كورونا انطلاقا من مدينة ووهان، استطاعت القارة الإفريقية أن تثبت للعالم نجاحها في التعامل مع هذا الوباء. فقد كانت هناك مخاوف عالمية من أن تحصد الجائحة أرواحا بالآلاف في القارة السمراء، وأوربا وأمريكا ستنجوان، في حين حصل العكس تماما. وهذا راجع لعوامل عديدة، إلا أن البعض يرجع ذلك إلى الفقر ونمط العيش. لكن منظمة الصحة العالمية ترى أن إفريقيا لم تتجاوز الأزمة بعد، وتدق ناقوس الخطر بعد رفع القيود الصارمة التي فرضتها الدول الإفريقية على مواطنيها، منذ بداية الوباء.

وصل فيروس كورونا إلى القارة الإفريقية متأخرا عن أوربا وآسيا وأمريكا، مما منح فرصة أمام الدول الإفريقية لاتباع استراتيجية استباقية من خلال اتخاذ بعض التدابير الاحترازية، للحد من انتشار الفيروس القادم من الخارج. واشتملت هذه التدابير على مجموعة من الإجراءات طبقتها كل الدول الإفريقية تقريبا بشكل جزئي أو كلي. وتمثلت أبرز تلك الإجراءات في: فحص القادمين من الدول المصابة، واحتجازهم لحين مرور فترة حضانة الفيروس، ومنع التجمعات، وإغلاق الحدود، وتعطيل الدراسة بالمدارس والجامعات، ووقف رحلات الطيران، بالإضافة إلى مجموعة من الإجراءات الاقتصادية لتخفيف أثر هذه الأزمة على المواطنين وأصحاب الأعمال، فضلا عن الاهتمام بالتوعية الصحية المقدمة للجمهور لتجنب الإصابة بالفيروس، وتوفير وسائل تواصل إلكترونية لتقديم المعلومات الصحيحة والخدمات، وفتح مراكز للحجر الصحي للحالات المشتبه فيها.
وقامت عدد من الدول الإفريقية بإجلاء مواطنيها من مدينة ووهان الصينية كأول إجراء، وبعد ذلك عملت مجموعة من الدول على إغلاق مجالها الجوي ووقف الرحلات الجوية، محاولة منها لحصر الفيروس، لتعيد فتحه في ما بعد لرحلات استثنائية.

الخبرة من أوبئة سابقة
رغم أن بلدان إفريقيا لا تملك منظومة صحية قوية ومجهزة، فإنها أبلت بلاء حسنا حتى اللحظة أمام جائحة فيروس كورونا التي يواجهها العالم، وسجلت معدلات وفيات وإصابات منخفضة للغاية، وهو ما يحير العديد من المراقبين.
يعود الفضل بالأساس إلى الاستجابة السريعة للدول الإفريقية في التعامل مع الوباء؛ إذ يقول الدكتور ماتشيديسو مويتي، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بإفريقيا، إن الحكومات الإفريقية اتخذت مبكرا إجراءات صارمة، على الرغم من تكلفتها العالية على المجتمعات والاقتصادات، وكان المواطنون الأفارقة مستعدين للامتثال لبعض الإجراءات التي كانت صعبة للغاية، كل ذلك ساهم في إبطاء تفشي الفيروس، وذلك لتمتع البلدان في جميع أنحاء غرب ووسط إفريقيا بخبرة واسعة في التعامل مع وباء «الإيبولا» في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى خبرتها في إدارة الأمراض المتوطنة مثل الملاريا، والتهاب السحايا، والحمى الصفراء. وربما أعطتها هذه الخبرة كفاءة في مواجهة الأوبئة الجديدة أكثر من العديد من البلدان الغنية.
ولا يشيع التدخين والسمنة بين مواطنيها، وهما عاملا خطر مهمين، وربما يكون هناك دور للمناخ الدافئ في كبح انتقال العدوى، ولكن هذا يبدو ثانويا في أحسن الأحوال، عندما يأخذ المرء في الاعتبار الانتشار السريع للفيروس في بلد استوائي مثل البرازيل.

قارة شابة
تتميز القارة الإفريقية بديموغرافية شابة، حيث قال الصحفي نيكولا بوانكري في مداخلة على Apolline»
«matin، إن متوسط العمر فيها هو 20 عاما وبالنسبة إلى دول أخرى عبر العالم فهو 30 سنة، أما في أوربا فيقدر بـ42 سنة، حيث تأثر المسنون بشكل خاص. فعلى سبيل المثال، في نيجيريا متوسط العمر هو 15 سنة، أما في موناكو فهو 51 سنة، مما يعني أن الشخص يعتبر شابا في موناكو لو كان عمره 51 سنة. على النقيض من ذلك، ففي إفريقيا الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 60 سنة يمثلون 3 في المائة فقط من السكان، في حين في أوربا يمثلون 20 في المائة. ما يمكن أن يفسر جانبا من اللغز، إذا علمنا أن كبار السن المصابين بالفيروس التاجي، معرضون بشكل كبير للخطر كما تشير البيانات.
ورغم ذلك، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن إفريقيا لم تتجاوز الأزمة بعد، مشددة على ضرورة «فحص أكبر عدد ممكن من الناس، ورصد حالات الإصابات وعزلها، وتتبع المخالطين وفحصهم». واعتبرت أن اتباع هذه التوجيهات سيحسن من فرص احتواء الوباء بشكل كبير. في المقابل، بدأت دول إفريقية عدة في تخفيف إجراءات الحجر، نظرا إلى التداعيات الاقتصادية الثقيلة لتدابير الإغلاق على الدول. ومن الضروري أن توازن الدول بين السماح لمواطنيها بتأمين احتياجاتهم الاقتصادية من جهة، ومواصلة تطبيق تدابير الوقاية والتباعد الاجتماعي من جهة أخرى.

طريقة العيش
قال نيكولا بوانكاري، وفقا لمنظمة الصحة العالمية، إن طريقة العيش التي يعتمدها سكان القارة الإفريقية تساهم بشكر كبير في النجاة من الوباء، حيث إن سكان إفريقيا لا يسافرون كثيرا وبالتالي يتجنبون المخالطة، وذلك راجع إلى كون نسبة الفقر عالية في هذه القارة. كما أن السكان يعيشون غالبا في منازل دون أسقف أو في الخلاء، أو حتى لو امتلكوا منازل فهم يخرجون كثيرا إلى الهواء الطلق، وهذا يعتبر جيدا للوقاية من الوباء، حيث إنه أثبتت الدراسات أنه في الأماكن المغلقة تزيد نسبة الإصابة به. بالإضافة إلى أنه في إفريقيا، الشيوخ يلزمون منازهم، حيث إنه لا توجد أماكن مخصصة لهم للتجمع، كما هو الحال في الدول الأوربية.

أسباب جينية
أفادت دراسة علمية حديثة قام بها باحث ألماني وآخر سويدي بأن حمضا نوويا مرتبطا بمرض «كوفيد- 19»، قد وصلنا عبر تمريره من إنسان «نياندرتال» البدائي، قبل 60 ألف عام، بحيث وجدت الدراسة التي أجراها باحثون من معهد كارولنسكا في السويد، أن قطعة «الجينوم» الممتدة على 6 جينات من الكروموسوم 3، قد مرت برحلة «محيرة» عبر التاريخ البشري، ويحمل 63 في المائة من سكان بنغلاديش نسخة منها، بينما ورث ثلث سكان جنوب آسيا هذا الجزء. وفي مناطق أخرى من العالم، يحمل 8 في المائة من الأوربيين هذا الجزء، بينما تصل النسبة إلى 4 في المائة بشرق آسيا، وتختفي تماما في إفريقيا.
وتؤيد هذه النظرية نتائج دراسة حديثة أجرتها وكالة الصحة العامة في إنجلترا، والتي وجدت أن الأشخاص من بنغلاديش الذين تم نقلهم إلى المستشفى في بريطانيا بسبب إصابتهم بكورونا، كانوا أكثر عرضة بمقدار الضعف للوفاة من باقي السكان. ويمكن أيضا ربط نظرية العالمين بابو وزبورغ، بمعدل الوفيات المنخفض في إفريقيا.
واكتُشِفَ أن في أجسام الأشخاص الذين احتاجوا إلى دخول المستشفى عند إصابتهم بكورونا، أثر لحمض نووي موجود على الكروموسوم 3. وأوضح العالم هوغو زبورغ أن «الأشخاص الذين ورثوا هذا الجين وأصيبوا بفيروس كورونا، هم أكثر عرضة للحاجة إلى جهاز التنفس الصناعي بثلاث مرات من الأشخاص الذين لا يحملون هذا الجين».

إنجازات في تطويق الوباء
استطاعت مجموعة من البلدان الإفريقية بجنوب الصحراء، البالغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، أن تحقق مجموعة من الإنجازات في تطويق الوباء.
السينغال واحدة من هذه الدول، حيث وضعت خطتها للسيطرة على تفشي فيروس كورونا، منذ أول إنذار دولي للوباء في يناير 2020، فأغلقت الحدود وبدأت خطة شاملة للتتبع، وعرضت الخدمة الصحية المجانية أمام أي شخص مصاب في مراكزها الاستشفائية. وهي الآن تطور أداة للكشف السريع عن الإصابة بمرض «كوفيد- 19»، بسعر لا يتجاوز دولارا واحدا لكل مريض وفي ظرف 10 دقائق.
ونتيجة لذلك، فإن السينغال التي يبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة، لا تتجاوز الإصابات النشطة لديها 1679 حالة، حسب «جامعة هوبكنز»، ولم تشهد سوى 49 حالة وفاة إلى اللحظة، حتى إن مسؤولي الحكومة قدموا التعازي الشخصية لأسر كل حالة وفاة على حدة.
غانا هي الأخرى، التي يصل عدد سكانها إلى 30 مليون نسمة، سجلت 48 وفاة فقط من جراء الفيروس التاجي. ويرجع ذلك جزئيا إلى النظام واسع النطاق في البحث والاختبار الذي تعتمده، بالإضافة إلى العدد الكبير للعاملين الصحيين المجتمعيين. وبخلاف بلدان العالم ابتكرت غانا تقنيتها الخاصة في الكشف، التي تقوم على «الاختبار الجمعي»؛ إذ يجري اختبار عينة مختلطة تضم عينات دم متعددة، ثم تختبر فرديا إذا عُثر على نتيجة إيجابية، وتدرس منظمة الصحة العالمية مزايا هذا النهج الآن.
وكذلك جنوب إفريقيا التي تعرف حركة تنقل عالمية، استجابت بسرعة للوباء وأعلنت حكومتها حالة «كارثة وطنية»، لتبدأ إغلاقا تاما للبلاد حتى قبل الإبلاغ عن وفاتها الأولى بـ«كوفيد- 19»، وتدشن حملة توعوية بخصوص الفيروس موجهة إلى مواطنيها عبر تطبيق «واتساب»، الشيء الذي حماها من التفشي، وهي الآن تسعى إلى إنتاج 10 آلاف جهاز تنفس اصطناعي بنهاية الشهر الجاري.
ولم تسجل إثيوبيا، رغم عدد سكانها الكبير والذي يبلغ أكثر من 114 مليون نسمة، سوى 32 وفاة بسبب الفيروس حتى اللحظة، مع أنها بخلاف معظم دول العالم لم تنفذ حجرا وطنيا شاملا، بل شجعت الإنتاج والأنشطة الاقتصادية الأخرى على الاستمرار خلال الأزمة، لكن إجراءها المبكر في بدء حملة واسعة للفحوصات والاختبارات التشخيصية، كان حاسما في الحد من تفشي الوباء.
وسجلت في أوغندا منذ ظهور الفيروس وحتى الآن 657 إصابة فقط، وذلك بفضل حيطة حكومتها من تسرب الفيروس، وفرضها قيود المسافة الاجتماعية في الأسواق والأماكن العامة، وحاليا تعمل شركة السيارات «كيرا موتورز» لديها على تصنيع أجهزة تنفس اصطناعية بأسعار ميسرة.
أما رواندا، البلد الإفريقي الأخضر الصاعد، فلم تسجل سوى حالتي وفاة؛ حيث أقدمت على حظر كامل وصارم بالبلاد بعد أول ظهور للوباء. واستخدمت رواندا في مكافحتها للفيروس التاجي طائرات «الدرون»، لتقديم الخدمات الطبية للمجتمعات الريفية في البلاد.

ناقوس الخطر
سجلت دول القارة الإفريقية نحو 200 ألف إصابة و5600 وفاة، بالمقارنة مع أكثر من مليوني إصابة و170 ألف وفاة في أوربا. إلا أن منظمة الصحة العالمية دقت ناقوس الخطر مع تسارع وتيرة الإصابات في القارة السمراء. وقالت ماتشيديسو مويتي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لإفريقيا، «إلى أن نتوصل إلى لقاح فعال، أخشى أننا سنضطر على الأرجح إلى التعايش مع زيادة مضطردة في المنطقة، وسيتعين التعامل مع بعض بؤر الانتشار في عدد من البلدان، كما هو الحال حاليا في جنوب إفريقيا والجزائر والكاميرون على سبيل المثال؛ وهو ما يتطلب فرض إجراءات قوية للغاية تتعلق بالصحة العامة والتباعد الاجتماعي». وتابعت مويتي أن عشر دول تتصدر الجائحة في إفريقيا، حيث تشكل 75 في المائة من إجمالي الإصابات في القارة، وسجلت جنوب إفريقيا وحدها ربع الإصابات. وقالت: «نعتقد أن أعداد الإصابات الخطيرة والوفيات، التي لا يتم رصدها ليست كبيرة». وأضافت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لإفريقيا أن «أحد التحديات الرئيسية في إفريقيا لا يزال يتمثل في توفر الإمدادات، خاصة أدوات الفحص».
وبينما نجحت إفريقيا في الحد من «كارثة صحية» محتملة حذرت منها منظمة الصحة العالمية مع بداية انتشار الوباء، يخشى خبراء الصحة من اتساع الإصابات والوفيات مع تخفيف الدول إجراءات الحجر المفروضة، منذ مارس المنصرم. ويقول ريتشارد ميهيجو، نائب مدير مكافحة تفشي «كوفيد – 19» في منظمة الصحة العالمية بإفريقيا، إن «دولا عدة في القارة الإفريقية ما زالت تشهد منحى تصاعديا للوباء في شهره الثالث، وتسجل ارتفاعا في الإصابات. وبشكل عام، لم تبلغ غالبية الدول ذروة الوباء». وأوضح المسؤول الأممي أن «دولا في جنوب القارة (جنوب إفريقيا خاصة)، وشمالها (مصر، الجزائر والمغرب) تسجل أعلى عدد إصابات. في حين تبقى دول شرق ووسط إفريقيا أقل تأثرا، رغم تسجيل الغابون، والكاميرون، وجمهورية الكونغو الديمقراطية حالات متزايدة». وأكد ميهيجو أن منظمة الصحة العالمية تبقى في «حالة تأهب قصوى» حيال تفشي الوباء في القارة السمراء، لافتا إلى أن الوقت لم يحن بعد لتخفيف إجراءات الوقاية، ودعا الدول إلى الاستمرار في تنفيذ إجراءات الصحة العامة، والتباعد الاجتماعي التي أثبتت فاعليتها عبر العالم.
ورغم التحذيرات الدولية من التداعيات الكارثية المحتملة لتفش أوسع لـ«كوفيد – 19» في دول إفريقيا، فإنها لم تسجل نسب وفيات مرتفعة بالمقارنة مع دول أوربا وأمريكا اللاتينية حتى الآن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى