
على امتداد تاريخ طويل من التوتر في العلاقات بين البلدين، لم تنج سوى مبادرة عاهل المملكة العربية السعودية الراحل فهد بن عبد العزيز (1982-2005)، حيث تمكن من الدفع بالبلدين إلى القبول بـ”مصالحة” عابرة خلال بداية الثمانينات.
نجح العاهل السعودي في الجمع بين الملك الحسن الثاني والرئيس الشاذلي بن جديد في مناسبتين. وعُقد الاجتماع الأول في 26 فبراير 1983 على الحدود بين البلدين.
وسجلت المملكة العربية السعودية دعمها لقضية الصحراء المغربية من خلال وجودها ضمن المشاركين في المسيرة الخضراء حاملين الأعلام الوطنية المغربية، والعلم السعودي وكذا أعلام ممثلي الدول المساندة للخيار السلمي المغربي.
إن تاريخ السادس من نونبر 1975 شكل نقطة تاريخية ومفصلية في تعاطي المغرب مع ملف استكمال وحدته الترابية وفق مقاربة قوامها الواقعية السياسية، وكذا استمرار ثنائية العرش/الشعب في مواجهة الأطروحات الانفصالية والاستعمارية التي استهدفت المملكة المغربية.
إن البيان الذي نشر يوم الخميس 17 أكتوبر 2019 في صحيفة “كل شيء عن الجزائر” الإلكترونية، يدل على تراجع الكثير من الجزائريين وفهمهم للمؤامرة التي تتبناها بلادهم، فليس عمار سعداني هو الوحيد الذي أقر بشكل قاطع بأن الصحراء مغربية لا جدال في الأمر. وذكر حرفيا أنه من المؤسف أن “مبالغ ضخمة قد دفعت، على مدى خمسين عاما تقريبا، لما يسمى بجبهة البوليساريو، وهي مبالغ يسمح بها قادة هذه المنظمة لأنفسهم بالذهاب والتجول في فنادق فاخرة، بدلا من أن تذهب هذه الأموال إلى المناطق التي تحتاجها في الجزائر.
“هؤلاء الناس، ينفقون على الانفصاليين أموالهم ويمكنونهم من الإقامة في فنادق فاخرة، بدلا من إنفاقها في المناطق الجزائرية التي هي بأمس الحاجة إليها”.
وشن عمار سعيداني في ذات حوار آخر، هجوما ناريا على جهاز المخابرات ورئيسه الجنرال محمد مدين المدعو توفيق واتهمه بالتقصير في حماية أمن الجزائر أيام الإرهاب وفي حادثة تيغنتورين ورهبان تيبحيرن، وبالتدخل في شؤون الأحزاب والإعلام ودعاه للرحيل وترك السياسة وعدم التدخل في الشأن السياسي وعمل الأحزاب”.
ما دعا سعداني إلى إعادة فتح الحدود بين الجزائر والمغرب، وإلى إحياء اتحاد المغرب العربي.
ولا شك أن الآراء التي عبر عنها هذا السياسي البارز بصراحة وصدق، تعكس مشاعر غالبية الجزائريين. فهي تجسد رأي شعوب الجوار، الواعية بالأخطاء والظلم الذي تتسم به سياسات قادتها تجاه المغرب، البلد الذي لم يتوان قط عن واجبه في التضامن مع الجزائر ودعمها في أحلك لحظات تاريخها، رغم ضم أجزاء كبيرة من أراض مغربية أصيلة وتاريخية إلى الأراضي الجزائرية. انظر، في هذا الصدد، إلى شهادات الكاتب الروائي الجزائري بوعلام صنصال.
لقد اعتقل صنصال لأنه تحدث عن حدود تاريخية تعود إلى المجال الترابي للمغرب. واليوم، وفي ذروة النقاش الدولي حول سيادة المغرب على الصحراء، يصبح الإفراج عنه اختبارًا جديدًا للجزائر التي تواصل نهج قمع الخطاب الداخلي، وتتجه نحو براغماتية أكبر في تعاملها مع المجتمع الدولي.
وأكد الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال أن سجنه في الجزائر كان مرتبطا بموقف فرنسا من الصحراء المغربية، وذلك في تصريحات إعلامية أدلى بها، وهي الأولى له منذ إطلاق سراحه.
ليس سعداني ولا صنصال ولا غيرهما من القادة والمفكرين الجزائرييين الذين غضب عنهم النظام الجزائري بسبب جهرهم بالحقائق. بل هناك العديد من الأسماء التي اضطرت لمغادرة البلاد كي تتنفس هواء الحرية وتدلي بآرائها بعيدا عن أجواء القمع والرعب.





