حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

رواية «أرواح لا تهزم» للمصطفى البوسعيدي

الأدب بوصفه مجالاً للصراع الرمزي

الأخبار

 

تحكي الرواية قصة شاب فلسطيني اسمه )إياد(، فقد أسرته بسبب الحرب الأخيرة على غزة، ما جعله يتغير بشكل جذري، وينخرط في صفوف المقاومة لأنه وجد فيها سبيلاً للتشبث بالأمل والكرامة. يلتقي البطل (إياد) ببنت خاله (خلود)، ويقرران الزواج، لأنه رأى فيها شريكاً يعينه على تحمل أعباء الحياة والنضال، فيتزوجها، إيمانا منه بأن بناء الأسرة نوع آخر من المقاومة، وتلك نصيحة الفلسطينيين الكبار لأحفادهم الصغار.

ومع مرور الوقت، يبدأ البطل في التعبير عن قناعته بأن الأولاد هم «الجيل الجديد من المقاومين»، وأن بناء أسرة قوية ومتكاثفة وسيلة لمواجهة العدو على المدى البعيد، وأن التربية على حب الوطن والإيمان بالحرية سلاح لا يقل قوة عن البنادق.

تقدم الرواية صورة واقعية للحرب الإسرائيلية على غزة، وما عانته وتعانيه شخصياتها التي عاشت الحرب وتعايشت معه، من تقتيل ودمار وحرمان من أبسط شروط الحياة الكريمة. إنها دعوة للتضحية من أجل القيم والمبادئ، وتظهر أن المقاومة ليست سلاحاً فقط، بل هي فعل إنساني نبيل ينبع من الإيمان بالحق، متى أهين الإنسان في هويته وفي وطنه وفي مقدساته. وتنتصر لمبادئ العدل السماوي ولنصرة الحق.

لذلك جاءت خاتمة الرواية منتصرة للخير على الشر، ومؤمنة بأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وأن شمس العدالة مهما غابت ستعود، وأن الجلاد مهما طغى وتجبر، سينال جزاءه لا محالة.

 

البنية الثقافية في الرواية

تُبنى رواية «أرواح لا تُهزم» على تصور ثقافي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، يجعل من الهوية والذاكرة مركزاً بنيويا للفعل السردي. فالرواية لا تتعامل مع الوقائع التاريخية بوصفها معطيات خارجية، وإنما تُدمجها في نسيج التجربة الإنسانية للشخصيات، حيث يغدو التاريخ مكونا من مكونات الوعي اليومي. وبهذا المعنى، يتحول السرد إلى فضاء لإعادة إنتاج الذات الفلسطينية، في سياق تتداخل فيه الثقافة مع السياسة، والذاكرة مع المعاناة، دون أن يفقد النص توازنه الفني أو كثافته الرمزية. بعدما «أفلح هذا الرهط في كتابة أكبر السرديات المضللة للحقيقة، فهم من وضعوا أكذوبة حوار الأديان، وهم من قالوا بالمساواة الدينية، وهم من ألفوا أسطورة فلسطين أرض الميعاد…».

يكشف هذا الاختيار السردي عن وعي جمالي يعتبر أن الصراع الحقيقي لا يدور حول السيطرة على الأرض فحسب، وإنما حول السيطرة على المعنى والحق في تمثيل الذات. ومن هنا، تكتسب الرواية قيمتها بوصفها نصاً ثقافيا يشتغل على تفكيك خطاب الإلغاء، وإعادة تثبيت الوجود الفلسطيني في أفق سردي مقاوم.

 

الذاكرة والحرب

تحضر الأحداث التاريخية المفصلية في الرواية بوصفها لحظات مؤسسة للوعي الجمعي، لا كمجرد تواريخ مؤطرة زمنياً. فاستدعاء النكبة، والحروب والانتفاضات يتم من داخل التجربة الشعورية للشخصيات، حيث يتخذ التذكر شكل فعل يومي يرافق الحياة تحت القصف والحصار. يتجلى ذلك في شهادة بطل الرواية بقوله: «منذ أن أبصرت النور كانت الحروب تلاحقني، وأشدها وقعا معركة الفرقان 2008، وحجارة السجيل 2012 والعصف المأكول 2014». وبهذا تتجسد الذاكرة باعتبارها ممارسة ثقافية متواصلة، تشتغل على مقاومة النسيان وإعادة إنتاج الانتماء. «حرب ستدفع لا محالة إلى ابتداء عهد جديد، ولا مكان فيها للحطام والأسى في قلبه، فرغم عمق الجراح، لا أحد سيوقف الفلسطيني الحر عن أرضه، أو يرغمه على المغادرة الجبروتية».

في هذا السياق تُقدَّم الحرب بوصفها وضعا كاشفا للبنية الثقافية الفلسطينية، إذ تتبلور الهوية في لحظات التهديد القصوى. فالخراب لا يفضي إلى الفراغ، بقدر ما يفتح المجال أمام تكثيف اللغة والحكاية والصورة، بما يجعل السرد فضاءً لإعادة تنظيم العالم من داخل التجربة المأزومة. ويتبدى ذلك من خلال حضور التفاصيل المرتبطة بالحياة في زمن الحرب، حيث تتجاور المأساة مع الإصرار على الاستمرار، ويتحول الألم إلى مادة لبناء المعنى.

وتكشف الرواية، من خلال هذا الاشتغال، أن الحرب لا تُختزل في بعدها العسكري، وإنما تمتد إلى المجال الرمزي، حيث تُستهدف الذاكرة واللغة ونمط العيش. فإياد، ككل شخصيات الرواية، ظل «مقتنعا أن هذه المعركة عسكرية لأغراض سياسية، بل هي حرب عقيدة من قبل صهاينة عنصريين عرفوا منذ استقام عودهم بالخيانة والمكر». وفي مقابل ذلك، تقيم الرواية خطابها على فكرة أن الثقافة قادرة على إعادة بناء الذات الجماعية، حتى في أكثر السياقات عنفاً.

 

اليومي والهوية

يحتل اليومي موقعا مركزياً في البناء السردي للرواية، بوصفه الحامل الأكثر كثافة للهوية الثقافية. فالتفاصيل الصغيرة، المرتبطة بالمكان، والعادات، والأسماء والطقوس، لا تُدرج من أجل إغناء الوصف فحسب، وإنما تؤدي وظيفة دلالية عميقة، إذ تشتغل على تثبيت الوجود الفلسطيني في وجه محاولات التفريغ الرمزي. جاء على لسان البطل: «وكم كنت سعيدا بمشاركتي كذلك في الاحتفالات الوطنية المخصصة للتراث الفلسطيني، احتفالات مزمعة في غزة، وفي الضفة، بموازاة مع نشاطات ستعم كل المحافظات كما في حيفا والناصرة والشتات، والقرى الريفية».

ويُلاحظ أن الرواية تراهن على المعيش اليومي بوصفه مجالا لإنتاج المعنى، حيث تتحول الممارسات البسيطة إلى علامات على الاستمرارية التاريخية. يقول السارد: «كان صباحا عاديا، يشبه كل صباحات الغزاويين، البحر ذاته، والأفق ذاته والأسماك والوجوه كما هي»؛ فالحفاظ على نمط الحياة، في ظل ظروف استثنائية، يغدو شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية، ويمنح السرد بعداً أنثروبولوجياً يوثق كيفية تشكل الهوية في زمن الصراع.

يسهم هذا التركيز على اليومي، كذلك، في إعادة أنسنة الشخصية الفلسطينية، وإخراجها من الصور النمطية التي تفرضها بعض السرديات الخارجية. يقول السارد: «كنا نسرق النظر إلى حدود فلسطين الباقية، حيث الجرح مفتوح شمال يافا فالشخصيات تُقدَّم في تعددها الإنساني، بما تحمله من خوف وأمل وتشبث بالحياة، وهو ما يعزز البعد الثقافي للرواية ويمنحها طاقة تمثيلية عالية ».

 

الثقافة/ الصراع

تؤسس الرواية تصورها للصراع انطلاقاً من مركزية الثقافة، باعتبارها المجال الأعمق للمواجهة. فالهزيمة، في أفق النص، لا تتحقق بسقوط المكان وحده، وإنما بتآكل الذاكرة وانكسار المعنى. ومن ثم، يشتغل السرد على تثبيت الهوية الثقافية عبر استدعاء الرموز، واللغة والتاريخ، بوصفها عناصر قادرة على تحصين الذات الجماعية. فأم رامي «لا تعرف هدنة مع لاحتلال، فهي معاندة له ومتحدية لكل عداوته، فقد دمر بيتها وبيوت أبنائها، لكنها صيرت غرفتها في المدرسة دارا ثانية، وأطلقت هنا دورات لتحفيظ القرآن، وتفسيره وتلاوته».

وتكتسب الرواية دلالتها من هذا المنظور، إذ تحيل إلى قدرة الروح الفلسطينية على تجاوز منطق القوة المادية. لـ«أن فلسطين عند كل صغير جاء إلى الدنيا، هي الهواء والماء، والأشجار والمنازل والأهل والأحباب، هي الأم التي لا يستغني عنها أحد». فالأرواح التي لا تُهزم هي تلك التي تحتفظ بذاكرتها وتواصل سرد حكايتها، مهما اشتد العنف. وبهذا تطرح الرواية الأدب بوصفه مجالاً للصراع الرمزي، ووسيلة للحفاظ على الحق في الوجود والتمثيل داخل عالم يتنازع السرديات والمعاني.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى