
في طنجة، لا تبدو مشكلة الأحياء ناقصة التجهيز مرتبطة فقط بصورة شارع غير معبد أو رصيف متهالك أو إنارة عمومية غائبة، إذ إن القضية أكبر من ذلك، فهي ترتبط بمدينة تتوسع عمرانيا بوتيرة سريعة، بينما لا تسير عمليات إعادة الهيكلة وتأهيل الطرق وشبكات التطهير وتصريف مياه الأمطار والمرافق العمومية دائما بالسرعة نفسها.
طنجة: محمد أبطاش
بين مشاريع معلنة بمئات الملايين، وبرنامج شامل قُدرت كلفته بأكثر من مليار درهم، وميزانية جماعية تتجاوز 1.2 مليار درهم، ما زال سكان عدد كبير من الأحياء يعيشون تحت رحمة بنيات تحتية مهترئة، ويضعون أيديهم على قلوبهم، مع اقتراب موسم التساقطات المطرية.
عمران يتقدم.. وتجهيز متأخر
تكشف المعطيات الرسمية للوكالة الحضرية لطنجة عن حجم وتعقيد هذا الملف، فوثائق الوكالة، التي عرضت حصيلة التخطيط والدراسات المجالية إلى غاية سنة 2024، تشير إلى إنجاز 115 تصميما لإعادة الهيكلة الخاصة بالأحياء ناقصة التجهيز، من بينها 95 تصميما أنجزت خلال الفترة الممتدة بين 2006 و2012، فيما بلغ عدد تصاميم إعادة الهيكلة التي كانت في طور الإنجاز بجماعة طنجة 61 تصميما، كما تشير المعطيات إلى أن 82 في المائة من مجموع التصاميم المنجزة كانت على مستوى جماعة طنجة.
لكن كثرة التصاميم لا تعني بالضرورة أن الورش انتهى على الأرض، حسب بعض المصادر. فالتصميم العمراني يحدد كيف يمكن إعادة تنظيم الحي وفتح الطرق والممرات وربط المناطق بالتجهيزات، بينما يحتاج تنزيله إلى عقارات ومساطر وتمويل وصفقات وأشغال وشبكات ومواكبة تقنية، وهنا تظهر واحدة من أعقد حلقات الملف، وهي المسافة بين إعداد وثيقة إعادة الهيكلة وتحويلها إلى واقع يلمسه السكان تقول المصادر المتتبعة.
أكثر من مليار درهم لبرنامج التأهيل
خلال فبراير 2024، صادق مجلس جماعة طنجة على اتفاقية شراكة لتنفيذ الشطر الثاني من برنامج تأهيل الأحياء ناقصة التجهيز وإدماجها في النسيج الحضري المنظم، ضمن برنامج متعدد السنوات، وكانت المعطيات المنشورة حينها تشير إلى أن البرنامج الإجمالي لتأهيل الأحياء ناقصة التجهيز بطنجة تبلغ كلفته حوالي مليار و50 مليون درهم.
هذا البرنامج لا يقتصر على ترقيع الطرق، بل يتضمن، وفق المعطيات المعلنة، تقوية البنية التحتية الطرقية وربط الأحياء بمحيطها، وتوسيع شبكات الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، وإحداث أو تعزيز البنيات الرياضية، والعناية بالبيئة، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالحماية من الفيضانات. كما تشمل العمليات تعبيد الطرق وتبليط الأرصفة وتحسين انسيابية السير وتعزيز الإنارة العمومية، فضلا عن تهيئة الواجهات، وحماية بعض المناطق السكنية من مخاطر الانجراف.
غير أن ضخامة الرقم الإجمالي كشف أن هذه المعطيات ليست دقيقة بمجملها، حيث التهمت مكاتب الدراسات الملايين من جانبها، بغرض إخراج مخططات لتهيئة الأحياء، بينما ظلت ميزانية إخراج طرقات وبنيات تحتية رصينة ضمن مشاريع ميزانيات الجماعة التي تنتظر التأشير.
الشطر الثاني.. 100 مليون درهم
ضمن هذا المسار، خصص مجلس جماعة طنجة 50 مليون درهم للمساهمة في تمويل الشطر الثاني من برنامج تأهيل الأحياء ناقصة التجهيز، بينما بلغت الكلفة التقديرية للمشروع حوالي 100 مليون درهم بمساهمة شركاء آخرين، وفق المعطيات، وكان من المنتظر أن توجه الأشغال إلى الطرق والأرصفة والإنارة والواجهات وأعمال التهيئة المختلفة.
وفي برنامج آخر مرتبط بالأحياء الواقعة بمحاذاة خط القطار فائق السرعة، تم الإعلان عن مشروع بكلفة 50 مليون درهم، موزعة بين 15 مليون درهم من وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، و15 مليون درهم من مجلس جهة طنجة- تطوان- الحسيمة، و20 مليون درهم من جماعة طنجة، على أن تتولى شركة العمران تنفيذ المشروع، بينما تضطلع الوكالة الحضرية بإعداد تصاميم إعادة الهيكلة التي تستجيب لحاجيات الأحياء المستهدفة.
وقالت بعض المصادر إن هذه الأرقام تظهر أن ملف الأحياء ناقصة التجهيز لم يكن غائبا عن البرمجة العمومية، بل حظي باتفاقيات وأغلفة مالية متعددة. غير أن الإشكال الذي يعود باستمرار هو سرعة التنفيذ، ومدى قدرة هذه البرامج على مواكبة توسع عمراني لا ينتظر انتهاء المساطر الإدارية.

بئر الغازي.. نموذج للفجوة
في حي بئر الغازي، شرق طنجة، تبدو المشكلة بشكل أكثر وضوحا، فقد وصفت تقارير أنجزتها مصالح الجماعة وضع المنطقة باعتباره مثالا على الفجوة بين التوسع العمراني وتجهيز المجال، إذ يتوقف الطريق المعبد عند المدخل الرئيسي للحي، قبل أن تتحول المسالك إلى طرق ترابية غير مهيأة، تتأثر بشكل كبير بالتساقطات المطرية وتتحول إلى أوحال وبرك تعيق حركة السيارات والراجلين.
وتشير المصادر إلى أنه عندما يصل العمران إلى منطقة قبل وصول الطريق وشبكات التصريف والإنارة والمرافق، تصبح عملية التأهيل لاحقة للبناء بدل أن تكون مواكبة له. وكلما ارتفع عدد المباني والسكان، ارتفعت لاحقا كلفة التدخل، لأن إعادة فتح الطرق ومد الشبكات وسط نسيج قائم تصبح أكثر تعقيدا من تجهيز منطقة، قبل استقرار السكان بها.
بني مكادة.. ضغط سكاني وتراكم عمراني
تظهر مقاطعة بني مكادة في قلب هذه المعادلة، باعتبارها من أكثر المجالات الحضرية ضغطا داخل طنجة. وتشير المعطيات إلى استمرار مشاكل في عدد من أحياء المقاطعة، رغم البرامج المرصودة للتأهيل، بينما كشفت تقارير أخرى عن اختلالات في الطرقات والأزقة تستدعي الصيانة وإعادة التهيئة.
الأكثر دلالة أن دراسة أكاديمية حديثة، رصدت أكثر من 10 آلاف بناية سكنية شُيدت داخل مناطق غير قانونية بمقاطعة بني مكادة، اعتمادا على صور الأقمار الصناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع تسجيل استمرار التوسع العمراني غير المنظم بين 2017 و2025، رغم تراجع حصته النسبية من إجمالي التوسع العمراني.
وبذلك لم تعد المسألة مرتبطة فقط بوجود أحياء قديمة تنتظر الإصلاح، وإنما بعمران جديد يضيف باستمرار طلبا جديدا على الطرق والتطهير والإنارة وتصريف المياه والمرافق.








