
محمد اليوبي
كشف فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، أول أمس الثلاثاء، عن تفاصيل المنظومة الضريبية والجمركية الاستثنائية التي تقترحها الحكومة لفائدة الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» والهيئات والشركات المرتبطة بتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، إلى جانب استعراض الرهانات الاقتصادية والاستثمارية والاجتماعية التي تراهن المملكة على تحقيقها من وراء احتضان هذا الحدث العالمي، الذي ستنظمه بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال.
وقدم لقجع، خلال الاجتماع الذي عقدته لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، والمخصص لمواصلة المناقشة التفصيلية لمشروع قانون المالية لسنة 2027، عرضا حول الأبعاد التنظيمية والاقتصادية والمالية والجبائية المرتبطة بتنظيم المونديال. وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتضمن مقتضيات ضريبية وجمركية تمنح امتيازات استثنائية لعدد من الهيئات والأشخاص المتدخلين في تنظيم البطولة، سواء تعلق الأمر بالاتحاد الدولي لكرة القدم أو الشركات التابعة له أو الاتحادات الرياضية المشاركة أو مقدمي الخدمات والمتعاقدين، فضلا عن بعض الفئات المرتبطة مباشرة بالمسابقة.
إعفاءات ضريبية وجمركية
في الشق الجبائي، دافع لقجع عن التدابير التي تضمنها مشروع قانون المالية، والتي تقضي بإقرار إعفاءات مؤقتة ومحددة زمنيا لفائدة منظومة «الفيفا» والهيئات المرتبطة بها، باعتبارها جزءا من الإطار المالي والتنظيمي الذي يرافق احتضان التظاهرات الكروية الكبرى.
وتشمل هذه الإعفاءات، بحسب المعطيات التي عرضها الوزير، الضريبة على الشركات، والمساهمة الاجتماعية للتضامن على الأرباح والدخول، والضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الدخل في حالات محددة، فضلا عن الضريبة على بعض المداخيل التي تخضع للاقتطاع من المنبع، وواجبات التسجيل.
ولا تقتصر قائمة المستفيدين على الاتحاد الدولي لكرة القدم وحده، بل تمتد إلى هيئة التسليم والهيئات المشتركة المكلفة بتنظيم البطولة، والشركات التابعة لها، والاتحاد المستضيف والاتحادات المشاركة في الاستضافة، والاتحادات المنضوية تحت لواء اتحاد أمريكا الجنوبية لكرة القدم والاتحادات الأعضاء في «الفيفا»، سواء كانت تتوفر على مقر بالمغرب أو لا تتوفر عليه.
وتتوزع آجال الاستفادة من هذه التدابير بحسب طبيعة المستفيدين والعمليات المعنية، إذ يرتقب أن يدخل بعضها حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يناير 2027، فيما يبدأ العمل ببعضها الآخر من فاتح يناير 2029، على أن تنتهي آجال عدد من الإعفاءات في متم سنة 2031، بينما تمتد أخرى إلى متم سنة 2032.
48 منتخبا و104 مباريات في ست مدن مغربية
بعيدا عن الشق الجبائي، أوضح لقجع أن نسخة كأس العالم لسنة 2030 ستعرف مشاركة 48 منتخبا وإجراء 104 مباريات، مبرزا أن المغرب سيحتضن المنافسات بست مدن هي الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة وأكادير وفاس، مشيرا إلى حجم الاستعدادات اللوجستية التي تشمل أكثر من 600 موقع، من بينها 172 مركزا لخدمات المنتخبات، و164 ملعبا للتداريب، و122 فندقا، و72 مطارا أو محطة استقبال و13 منطقة للمشجعين فضلا عن إعداد أكثر من 30 معسكرا للمنتخبات.
وعلى المستوى الاقتصادي، استعرض الوزير الانعكاسات المنتظرة لهذه التظاهرة، من خلال توقع نمو تراكمي للاستثمار الإجمالي بنسبة 21.2 بالمائة خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2030، وارتفاع الناتج الداخلي الخام بنسبة 13.2 بالمائة، وإحداث أكثر من 840 ألف فرصة شغل بمختلف القطاعات، مشيرا إلى التوقعات المرتبطة بالقطاع السياحي، من خلال بلوغ 26 مليون سائح سنويا في أفق 2030، وتجاوز المداخيل السياحية 156 مليار درهم وإحداث أكثر من 158 ألف منصب شغل إضافي.
تنظيم المونديال ورش تنموي وطني
عقب عرض الوزير، انصبت تدخلات النواب البرلمانيين على مختلف الأبعاد الاقتصادية والتنموية والجبائية والمؤسساتية المرتبطة بتنظيم هذه التظاهرة، حيث أكدوا أن كأس العالم 2030 يتجاوز كونه حدثا رياضيا، ليشكل مشروعا وطنيا واستراتيجيا يتطلب تعبئة مختلف القطاعات والمؤسسات والفاعلين، واستثمار أبعاده التنموية والإشعاعية لتعزيز صورة المغرب ومكانته الدولية والتعريف بهويته وقيمه وخصوصيته الثقافية والحضارية.
وفي هذا الإطار شدد بعض المتدخلين على ضرورة اعتماد مقاربة شمولية تجعل من هذه التظاهرة ورشا تنمويا وطنيا، يضمن استفادة مختلف جهات المملكة، سيما المناطق القروية والجبلية من الاستثمارات والمشاريع المبرمجة، مع ربط الاستعدادات ببرامج التنمية الترابية المندمجة، وتسريع إنجاز المشاريع المتعلقة بالطرق والبنيات التحتية والمؤسسات التعليمية والصحية، وتعزيز الربط بين جهات المملكة، بما في ذلك تمديد القطار فائق السرعة نحو أكادير. مؤكدين ضرورة تحقيق التوازن بين الاستثمارات المرتبطة بالتظاهرة وباقي الأولويات الاجتماعية خاصة الصحة والتعليم.
وفي ما يرتبط بالصفقات العمومية، شدد عدد من المتدخلين على ضرورة ترسيخ الشفافية والتنافسية وتكافؤ الفرص، وتفعيل الأفضلية الوطنية بما يضمن مشاركة المقاولات المغربية، الكبرى والصغرى والمتوسطة والصغيرة جدا في الأوراش المرتبطة بالتظاهرة المذكورة، إلى جانب الدعوة لإحداث منصة وطنية لتتبع الصفقات العمومية ومراقبة تنفيذها واحترام آجالها، والتفاعل الجدي مع الصعوبات التي تواجه المقاولات في الولوج إلى هذه الفرص، مواكبتها وتعزيز قدراتها التنافسية لضمان استمرارية نشاطها بعد انتهاء الأوراش.
وبخصوص صندوق الإرث، طرحت تساؤلات بشأن موارده وأهدافه ومجالات تدخله وآليات اشتغاله وحكامته، والجهات المشرفة عليه وطبيعة دور الاتحاد الدولي لكرة القدم في تتبع المشاريع المرتبطة بالتنظيم. وتمت المطالبة، كذلك، بتوضيح حصة المغرب من التمويل المشترك مع إسبانيا والبرتغال، وتحديد المشاريع المستفيدة من هذا التمويل.
ومن أجل تعزيز الرقابة والمواكبة المؤسساتية، تمت الدعوة إلى إعداد تقارير دورية تعرض على اللجنة البرلمانية المختصة، تتضمن حصيلة تقدم الأشغال ومدى احترام البرمجة الزمنية والالتزامات المالية والتنظيمية، على أن يعقب ذلك إعداد تقرير تقييمي شامل بعد انتهاء المشروع بما يسمح بقياس آثاره الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
فرصة وطنية استثنائية
في معرض جوابه عن مختلف ملاحظات النواب، أشار الوزير إلى أن النقاش الدائر بشأن احتضان المباراة النهائية والتنافس المرتبط بالمدن والملاعب المرشحة لاستضافة مباريات البطولة، يندرج ضمن سياق أوسع من التنافس بين الدول المنظمة، مشددا على أن الرهان المغربي لا ينبغي أن يقتصر على استضافة المباريات، بل يتعين النظر إلى هذه التظاهرة باعتبارها ورشا وطنيا متكاملا وفرصة لتسريع وتيرة إنجاز المشاريع الكبرى وتطوير البنيات التحتية وتعزيز الربط بين مختلف جهات المملكة، إلى جانب توجيهه الدعوة لأعضاء اللجنة للقيام بزيارة ميدانية لملعب بنسليمان بغية تتبع أطوار هذا المشروع الكبير والهام.
وأبرز لقجع أهمية مشاريع النقل السككي والطرقي، ودورها في تسهيل تنقل الجماهير والوفود وتحسين الربط بين المدن المستضيفة، فضلا عن تعزيز مكانة الدار البيضاء باعتبارها قطبا اقتصاديا ومحورا أساسيا ضمن المنظومة اللوجستيكية المرتبطة بتنظيم البطولة.
وعلى مستوى البنيات الرياضية، أكد الوزير ضرورة جعل الاستثمارات الموجهة لتأهيل وإنجاز الملاعب رافعة لتطوير كرة القدم الوطنية، وضمان استدامة المنشآت الرياضية والاستفادة منها بعد انتهاء المنافسات، بما يسهم في تحسين ظروف الممارسة الرياضية وتوسيع قاعدة المستفيدين منها، متوقفا عند البعد الاجتماعي لتنظيم هذه التظاهرة، مبرزا أهمية تمكين الشباب، سيما الفئات ذات الإمكانات المحدودة من الولوج إلى الممارسة الرياضية وتوفير التجهيزات الضرورية لذلك، بما يعزز تكافؤ الفرص ويجعل الرياضة متاحة أمام مختلف الفئات والمناطق.
وأكد الوزير أن تنظيم كأس العالم 2030 يشكل فرصة وطنية استثنائية تستوجب تعبئة جماعية وانخراط مختلف المؤسسات والفاعلين، بهدف إرساء إرث تنموي مستدام، وتحويل هذا الاستحقاق الرياضي إلى رافعة حقيقية للتحول الاقتصادي والاجتماعي وتحديث البنيات التحتية بالمملكة.





