
يونس جنوحي
المناظر الطبيعية في ورزازات، التي تأتي بالمخرجين السينمائيين العالميين ليشتغلوا في المغرب، صارت رسميا محط تهديد.
الذكاء الاصطناعي أصبح قادرا على توليد مشاهد من ورزازات، والثمن بالدولار. وبما أن هذا الأخير ليس مشكلة لدى مُنتجي «هوليوود»، فإن المخرجين يلجؤون حاليا إلى الذكاء الاصطناعي لتوليد مشاهد دون الحاجة إلى تخصيص ميزانيات لعبور المحيط الأطلسي والوصول إلى ورزازات.
طرحت الشركات المنافسة برامج تتيح توليد المشاهد والمناظر الطبيعية. وبحسب ما نشرته منصة تابعة لـ«إمباير» البريطانية، المجلة العريقة في الصناعة السينمائية، فإن أضخم شركات الإنتاج في الولايات المتحدة الأمريكية رحبت باعتماد الذكاء الاصطناعي في صناعة المشاهد دون الحاجة إلى بناء الديكور.
الصناعة السينمائية في ورزازات تقوم أساسا على بيع المشاهد، وصناعة الأجواء السينمائية الضرورية لتصوير أفلام تاريخية تعود إلى العهد الروماني والحقب القديمة. ومن شأن صناعة المشاهد وإدماجها أن يهددا مستقبل هذه الصناعة.
ورزازات تتخبط أساسا في مشاكل لا حصر لها، ما يجعلها، في السنوات الأخيرة، «مفترى عليها»، باعتبارها «هوليوود إفريقيا»..
الخريجون المغاربة يعانون البطالة والاستغلال من طرف لوبي مافيات تنفيذ الإنتاج. وكبريات الشركات العالمية تأتي بالتقنيين والمهندسين التابعين لها، ما يقصي الخريجين المغاربة بشكل مباشر.. ليصبح دور «ورزازات» كراء المشاهد والمعدات التي يفضل المنتجون عدم اصطحابها في الطائرات. وهكذا فإن الاستثمار السينمائي في ورزازات سوف يصبح محصورا في ما «ثقل وزنه» وعجزت الشركات عن نقله إلى المغرب.
«الوجوه» المغربية، التي تؤثث المشاهد في الأفلام العالمية، صارت مهددة هي الأخرى. إذ بإمكان الذكاء الاصطناعي «توليد» مشاهد لشخصيات ثانوية بملامح مغربية، تغني الإنتاج الأجنبي عن دفع الأجور اليومية لمئات «الكومبارس» المغاربة الذين اعتادوا كسب قوتهم السنوي من وراء استضافة ورزازات لشركات الإنتاج العالمية.
هذا التطور لا بد أن يؤثر مستقبلا على الصناعة السينمائية الأجنبية في المغرب.
لدينا تقنيون ومهندسون مؤهلون للاشتغال في الأعمال العالمية.. وهؤلاء إن لم يقدموا عروضا تنافسية للشركات الأجنبية، فإن مصيرهم سوف يكون «البطالة».. وعليهم أن يكتفوا بالأعمال المحلية التي تُستعمل فيها المؤثرات الخاصة، لتصوير مشاهد لا تتعدى خطورتها انقلاب عربة برتقال في سوق أسبوعي.
في المقابل لا يزال المغرب قبلة مفضلة لكبريات شركات الإنتاج التي توقع ميزانيات سنوية بملايين الدولارات. وحاليا يجري تصوير أجزاء جديدة من أعمال عالمية يتابعها الملايين حول العالم.
المشهد المغربي مطلوب في الإنتاج العالمي، بعدما كان الوضع مقتصرا، إلى حدود 2020، على تصوير مشاهد تُحيل على سوريا والعراق خلال فترة الحرب، أو أفغانستان. ومشاهد ورزازات استُعملت في عشرات الأفلام لتوفير مشاهد تحاكي أجواء القرى التي شهدت الإنزال الأمريكي في أفغانستان لملاحقة «طالبان» بعد شتنبر 2001.
الآن يتسابق المنتجون العالميون على المغرب، لأن أجواء المدينة العتيقة، وحُمرة جدران مراكش وتارودانت وورزازات، صارت تيمة مطلوبة لدى المخرجين لتصوير مغامرات عملاء CIA وهم يلاحقون الشبكات الدولية، ومغامرات أثرياء العالم وهم ينزلون في الفنادق المغربية المزينة بالزليج. حتى الشاي المغربي دخل العالمية عندما صار مشروبا «لا بد منه» حتى في الروايات الأمريكية.
الذكاء الاصطناعي يوفر دائما البديل لمن يدفع أكثر، والمخرجون ليسوا مستعدين لتحمل المزيد من النفقات ما دام المغرب لا يقدم لهم سوى الأجواء والمشاهد.
نحتاج إلى صناعة سينمائية ليحافظ المغرب على مكانته العالمية في هذه الصناعة الثقيلة.. هذا أمر مؤكد، لكن الانطلاقة المغربية لن تبدأ إلا عندما يستيقظ المخرجون والمنتجون المغاربة من هذه القيلولة الطويلة. إنها سبب أفلام «ما بعد العصر»، التي يرمونها أمام أعيننا، ولا نفهم لها لا بداية ولا نهاية.





