حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

سلة حبات المانغ المقدسة (2)

يسرا طارق

 

لم يتخرج ماوتسي- تونغ من الجامعة، ولم يعرف الخارج ولم يخالط الدوائر الإدارية، فكره وليد التصاق شديد بالواقع، درس بشكل عصامي على ضوء الشموع الباهت، وبدأ حياته معلما بسيطا في مدرسة «بشانغشا»، وكان يتكلم صينية بنبرة فلاح من هونان. ولأنه قَدِمَ للفكر والعالم السياسي من هامش قاس، عرف فيه الويلات التي تفتك بالشعب الصيني من فقر وجوع وجهل وخنوع واتكال، فإنه عرف أيضا المقدرات الرهيبة الغافية بداخل روح الشعب، والقادرة، إن تم تحريكها وإيقاظها، على اجتراح معجزات. طيلة رحلة من العمل والنضال وشحذ القدرات، سيتحول المعلم البسيط داخل قسم إلى معلم وملهم لشعب عظيم. كان ماو قارئا لا يكل، وحين راكم ما يكفي من معارف، صار فيلسوفا وشاعرا، وبرع في الخط، وكان يقضي شهورا منعزلا ومتأملا، ولعله شكل حالة فريدة لرجل سياسة عرف مبكرا بأن مشاكل الصين الكبيرة لا تمكن مواجهتها إلا بإعمال الفكر، والإنصات للحدس، وعدم الركون لمزايا ما هو قائم، والإقبال الدائم على تنزيل الفكر الثوري بما هو سعي لا يتوقف نحو الكمال.

ارتكزت فلسفة ماو على فكرة صاغها كيو-مو-جو على الشكل التالي: «ينبغي أن يكون الناس مثل أمواج البحر، لا نستطيع التمييز بينهم، وأن يصير بالإمكان، وفي كل لحظة، أن يأخذ بعضهم مكان بعض»، وللقضاء على الطبقات والفئات المغلقة، ينبغي القضاء على التخصص. في صين ماو يمكن للفلاح أن يعلم، وللمعلم أن يحرث الحقل، ولهذا توجد في الجامعات معامل صغيرة، وفي المعامل جامعات ومعاهد صغيرة، في أفق خلق إنسان هو في الآن نفسه عامل وفلاح ومثقف، ولا يمكن فعل ذلك إلا بتحويل المواطن إلى جندي يكرس حياته لخدمة الوطن. كل عمل يؤديه الفرد هو جبهة حرب عليه أن يصمد فيها ليحقق النصر، لن تنبثق الصين الجديدة إلا بسواعد كل الصينيين، حين يتحولون إلى خلية نمل كل فرد يعرف ما عليه أن يؤديه للجماعة وبداخل كل واحد تتحقق «الوحدة الثلاثية» حيث يتلاقى في تناغم المثقف والجندي والبروليتاري. قال أحدهم لآلان بيروفيت: «نحن على استعداد للقتال في كل الجبهات: جبهة الثورة، جبهة الإنتاج، وإن لزم الأمر جبهة الحرب. بالجرافة في اليد يمكننا تقليب الأرض، بالقلم في اليد يمكننا فضح البورجوازية، بالميكرو في اليد يمكننا تثقيف الحشد، بالبندقية في اليد تمكننا حماية الاشتراكية»، غير أن هذا النهج في تحويل الشعب الصيني إلى كتلة واحدة، ورغم منجزاته الباهرة، لم يمنع الصين من إنتاج عبادة الفرد، وتمجيده في كل لحظة ومنحه صفات الألوهية، عظّم كوادر الحزب الشيوعي ماو وعملوا بطريقة منهجية على تحويله إلى صنم. قال أحدهم إن السلاح النووي الفعلي الذي تملكه الصين هو فكر ماو وتعليماته، ولم يعملوا في الواقع إلا على إحياء تقليد الإمبراطور، ابن السماء المعصوم، الذي يهب النور والخير، وتتوجب طاعته وتنفيذ كل ما يأمر به. عرف ماو كيف يستلهم أفكار كونفوشيوس في القيادة، وأن ينأى بنفسه عن النقد، فالرمز لا يهاجم ولا يمس أمام الجماهير، وحتى إن كانت هناك مؤاخذات ينبغي أن تبقى في الدوائر الضيقة للمسؤولين الحزبيين. يحكي آلان بيروفيت حكاية سلة حبات المانغ التي أهداها وفد باكستاني لماو، فأعطاها بدوره لجماعة دعاية لفكره مكونة من عمال وفلاحين من جامعة صينية، أقامت احتفالا للسلة وعرضت أمام الطلبة، وجاءت وفود عمال لرؤيتها، وحين حصلت بعض المعامل على حبة مانغ أقامت هي أيضا احتفالا. نُظمت لقاءات للأساتذة والطلبة للحديث عن بركة حبات المانغ، ونشرت مقالات في الصحف عن السلة، وحاول بعض الفلاحين غرس أشجار المانغ تذكيرا بهدية الزعيم.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى