
إنجاز: سفيان أندجار
لم يكن وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة المغربية مرتبطا بالمسار الرياضي، لكنها تدخل هذا المنصب في لحظة تجعل الرياضة واحدة من الملفات الثقيلة على مكتبها. ففي 29 شتنبر 2026، عين الملك محمد السادس المنصوري رئيسة للحكومة، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية بـ97 مقعدا، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب.
ويأتي هذا الانتقال في وقت يستعد فيه المغرب للمراحل النهائية من التحضير لكأس العالم لكرة القدم 2030، في مشروع استثماري وبنياتي ضخم، ما يجعل الحكومة الجديدة مطالبة بتنسيق عدد كبير من القطاعات المتصلة بالموعد العالمي.
لكن علاقة المنصوري بالرياضة لا تبدأ من الرباط، ولا من المونديال، ولا حتى من وزارة أو جامعة رياضية، وإنما من مراكش ومن الكوكب المراكشي.
فقبل أن تصبح رئيسة للحكومة، كانت عمدة للمدينة الحمراء، وقبل ذلك كانت محامية وبرلمانية وقيادية في حزب الأصالة والمعاصرة. غير أن نادي الكوكب كان حاضرا في محيطها العائلي والمدينة التي بنت فيها الجزء الأكبر من مسارها السياسي. وتذكر مصادر أن والدها الراحل عبد الرحمان المنصوري، الذي ارتبط اسمه بمناصب إدارية ودبلوماسية وقانونية، كان أيضا من الوجوه التي تحملت مسؤولية داخل الكوكب المراكشي. ولذلك فإن علاقتها بالنادي لم تولد مع أول اتفاقية دعم، بل سبقت دخولها المؤسسات المنتخبة.
من بيت «الكوكب» إلى كرسي العمدة
حين عادت المنصوري إلى رئاسة جماعة مراكش سنة 2021، وجدت الكوكب المراكشي في واحدة من أكثر مراحله تعقيدا. فريق جماهيري عريق، لكنه كان يعيش أزمة مالية ورياضية وإدارية، ويتحرك في بيئة صعبة فرضت تدخل عدد من المؤسسات والفاعلين المحليين.
وفي نونبر من السنة نفسها، صادق المجلس الجماعي على اتفاقية شراكة مع النادي تضمنت دعما سنويا قدره 300 مليون سنتيم لمدة أربعة مواسم، مع إمكانية رفع الدعم إلى 500 مليون سنتيم في حال صعود الفريق إلى القسم الأول. هذه الأرقام تجعل من الكوكب أحد أبرز الملفات الرياضية التي دخلت مباشرة إلى أجندة الجماعة خلال ولاية المنصوري.
ولم يكن الأمر مجرد قرار مالي عابر. ففي محاضر المجلس الجماعي، ظهرت المنصوري وهي تتحدث عن ضرورة أن تتوفر مراكش على أندية في مستوى المدينة ومكانتها، كما أكدت استعداد الجماعة لدراسة المشاريع الطموحة التي يمكن أن تعيد للكوكب موقعه بين كبار الأندية الوطنية. وفي فبراير 2022، استمر النقاش حول مستقبل النادي ودور الجماعة في مساعدته على تجاوز المرحلة الصعبة. وهنا تظهر أولى خلاصات تجربة المنصوري الرياضية من خلال المال العمومي الذي يمكن أن يفتح باب الإنقاذ، لكنه لا يصنع وحده مشروعا رياضيا.
الكوكب كان يحتاج إلى أكثر من المنحة. كان يحتاج إلى إعادة بناء الإدارة، وتسوية الوضعيات المالية، واستعادة الثقة، والعودة إلى المنافسة. وهذا ما جعل تجربة المنصوري مع النادي اختبارا مبكرا لعلاقة السياسي بالرياضة.
ظل الكوكب لسنوات يواجه أزمات متتالية، قبل أن يستعيد تدريجيا مكانته ويعود إلى البطولة الوطنية الاحترافية بقسمها الأول. وفي هذه الرحلة، ظل اسم المنصوري حاضرا ضمن قائمة الداعمين المؤسساتيين للنادي.
300 مليون سنتيم لم تكن نهاية الحكاية
تكشف تجربة الكوكب أن الدعم العمومي للرياضة في المغرب أصبح قضية تتجاوز قيمة المنح. فالنادي الذي حصل على دعم جماعة مراكش لم يكن يعيش أزمة مالية فقط، وإنما كان يواجه أيضا تحديات مرتبطة بالحكامة والاستقرار الإداري والقدرة على إنتاج الموارد.
وفي الجمع العام للكوكب المراكشي سنة 2025، أظهرت الحسابات أن مداخيل النادي خلال موسم 2024- 2025 بلغت حوالي 11.86 مليون درهم، منها خمسة ملايين درهم كمنحة من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ومليونا درهم من مجلس جهة مراكش- آسفي، إضافة إلى دعم جماعة مراكش ووزارة التربية الوطنية.
هذه الأرقام تكشف شيئا مهما بالنسبة إلى المنصوري وهي تدخل رئاسة الحكومة، أن الأندية المغربية ما زالت تعتمد بدرجات متفاوتة على منظومة دعم عمومي ومؤسساتي، بينما تظل مسألة تنمية الموارد الذاتية والاستثمار الخاص والتسويق الرياضي وحقوق الاستغلال من أكبر تحديات القطاع.
وفي حالة الكوكب تحديدا، لا يمكن تجاهل أن عودة النادي إلى الواجهة جاءت نتيجة تداخل أدوار عدة مؤسسات، وليس نتيجة جهة واحدة. الجامعة قدمت دعما، والجهة ساهمت، والجماعة حضرت، والنادي اشتغل على إعادة بناء فريقه، فيما لعبت السلطات دورا في توفير الشروط المرتبطة بالبنية والاستضافة.
كما أشاد رئيس نادي الكوكب المراكشي، في المناسبة نفسها، بمجهودات عدد من المسؤولين من بينهم المنصوري، في إعادة الفريق لخوض مبارياته بملعب الحارثي.
«رئيسة شرفية».. اللقب الذي سبق رئاسة الحكومة
في شتنبر 2025، ذهب هذا الحضور خطوة أبعد، عندما أعلن إدريس حنيفة، رئيس الكوكب، خلال الجمع العام للنادي، عن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة شرفية للفريق.
تعيين المنصوري رئيسة شرفية للكوكب ليس منصبا تنفيذيا داخل النادي، ولا يعني أنها أصبحت مسيرة رياضية، لكنه يحمل دلالة سياسية ورياضية واضحة.
فالقرار صدر عن النادي في وقت كانت فيه المنصوري ما زالت عمدة لمراكش، أي أن الكوكب اختار تكريم شخصية سياسية ومؤسساتية ربطت اسمها خلال سنوات بملف الفريق.
واللافت أن التقرير المالي للنادي في الموسم نفسه كشف حجم الاعتماد على الدعم المؤسساتي، إذ بلغت المداخيل 11.86 مليون درهم مقابل مصاريف تقارب 11.85 مليون درهم، وفق المعطيات التي أعلنها النادي خلال جمعه العام.
هنا يصبح لقب «الرئيسة الشرفية» أكثر من مجرد تكريم. إنه يلخص مسارا امتد من البيت العائلي إلى الجماعة ثم إلى النادي، قبل أن تنتقل صاحبته إلى رئاسة الحكومة.
لكن المنصوري نفسها لا تقدم صورتها باعتبارها خبيرة في كرة القدم. وفي تصريحات سابقة، تحدثت عن كونها من مشجعي الكوكب، مع اعترافها بأنها لا تفهم كثيرا في التفاصيل التقنية للعبة.
وهو تفصيل مهم، لأنه يحدد طبيعة علاقتها بالرياضة إذ يرى المختضون أن علاقة المنصوري بالرياضة هي سياسية ومدينية وعاطفية ومؤسساتية، وليست علاقة تقنية أو احترافية.
من «إنقاذ الكوكب» إلى سؤال إنقاذ الأندية
ربما تكون أهم تجربة رياضية تحملها المنصوري إلى رئاسة الحكومة هي تجربة الكوكب نفسها، ليس بسبب حجم النادي، وإنما بسبب الأسئلة التي طرحتها.
فإذا كان الدعم العمومي قد ساهم في تجاوز مراحل من الأزمة، فإن استمرار الأندية في طلب المنح يطرح سؤالا حول النموذج الاقتصادي للرياضة المغربية. ماذا يحدث عندما تنتهي المنحة؟ كيف تتحول الجماهير إلى قيمة اقتصادية؟ كيف تستفيد الأندية من حقوق التسويق والإشهار؟ كيف يمكن للملاعب أن تتحول إلى مصادر دخل طوال الأسبوع، وليس فقط في يوم المباراة؟ وكيف يمكن حماية المال العمومي من أن يتحول إلى دعم متكرر لأزمات متكررة؟
هذه الأسئلة ستصل إلى الحكومة المقبلة بشكل أو بآخر، خصوصا أن كرة القدم المغربية أصبحت صناعة مرتبطة بالاستثمار والبنيات والتسويق الدولي.
وتجربة الكوكب تقدم نموذجا مصغرا: «الدعم مطلوب، لكنه ليس بديلا عن الحكامة».
«حكومة المونديال» أمام فاتورة رياضية غير مسبوقة
المنصوري لم تدخل رئاسة الحكومة في ظرف عادي. وسائل إعلام دولية ربطت منذ اليوم الأول لتعيينها بين الحكومة الجديدة والاستعدادات لكأس العالم لكرة القدم 2030، التي ينظمها المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال. «رويترز» تحدثت عن المرحلة النهائية من التحضيرات المرتبطة باستثمارات تقدر بنحو 20 مليار دولار، بينما تناولت وسائل إعلام دولية أخرى مسؤولية الحكومة المقبلة عن استكمال الأوراش الكبرى المرتبطة بالموعد.
وهذا يجعل الرياضة في عهد المنصوري مختلفة عن الرياضة في عهد الحكومات السابقة. المونديال لم يعد ملفا تابعا لقطاع الشباب والرياضة، أو جامعة كرة القدم الوطنية فقط، بل أصبح مشروعا وطنيا تتقاطع فيه المالية والنقل والسياحة والتجهيز والأمن والجماعات الترابية والاستثمار والرياضة.
رئيسة الحكومة الجديدة ستجد نفسها، بالتالي، أمام ملف لا يمكن اختزاله في عدد الملاعب، أو الطاقة الاستيعابية. فكل ملعب جديد يحتاج إلى شبكة نقل، وكل مدينة مستضيفة تحتاج إلى بنية فندقية وسياحية، وكل مشروع رياضي يحتاج إلى نموذج استغلال بعد انتهاء المنافسة.
اختبار ما بعد 2030 يبدأ قبل صافرة البداية
الرهان الأكبر بالنسبة إلى الرياضة المغربية لن يكون فقط تنظيم مونديال ناجح. النجاح التنظيمي مهم، لكنه مؤقت. أما التحدي الحقيقي فهو تحويل الاستثمارات إلى إرث دائم.
الملاعب الجديدة يجب أن تجد استعمالا منتظما بعد المونديال. الأندية يجب أن تستفيد من تطور البنية التحتية. الرياضة المدرسية تحتاج إلى ملاعب ومؤطرين وبرامج مستمرة. الرياضات الفردية تحتاج إلى مراكز تكوين وتمويل. والمنتخبات الوطنية تحتاج إلى استمرار منظومة اكتشاف المواهب التي بدأت تنتج أجيالا قادرة على المنافسة دوليا.
وهنا يمكن أن تبرز تجربة المنصوري في مراكش، حيث لم يقتصر تعاملها مع الرياضة على فريق كرة القدم، بل امتد إلى عدد من الرياضات والمرافق. غير أن تحويل التجربة إلى سياسة وطنية يحتاج إلى قرارات حكومية واضحة، وليس فقط إلى إرادة سياسية.
الرياضة النسائية.. وملفات تنتظر الحسم
دخلت المنصوري رئاسة الحكومة باعتبارها أول امرأة تصل إلى هذا الموقع، وفي تجربتها المراكشية حضرت الرياضة النسائية، من خلال تكريم بطلات الكوكب لكرة السلة وغيرهن من الرياضيات.
لكن الانتقال من الرمزية إلى السياسة العمومية يحتاج إلى أكثر من الاحتفاء بالأبطال. الرياضة النسائية تحتاج إلى بنية تحتية، وتمويل، وتكوين، وتغطية إعلامية، ومسارات احترافية، ومنافسات قادرة على إنتاج دخل مستدام.
وإذا كان المغرب قد حقق حضورا متزايدا في كرة القدم النسائية والرياضات الفردية، فإن المرحلة المقبلة تطرح سؤالا حول قدرة الدولة على تحويل هذه النتائج إلى منظومة مستمرة.
المفارقة في مسار المنصوري الرياضي أن أهم تجربة تحملها معها إلى رئاسة الحكومة هي تجربة ناد احتاج إلى الدعم العمومي لكي ينهض، لكنه احتاج في الوقت نفسه إلى إدارة ومشروع رياضي كي يستمر.
من الصعب فصل اسم فاطمة الزهراء المنصوري عن مراكش، ومن الصعب فصل مراكش في مسارها السياسي عن الكوكب. لكن رئاسة الحكومة تضعها أمام مرحلة لا تشبه أي مرحلة سابقة.
في مراكش، كان بإمكانها أن تتدخل لدعم فريق المدينة، وأن تستقبل لاعبين، وأن تدافع عن الملعب، وأن تبحث عن حلول لأزمة النادي. أما في الرباط، فالمطلوب أكبر: سياسة وطنية، ميزانيات، قوانين، حكامة، استثمارات، بنية تحتية، وتنسيق بين مؤسسات متعددة.
والأهم أن الرياضة المغربية لم تعد ملفا ثانويا. المونديال جعلها جزءا من الاقتصاد الوطني، ومن صورة المغرب الدولية، ومن أوراش البنية التحتية والسياحة والنقل والاستثمار.
وسيكون في حجم الإصلاحات، وطريقة توزيع المال العمومي، ومستقبل الأندية، ومصير الملاعب بعد المونديال، ومكانة الرياضة المدرسية، وقدرة الرياضات الفردية والجماعية على إنتاج أبطال ومداخيل خارج كرة القدم.
وصلت فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة من مراكش، وهناك عرفت الكوكب في أزمته، ودعمته في محطات، واحتفت برياضيي المدينة، وحملت في النهاية لقب الرئيسة الشرفية للنادي. الآن، تنتقل القصة إلى مستوى آخر تماما.





