حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

من يحمي أبناءنا من تجار الموت؟

نعيمة لحروري

ليس أشد قسوة على أم من أن تفقد ابنها، إلا أن تفقده وهو لا يزال حيا. أن تراه كل يوم أمامها، تسمع صوته وتلمس جسده، لكنها لا تعثر فيه على ذلك الطفل الذي ربّته من لحم قلبها. أن تفتش في عينيه عن بقايا البراءة، فلا تجد غير نظرة زائغة، وروح أطفأتها المخدرات قبل أن يطفئها الموت.

تلك مأساة تتكرر خلف أبواب بيوت مغربية كثيرة، في صمت موجع، بعيدا عن عدسات الكاميرات وصخب الخطابات. أمهات يبكين أبناء لم يموتوا، وآباء يوارون انكسارهم خلف وجوه أنهكها العجز، وأسر تحولت حياتها إلى انتظار مرعب لما قد يحمله الغد.

لقد صارت المخدرات تتربص بشبابنا، ذكورا وإناثا، وتختطف من بين أيدينا أعمارا كان يفترض أن تزهر. لم تعد الفاجعة حكرا على الأحياء الهامشية، ولا على أبناء الفقر والحرمان. فقد يطرق الإدمان أبوابا لم تتخيل يوما أن الخراب يعرف عنوانها، وقد تسقط فيه فتاة كانت بالأمس تتباهى بشهاداتها، أو شاب كانت أسرته تنتظر منه أن يحمل عنها تعب السنين.

كم من أم أصبحت ترتجف كلما رن هاتفها ليلا، خشية أن يكون المتصل يحمل إليها خبر اعتقال ابنها، أو العثور عليه جثة هامدة؟ وكم من أب صار يخفي نقوده عن فلذة كبده، ويغلق باب غرفته بالمفتاح، بعدما كان يفتح له قلبه وذراعيه؟ وكم من أخت تخجل من البوح بمأساتها، وكم من أخ يذوب حزنا وهو يرى سنده يتحول إلى شبح؟

أي قهر هذا الذي يجعل الإنسان يخاف ممن يحب، ويبكي من أجل من لا يزال على قيد الحياة؟

والأوجع أن بعض الأسر لا تجد حتى حقها في طلب النجدة. تستنزف مدخراتها في العلاج، وتبيع ما تملك، وتطرق أبوابا موصدة، ثم تعود إلى البيت مثقلة بالخيبة، لتبدأ رحلة العذاب من جديد. أما الفتيات، فتضاف إلى محنتهن قسوة الأحكام الاجتماعية، فيُدفن وجعهن تحت ركام الخوف والعار والصمت.

وفي المقابل، نمضي في الحديث عن التنمية والإصلاح والأوراش الكبرى، ونحصي الاستثمارات والإنجازات، بينما يتهاوى شباب في عمر الأحلام.

أي إصلاح هذا الذي لا يبدأ بإنقاذ الإنسان؟ وأي مستقبل نبنيه إذا كان الذين سنسلمه إليهم يضيعون أمام أعيننا؟

لا أريد أن أختزل هذه المأساة في مسؤولية الأسرة، ولا في تقصير المدرسة، ولا في البطالة وحدها. فالإدمان جرح تتداخل فيه الهشاشة النفسية والاجتماعية، وسهولة الوصول إلى السموم، وغياب الوقاية والعلاج.

ولذلك، فإن محاربته تستحق أن تتصدر أولويات السياسات العمومية: بملاحقة المروجين، وحماية محيط المدارس، وتوفير مراكز علاج متاحة، ومواكبة نفسية واجتماعية، وإعادة إدماج من يريدون النجاة.

فالمدمن ليس رقما في محضر، ولا عارا ينبغي إخفاؤه. إنه إنسان قد يكون مريضا، وله أم تنتظر عودته، وأب يتمنى أن يسمع منه كلمة تطمئنه.

إنني أخشى، أكثر من المخدرات نفسها، أن نألف منظر الضياع، وأن تصبح دموع الأمهات خبرا عاديا، وأن نفقد القدرة على الغضب من أجل أبنائنا.

يا من تدبرون شؤون هذا الوطن، أصغوا إلى بكاء البيوت قبل التصفيق للإنجازات. فهناك أسر لا تطلب ثروة ولا امتيازا، بل تتمنى فقط أن تستيقظ صباحا فتجد أبناءها كما كانوا.

ما أقسى أن تحلم أم بشهادة ابنها الجامعية، ثم يصبح أقصى حلمها أن تراه متعافيا!

وما أفدح أن نبني وطنا بكل هذه الطموحات، ثم نكتشف أننا تركنا أبناءه يسقطون واحدا تلو الآخر.

أنقذوا شبابنا.. فثمة أمهات لم يعدن يسألن الله نجاح أبنائهن، بل أصبحن يتضرعن إليه ألا يدفنهم بأيديهن.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى