
بين نمو اقتصادي يستند بشكل كبير إلى الاستثمار العمومي، وسوق شغل لا يزال يواجه ضغوطا متواصلة، وتكاليف متزايدة للتحولات الاجتماعية والطاقية والمائية، ستجد الحكومة المقبلة نفسها أمام معادلة اقتصادية معقدة: كيف تحافظ على دينامية النمو، وفي الوقت نفسه تجعل ثماره أكثر حضورا في سوق الشغل وفي دخل الأسر، من دون الإخلال بتوازنات المالية العمومية؟
لمياء جباري
بعد الاستحقاقات الانتخابية، ستنتقل الأحزاب الفائزة من مرحلة عرض البرامج والوعود إلى اختبار أصعب يتعلق بقدرتها على تحويل تلك الوعود إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ. وفي الحالة المغربية، لن يقتصر الرهان الاقتصادي على مواصلة المشاريع الكبرى والاستثمارات، بل سيتركز أيضا على قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل وتحسين مستوى معيشة الأسر.
وتشير المعطيات الاقتصادية الأخيرة إلى أن المغرب يدخل هذه المرحلة من موقع نمو متماسك، لكنه في المقابل يواجه اختلالات هيكلية لا يمكن حلها بمجرد ارتفاع الناتج الداخلي الإجمالي. فقد قدر البنك الدولي نمو الاقتصاد المغربي بنحو 4,9 بالمائة خلال 2025، مع توقع نمو في حدود 4,2 بالمائة خلال 2026، مدفوعا بالاستثمار والطلب الداخلي. غير أن المؤسسة الدولية تشير في المقابل إلى أن الاستغلال غير الكامل للعمل بلغ 22,5 بالمائة، وهو ما يعكس حجم الطاقات غير المستغلة في سوق الشغل.
التشغيل.. الاختبار الأول للحكومة المقبلة
سيكون التشغيل من أبرز الملفات التي ستختبر قدرة الحكومة المقبلة على ترجمة وعودها الاقتصادية إلى نتائج ملموسة. فارتفاع النمو لا يعني بالضرورة ارتفاع عدد الوظائف بالوتيرة نفسها، خصوصا بالنسبة إلى الشباب.
ويرى صندوق النقد الدولي أن خلق فرص شغل مستدامة يظل أولوية بالنسبة إلى المغرب، داعيا إلى قطاع خاص أكثر دينامية، وتحسين تكافؤ الفرص بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب مواصلة إصلاحات سوق العمل وتعزيز الرأسمال البشري.
وتزداد أهمية هذا الملف مع استمرار ارتفاع بطالة الشباب، في وقت أصبحت فيه الاستثمارات الكبرى، بما فيها مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالتحضير لمونديال 2030، مطالبة بإظهار أثر اقتصادي واجتماعي يتجاوز مرحلة البناء والإنجاز. وبحسب المعطيات المتعلقة بالفصل الثاني من سنة 2026، بلغ معدل البطالة بالمفهوم الضيق 9,5 بالمائة على الصعيد الوطني، بانخفاض قدره 1,3 نقطة مقارنة بالفصل الأول من السنة نفسها.
وتكشف أرقام المندوبية السامية للتخطيط عن تفاوتات واضحة بين الفئات، إذ بلغ معدل البطالة 14,8 بالمائة لدى النساء، مقابل 8,1 بالمائة لدى الرجال. كما ظلت فئة الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة الأكثر عرضة للبطالة، بمعدل بلغ 27,2 بالمائة، تليها الفئة العمرية بين 25 و34 سنة بنسبة 14,5 بالمائة. وتظهر الفوارق أيضا بحسب مستوى التعليم، حيث بلغ معدل البطالة 16,7 بالمائة لدى حاملي الشهادات العليا، مقابل 16 بالمائة لدى حاملي الشهادات المتوسطة و11,4 بالمائة لدى حاملي الشهادات الأساسية، في حين لم يتجاوز المعدل 3,8 بالمائة لدى الأشخاص الذين لا يتوفرون على شهادة.
وتطرح هذه الأرقام سؤالا مباشرا أمام الحكومة المقبلة: هل يستطيع الاقتصاد الانتقال تدريجيا من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمار العمومي والمشاريع الكبرى إلى نموذج يلعب فيه القطاع الخاص، وخاصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، دورا أكبر في خلق فرص الشغل؟
هل يستطيع النمو الحفاظ على وتيرته؟
الرهان الثاني يتعلق باستدامة النمو. فقد استفاد الاقتصاد المغربي خلال 2025 و2026 من تحسن النشاط الفلاحي، إلى جانب الاستثمار والطلب الداخلي. لكن المعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط تشير إلى إمكانية تباطؤ النمو إلى حوالي 3 بالمائة خلال 2027، بناء على فرضية موسم فلاحي متوسط.
وهذا يعيد إلى الواجهة واحدة من الإشكالات المزمنة للاقتصاد المغربي: حجم ارتباط الأداء الاقتصادي بالظروف المناخية. فكلما ظل النمو مرتبطا بدرجة كبيرة بالأمطار، بقي الاقتصاد معرضا لتقلبات واضحة بين سنوات الجفاف والمواسم الفلاحية الجيدة.
ومن هنا ستبرز الحاجة إلى توسيع مصادر النمو، عبر رفع مساهمة الصناعة والخدمات والاقتصاد الرقمي، وتعزيز الاستثمار الخاص، بما يسمح بتقليص تأثير التقلبات الفلاحية على الأداء الاقتصادي العام.
المالية العمومية.. كيف ستمول الالتزامات الجديدة؟
إلى جانب التشغيل والنمو، ستواجه الحكومة المقبلة تحديا ماليا لا يقل أهمية، يتمثل في تمويل الالتزامات الاجتماعية والاستثمارات الكبرى، مع مواصلة ضبط العجز والمديونية.
وتشير توقعات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن عجز الميزانية سينتقل من 3,5 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي في 2025 إلى 3,4 بالمائة في 2026، ثم إلى 3,2 بالمائة في 2027، بالتوازي مع استمرار الاتجاه النزولي لمعدلات المديونية.
من جهته، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتراجع الدين الحكومي المركزي تدريجيا إلى 60,5 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول 2031، في إطار مسار يقوم على التحكم التدريجي في العجز.
لكن الحفاظ على هذا المسار سيظل مرتبطا بقدرة الدولة على تمويل احتياجات متزايدة، خصوصا في قطاعات الماء والطاقة والنقل والحماية الاجتماعية، فضلا عن كلفة الإصلاحات الكبرى التي تم إطلاقها خلال السنوات الماضية.
القدرة الشرائية.. انخفاض التضخم لا ينهي ضغط الأسعار
ورغم التراجع الكبير في التضخم، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الضغط على ميزانيات الأسر قد انتهى. فقد بلغ متوسط التضخم 0,8 بالمائة خلال 2025، وفق صندوق النقد الدولي، لكن تطورات أسعار الطاقة والمواد الأولية تظل قادرة على إعادة الضغوط التضخمية، سيما في حال استمرار التوترات الجيوسياسية.
وتشير المندوبية السامية للتخطيط إلى أن التوترات في الشرق الأوسط، واضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ساهما في ارتفاع أسعار بعض المواد الأولية واضطراب سلاسل التوريد العالمية، ما يضع الاقتصاد المغربي أمام مخاطر خارجية لا يتحكم فيها بشكل كامل.
وسيكون التحدي بالنسبة إلى الحكومة المقبلة هو إيجاد توازن بين حماية القدرة الشرائية ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية، مع تجنب العودة إلى آليات دعم واسعة، قد تفرض كلفة إضافية على الميزانية.
الاستثمار.. هل يكفي حجم المشاريع؟
لا تبدو المشكلة بالنسبة إلى الحكومة المقبلة مرتبطة بنقص المشاريع الكبرى، بقدر ما ترتبط بالسؤال حول أثر هذه المشاريع على الاقتصاد والمجتمع. فالاستثمار العمومي كان أحد المحركات الأساسية للنمو خلال السنوات الأخيرة، وصندوق النقد الدولي يرى أن توسيعه يمكن أن يدعم النمو وخلق فرص الشغل، شريطة تحسين تدبير المخاطر وتعزيز الرأسمال البشري ورفع مشاركة القطاع الخاص.
وبالتالي، لن يكون تقييم الاستثمارات مرتبطا فقط بحجم الأموال التي يتم ضخها، أو بعدد المشاريع التي يتم إطلاقها، وإنما أيضا بما تنتجه من وظائف وقيمة مضافة، وبمدى مساهمتها في رفع تنافسية الاقتصاد وتعزيز قدرته على جذب استثمارات جديدة.
القطاع الخاص.. من مستفيد إلى محرك للنمو
سيكون تعزيز دور القطاع الخاص، سيما المقاولات الصغيرة والمتوسطة، من الملفات الأساسية في أي استراتيجية تستهدف خلق وظائف مستدامة. فالدولة تستطيع إطلاق مشاريع كبرى وتعبئة استثمارات ضخمة، لكنها لا تستطيع بمفردها توفير العدد الكافي من الوظائف على المدى الطويل.
ولهذا يدعو صندوق النقد الدولي إلى تعزيز دينامية القطاع الخاص وإصلاحات تضمن تكافؤا أكبر في الفرص بين القطاعين العام والخاص. ويبقى الرهان هو الانتقال بالمقاولة الخاصة من موقع المستفيد من الاستثمار العمومي إلى موقع أكثر فاعلية كمحرك للنمو والتشغيل والابتكار والتصدير.
التحدي الأكبر.. جعل النمو محسوسا في الحياة اليومية
في نهاية المطاف، لن يكون التحدي الاقتصادي أمام الحكومة المقبلة مرتبطا فقط بتحقيق نسب نمو مرتفعة، بل بقدرتها على جعل هذا النمو أكثر حضورا في حياة الأسر. فالمغرب يدخل المرحلة المقبلة باقتصاد أكثر تنوعا، واستثمارات كبيرة في البنية التحتية والصناعة والطاقة، ومؤشرات مالية تسير تدريجيا في اتجاه التحسن. لكنه يدخلها أيضا بسوق شغل يحتاج إلى خلق وظائف بوتيرة أسرع، وفوارق اجتماعية ومجالية، وضغوط متزايدة على الموارد المائية والطاقة، واقتصاد يظل معرضا لتأثير الصدمات الخارجية.
وبذلك، ستجد الحكومة المقبلة نفسها أمام مجموعة من الملفات المترابطة: الحفاظ على النمو، خلق المزيد من فرص الشغل، حماية القدرة الشرائية، ضمان مردودية الاستثمارات، مواصلة الإصلاحات الاجتماعية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على توازنات المالية العمومية. فالاستثمار العمومي استطاع خلال المرحلة الأخيرة أن يدعم النمو ويدفع عددا من القطاعات إلى الأمام، لكن الرهان في المرحلة المقبلة سيكون أيضا على قدرة السياسات الاقتصادية على جعل القطاع الخاص أكثر قدرة على الإنتاج والاستثمار والتوظيف، وعلى تقليص الفجوة بين المؤشرات الماكرو اقتصادية وما يلمسه المواطن في دخله وفرص عمله ومستوى معيشته.





