حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

على وحدة ونص

في المغرب، لا يبدو البحث العلمي ضائعا تماما؛ هو فقط أخذ الطريق الخطأ، ثم قرر أن يستريح قليلا عند الدقة المراكشية، ويتناول طاجينا أكاديميا دسما، قبل أن يواصل سيره نحو أطروحة في العلاقات السامة بين الزوجين. وبينما تنشغل جامعات العالم بتطوير الذكاء الاصطناعي، وعلاج السرطان، وتأمين الماء والطاقة، تنشغل بعض جامعاتنا أحيانا بإقناعنا بأن كل ما يمكن وضعه بين غلافين سميكين يستحق لقب البحث العلمي.

مقالات ذات صلة

ليست المشكلة طبعا في الدقة المراكشية، ولا في الطاجين المغربي، ولا في الأسرة، ولا في التراث الشعبي. هذه موضوعات يمكن أن تتحول، إذا أحسن الباحث صياغة أسئلتها، إلى دراسات عميقة في الأنثروبولوجيا والاقتصاد والتاريخ وعلم الاجتماع. المشكلة تبدأ حين يصبح العنوان أغنى من المضمون، وحين تُختزل الأطروحة في وصف ما يعرفه الناس أصلا، ثم تُقدم إلينا باعتبارها فتحا معرفيا سيغير وجه الحضارة.

هكذا صرنا نعيش زمنا أكاديميا عجيبا: الجامعة عاجزة عن صناعة فكرة، لكنها بارعة في صناعة الألقاب. الباحث لا يخرج دائما من المختبر، بل من الممر الإداري. والرسالة لا تُقاس بما أضافته، بل بعدد أفراد العائلة الذين حضروا المناقشة، وحجم باقة الورد، وطول كلمة الشكر، وعدد الصور المنشورة تحت عبارة: «لحظة تاريخية».

في الجامعات الجادة، تُسأل الأطروحة: ماذا اكتشفت؟ ماذا أثبتت؟ ماذا غيرت؟ أما عندنا، فيكفي أحيانا أن تسأل اللجنة الطالب: هل سيقام حفل الغداء قبل المداولة أم بعدها؟ ثم تبدأ سيمفونية الثناء المعروفة، وتنتهي بعبارة «مشرف جدا مع التوصية بالنشر»، حتى يكاد المرء يظن أن دور النشر العالمية تتصارع عند الباب للحصول على حقوق أطروحة الطاجين قبل أن يبرد.

السخرية هنا ليست من الباحث الشاب، الذي قد يكون ضحية منظومة أكثر منه شريكا في عبثها. السخرية من مؤسسة فقدت معيارها، ومن تأطير يقبل الرداءة، ومن لجان تعرف أحيانا أن العمل هزيل، لكنها تفضل المجاملة على قول الحقيقة. فالحقيقة مكلفة، أما المديح مجاني، ويمكن توزيعه بلا ميزانية.

المفارقة السوداء أن المغرب يتحدث كثيرا عن نموذج تنموي جديد، واقتصاد المعرفة، والسيادة الصناعية، والتحول الرقمي، ثم يترك الجامعة تعمل بمنطق قديم: إنتاج شهادات أكثر، وأسئلة أقل. نريد مصانع متطورة، لكننا لا نمول المختبرات بما يكفي. نريد أطباء ومهندسين وباحثين قادرين على الابتكار، لكننا نحاصرهم بالإدارة والخصاص والهجرة. ثم نستغرب لماذا ينجح المغربي في مختبر أجنبي، ويفشل المختبر المغربي في الاحتفاظ به.

الجامعة التي كان يفترض أن تكون عقل المجتمع، أصبحت في كثير من الأحيان مرآته الأكثر إحراجا. فضائح الماسترات، وشبهات المحسوبية، وملفات التلاعب، وقضايا الابتزاز والاستغلال، كلها جعلت الرأي العام ينظر إلى بعض الشهادات كما ينظر إلى السلع المقلدة: الشكل محترم، والختم موجود، لكن الجودة موضع شك.

ومع كل فضيحة، تخرج المؤسسة ببلاغ بارد، مكتوب بلغة لا تقول شيئا، ثم تعود الحياة الأكاديمية إلى طبيعتها، كأن السمعة مورد لا ينضب. لا استقالات، لا مراجعة جذرية، لا محاسبة تقنع الناس بأن الجامعة قادرة على تنظيف بيتها. فقط لجان تحقق في لجان، وتقارير توضع في أدراج أكثر تأهيلا من بعض المختبرات.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نسقط في وهم مضاد، فنعتبر كل بحث في التراث تافها، وكل دراسة اجتماعية سطحية. فالعلم لا يُقاس بفخامة الموضوع، بل بصلابة السؤال والمنهج والنتيجة. قد تكون دراسة طبق شعبي أهم من بحث ضخم في التكنولوجيا، إذا كشفت تحولات اقتصادية أو صحية أو ثقافية عميقة. وقد تكون أطروحة عن الدقة المراكشية أكثر قيمة من مشروع هندسي فارغ، إذا وثقت تراثا مهددا، وحللته بجدية، وربطته بالصناعات الثقافية والسياحة والهوية.

لكن هذا الدفاع المشروع عن تنوع المعرفة لا يجب أن يتحول إلى ستار يحمي الرداءة. ليس كل ما يسمى بحثا بحثا، وليس كل ما يمر أمام لجنة يستحق التصفيق. الجامعة التي تخاف من رفض الأطروحات الرديئة، ستنتج دكاترة يخافون من الأسئلة الحقيقية.

المغرب لا يحتاج إلى دكاترة أكثر بقدر ما يحتاج إلى معرفة أكثر. لا يحتاج إلى أطروحات تمتلئ بها الرفوف، بل إلى أفكار تملأ الفراغ في الصحة والتعليم والماء والطاقة والصناعة. يحتاج إلى جامعة تشعر بالخجل من بحث بلا أثر، كما يشعر المواطن بالخجل وهو يرى لقب الدكتور يكبر، بينما تصغر قيمة العلم.

إن أخطر ما في هذا العبث أنه لا يثير الضحك فقط، بل يبدد الثقة. حين يفقد الطالب احترامه للجامعة، ويفقد المجتمع ثقته في الشهادة، يصبح اللقب مجرد زينة لغوية. وعندما تتساوى الأطروحة الرصينة مع العمل الهش في الميزة والتصفيق، يتعلم المجتهد درسا قاسيا: الجودة ليست شرطا للنجاح، بل قد تكون عبئا إضافيا لا يلاحظه أحد في هذا السيرك الأكاديمي.

إلى أن يحدث ذلك، سيواصل البحث العلمي عندنا رحلته الغريبة: يدق على البندير، يرفع غطاء الطاجين، يناقش العلاقات السامة، ثم يلتفت إلى المستقبل ليسأله بأدب شديد: هل يمكنك الانتظار؟ لدينا حفل مناقشة أطروحة حول «الراندا الرقيقة».

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى