
بعد الاستقبال الملكي وتعيين الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، كأول امرأة في تاريخ المغرب، وتكليفها بتشكيل الحكومة وفق أحكام الدستور، تدخل مباشرة حسابات سباق التحالفات الحكومية، واختبار القدرة على تشكيل أغلبية تتميز بالانسجام، ووضوح برنامج العمل، والالتزام بتنفيذ الوعود الانتخابية التي قُدمت خلال الحملة البرلمانية.
وتواجه المنصوري مهام سياسية ثقيلة ومعقدة، في ظل حديث قيادات من حزبها عن عدم التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار، وما رافق العلاقة بين الحزبين من تراشق سياسي خلال الفترة الانتخابية. كما تواجه واقع اصطفاف حزب العدالة والتنمية، الذي استعاد حضوره البرلماني، في المعارضة، إلى جانب إعلان تحالف اليسار اختياره الموقع نفسه، بينما لم تحسم بعض الأحزاب الأخرى تموقعها النهائي بعد. وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو تشكيل حكومة ائتلافية تضم عددا من الأحزاب لتأمين أغلبية برلمانية مريحة.
وطبعا، فإن رئيسة الحكومة المكلفة لن تقتصر مشاوراتها على الأحزاب التي أعلنت رغبتها في المشاركة في الحكومة، ولن تتجاهل تلك التي اختارت المعارضة، بل يفترض أن تشمل المشاورات مختلف القيادات الحزبية، في إطار حوار حول التحديات والرهانات الكبرى، ومدى قدرة كل حزب على المساهمة في إنجاح المرحلة، وما يتوفر عليه من كفاءات وطاقات وتجربة يمكن أن تشكل قيمة مضافة للعمل الحكومي.
وعلى العموم، وحتى إذا تشكلت الحكومة من عدد محدود من الأحزاب أو من ائتلاف واسع، فإن إعلان تحالف اليسار وحزب العدالة والتنمية اختيارهما المعارضة، مع احتمال التحاق أحزاب أخرى بهذا الصف، يجعل المشهد البرلماني مقبلا على معارضة متعددة المرجعيات. وقد يساهم ذلك في إعادة ترتيب قواعد الأحزاب السياسية وخياراتها التنظيمية والانتخابية، كما قد يضع الحكومة المقبلة أمام رقابة برلمانية وسياسية أكثر حضورا.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى أغلبية حكومية متماسكة وقادرة على ضمان الاستقرار السياسي والمؤسساتي، وتوفير شروط العمل لتنزيل القرارات الاستراتيجية والبرامج الحكومية، بعيدا عن هاجس فقدان الأغلبية الذي يجب أن يبقى في حدوده وما يمكن أن يترتب عليه دستوريا وسياسيا.
وهناك مؤشرات أخرى تغري الأحزاب بالمشاركة في التسيير الحكومي، وفي مقدمتها توزيع الحقائب الوزارية وعددها والقطاعات التي ستُسند إلى كل حزب، وهي مسألة تكتسي أهمية كبيرة في حسم قرار المشاركة، أو الاصطفاف في المعارضة، حتى بعد اتخاذ الهيئات الحزبية مواقفها السياسية. كما أن بعض الأحزاب قد تعرف نقاشات وصراعات داخلية مرتبطة بالتنافس على الاستوزار واختيار الأسماء المرشحة لتحمل المسؤولية الحكومية.
وإذا كانت العملية الديمقراطية وأحكام الدستور قد أفضتا إلى تعيين أول امرأة في تاريخ المغرب على رأس الحكومة، فإن مرحلة المشاورات حول تشكيل الأغلبية، وتوزيع القطاعات الوزارية، وتقديم الحكومة للتعيين الملكي، تقتضي أن تكون في مستوى هذه المرحلة السياسية، بأن تقوم على معيار الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية، بعيدا عن الحسابات الضيقة، بما يضمن إفراز فريق حكومي قادر على مواكبة المشاريع الكبرى ومواجهة الملفات الاجتماعية والاقتصادية، وفي مقدمتها البطالة والتعليم والصحة، إلى جانب مواصلة الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030.
فالرهان لا يتعلق فقط بتشكيل أغلبية عددية قادرة على ضمان مرور الحكومة، وإنما ببناء انسجام سياسي وبرنامج حكومي واضح، واختيار كفاءات قادرة على تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات وقرارات ملموسة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويمنح الحكومة المقبلة هامشا أوسع للعمل والإنجاز وحماية القدرة الشرائية والسلم الاجتماعي، والخروج من فضاء المزيادات إلى ميدان العمل ولا شيء غير العمل.




