عندما رغب المغرب في بيع أغنيائه للخارج بآلاف الفرنكات

عندما رغب المغرب في بيع أغنيائه للخارج بآلاف الفرنكات

«لقد أبقيت على بعض المال مخزونا. عندما غادر مولانا عبد العزيز فاس، وغادر معه رجال المفوضية الإنجليزية ومعهم بقية النصارى، أصبحت مهددا أيضا في مالي. لأنني واحد من المحميين الذين يرون فيهم خونة الآن. وإلى أن تستقر الأوضاع مجددا وتعود المفوضية الإنجليزية لتوفير الحماية، قد أكون تعرضت لبطش القايد. عندها ستنتهي أيامي مسجونا أعاني الجوع وتكسر عظامي من طرف أولئك الذين يحسدونني الآن. نحن المؤمنون نعتقد أن سيدنا المولى عبد العزيز (بارك الله في عمره) مؤمن تقي ومسلم. ولا نصدق ما يقوله عنه المتطرفون». الكلام هنا لعبد الله بن مقتة، وهو فاسي ومن أغنياء فاس قبل قرن من الآن، يتحدث عن الحماية التي حصل عليها من طرف بريطانيا. هكذا بدأت القصة..

عندما رغب المغرب في بيع أغنيائه للخارج بآلاف الفرنكات
بدأ كل شيء عندما أصبح بعض التجار والأغنياء داخل المغرب يحملون أوراقا تجعلهم بمثابة مواطنين أوربيين. لم يهضم أحد هذه المسألة، إذ لم يكن من المعقول أبدا أن يكون مغربي خالص، أوربيا ولو في الأوراق. لم يكن هناك حديث عن تمتيع بالجنسية الأوربية، لأن المغاربة وقتها لم يكونوا يفهمون في هذه الأمور، لكن المحمي، بحسب كتب التاريخ، هو مغربي «محظوظ» توفر له قنصلية دولة أوربية الحماية على أرضه وتمنحه شهادة تضمن له نفس الحقوق التي يتمتع بها مواطنوها في المغرب. وهكذا يصبح المحمي المغربي ضمنيا محسوبا على الأجانب وليس على المخزن.
في هذا الملف، سنتطرق إلى قصص بعض التجار المغاربة الأغنياء، وسنرى كيف أنهم أصبحوا محميين تابعين لدول أخرى مثل فرنسا وبريطانيا خصوصا، وألمانيا وإيطاليا بالنسبة لقلة أخرى من المغاربة.
ما حدث هو أن المغرب لم يتقبل هذا الأمر، هكذا بكل اختصار، لأن تفاصيل هذه الوقائع تقتضي أن نعود إليها بالتدقيق لفهم الوضع أكثر، وهذا ما توفره لنا القصص التي سنوردها في هذا الملف. ما يهم الآن، كبداية، أن نعرف موقف الدولة المغربية بكل سيادتها ورمزيتها من قضية مماثلة.
ليس سهلا أن يستيقظ أصحاب المال والتجار والأعيان، ذات صباح ويصبحوا هكذا غير تابعين للقانون المغربي، خصوصا وأن المغرب كان يعيش أزمة خانقة كانت حدتها تتذبذب طيلة خمسين سنة تقريبا، منذ 1960 بل وحتى في السنوات الأخرى التي تلت توقيع عهد الحماية مع فرنسا سنة 1912، ليصبح المحميون واقعا مفروضا، ويصبحوا قادرين على العيش خارج المغرب بعد أن كان وجودهم متركزا داخله فقط.
السبب في لجوء المحميين المغاربة إلى حماية الدول الأجنبية في هذه الفترات، هو أن الدولة المغربية كانت تلجأ إلى نظام الضرائب كلما فرغت خزينة الدولة، وهو الأمر الذي جعل هؤلاء يتذمرون، خصوصا وأن بعض خدام المخزن كانوا يستهدفون بعض التجار، ويلاحقونهم بتهم من قبيل التهرب من أداء الضرائب، حتى أن بعض القياد والباشاوات كانوا يطلقون «المخازنية» في الأسواق بحثا عن بعض التجار، ويخربون ممتلكاتهم لإجبارهم على أداء بعض الضرائب التي كان أغلبها لا يذهب إلى خزينة الدولة أصلا، وإنما إلى جيوب الموظفين.
عندما علم القصر بالأمر، عاقب المتورطين، ولجأ إلى إصلاح ضريبي في أكثر من مناسبة، لكن المعضلة استمرت، وأصبحنا في المغرب أمام واقع حصول هؤلاء الأثرياء والتجار المتوسطين على الحماية الأجنبية، وهكذا أصبحوا يمتنعون عن أداء الضرائب للدولة، بحجة أنهم لا يخضعون للقانون المغربي أساسا.
هذا الأمر جعل بعض النافذين في المخزن يفكرون في تهديد من شأنه أن يعيد هؤلاء التجار إلى صوابهم، أو هكذا ظنوا على الأقل، وأطلقوا خبرا يفيد أن المغرب يرغب في بيع أغنيائه جميعا لأوربا، وأن على المغرب أن يربح على الأقل حوالي 300 ألف فرنك، في ذلك الوقت، ولن يمانع في السماح لهؤلاء التجار المغاربة والأعيان بمغادرة المغرب نهائيا.
سرى الأمر، رغم أنه لم يكن رسميا، كالنار في الهشيم، وصدق البعض أن المغرب فعلا سيبيع أغنياءه. لكن الصدمة كانت أن أوربا لم تقبل بالقرار من أساسه، وأوضحت للمحميين المغاربة أنها مسؤولة عن توفير الحماية لهم في المغرب فقط، وهكذا فهمت الدولة أن المحميين المغاربة ليسوا إلا مسامير في المائدة، وأن الغرض من توفير أوربا الحماية لهم، سياسي بالأساس، لمضايقة المغرب.
لكن التاريخ استمر في المضي إلى الأمام ورأينا جميعا كيف أنه بوصول سنوات الأربعينات من القرن الماضي، كان المغرب قد ضاق ذرعا بممارسات بعض المحميين، وصادر ممتلكاتهم بالقوة، لتتدخل فرنسا لأداء مبالغ مالية للمغرب، مقابل السماح لمحميين من قبيل بن عبو وبناني والصغير، لكي يغادروا المغرب في تاجه فرنسا ليجنبوهم الانتهاء في السجن أو المنفى الإجباري بالمغرب عقابا لهم. وهكذا حصل المغرب على آلاف الفرنكات مقابل السماح لبعض الأسماء بالهجرة، وازداد عدد المرشحين المغاربة سنة 1954 ليغادروا بالطريقة نفسها تقريبا، وتدفع عنهم فرنسا آلاف الفرنكات حتى لا يُسجنوا في المغرب وحتى لا تصادر ممتلكاتهم أيضا.

نخبة المحميين.. كانوا هاربين من الاغتيال وبدؤوا حياة جديدة من الصفر

لم يكن هينا على الدولة المغربية أن ترى أكثر مواطنيها جمعا للمال، يتنصلون من القانون المغربي ويمتنعون عن أداء الضرائب، ويشهرون وثائق الحماية الأجنبية الموفرة لهم في وجه السلطة المغربية. كان الأمر أشبه بخيانة كبيرة للدولة.
من وجهة نظر هؤلاء المحميين، فإن الدولة كانت عاجزة عن توفير الحماية لهم ولأموالهم، لذلك لجؤوا إلى أول عرض أجنبي لتمتيعهم بالحماية اللازمة، ليقبلوا به.
سنرى في هذا الملف شهادة موثقة لأحد المحميين نُشرت في بريطانيا، لكي تبرر الأخيرة لمواطنيها هناك سبب توفيرها الحماية لمغاربة بعينهم في بلدهم. وقبل ذلك، سنرى أولا إن كان هؤلاء المحميون على حق.
لم تكن الجرائد الفرنسية ولا الإنجليزية التي كانت تستقي أخبار المغرب تنشر غير أخبار الاعتداءات والثورات، ورغم ذلك فقد كانت السلطات الرسمية هناك تستقطب مواطنيها الأصليين لاتخاذ قرار الهجرة نحو المغرب والعيش هناك مقابل امتيازات. ما يهمنا هنا، هو الوضع الأمني للمغرب، فقد تعرضت منازل عدد كبير من الأغنياء للنهب، بعدما شاع خبر مفاده أن الأثرياء في دكالة وعبدة ومراكش، يمتنعون عن أداء الضرائب للدولة، وقد سرت إشاعة أطلقها القياد في كل مناطق المغرب، تقول إن سبب المجاعة التي يعاني منها المغاربة هم الأغنياء لأنهم يحتكرون السلع. كان هذا أواخر سنة 1897، إذ إن المغرب مر بمجاعة فظيعة بسبب الجفاف والضرائب التي أثقلت كاهل الناس، فالمخزن بدوره كان يحتاج إلى المال لأداء أجور الجنود وموظفيه، وكانت خزينة الدولة فارغة تماما في كثير من المناسبات.
وهكذا أعتقد الناس أن سبب اختفاء الحبوب من الأسواق راجع إلى احتكارها من طرف الأغنياء، وقامت عدد من القبائل بثورة ضد التجار واقتحمت مخازنهم ومنازلهم التي كانت تشبه قصورا طينية مصغرة، وكانت المفاجأة كبيرة عندما لم يجد الثوار إلا موارد غذائية قليلة في مخازن هؤلاء التجار. لكن الأحداث وقتها كانت قد اتجهت في اتجاه التصعيد، وكان بعض القياد يوجهون الغاضبين نحو منازل وإقامات الأثرياء الذين كانت لديهم حسابات مع المخزن، وهكذا هاجر عدد من التجار خائفين، ولم يحملوا معهم إلا أبناءهم ونساءهم، وبعض الدواب ليفروا على متنها بعيدا عن معاقل المعارك، ويدخلوا إلى فاس متنكرين حتى لا يتعرف عليهم أحد. وفعلا فقد وصل عدد من التجار إلى فاس في السنة ذاتها وبدؤوا تجارة جديدة، بمساعدة بعض أثرياء فاس، وهو الأمر الذي جعل المدينة تصبح مع بداية سنة 1900 قطبا ماليا مغربيا منتعشا، لأنه شهد ميلاد جيل جديد من الأثرياء. هذا الأمر قاد إلى أن تصبح فاس عشا حقيقيا للمحميين المغاربة. وبمجرد وصول سنة 1912، وتوقيع عقد الحماية مع فرنسا، حتى أصبح هؤلاء أكثر قوة، حتى أن بعضهم أصبحوا يتنقلون بسهولة بين المغرب وفرنسا، ومنهم من تزوج نساء فرنسيات وآخرون وجهوا أبناءهم إلى الاشتغال في فرنسا ودخول المعاهد هناك. فيما كانوا في المغرب ملاحقين بنعوت من قبيل التكفير.
لكن المثير أن بعض الاقتراحات، قبل وصول سنة 1912، كانت تقترح على المخزن أن يبيع المحميين بشكل نهائي إلى الدول التي منحتهم الحماية، وكانت الدولة فعلا قد سعت في هذا الاتجاه.

شهادة نادرة لمحمي فاسي اسمه عبد الله بن مقتة تعود لـ1909: «أنا محمي ولولا الإنجليز لبطش بي القايد ولرُميت في السجن»
ما سنورده هنا يعود إلى سنة 1909. ننشر هنا مقتطفا من مذكرات إنجليزية لصاحبها السيد لاورنس، بعنوان «خلف الكواليس في فاس». وهو صحافي ورسام بورتريهات. الكواليس الخلفية التي يرويها لاورنس في هذا المقطع الذي ترجمناه إلى العربية، تذكر فعلا ما يقع خلف الأبواب المغلقة في فاس، خلال الأيام التي تحولت فيها السلطة من يد عبد العزيز إلى أخيه عبد الحفيظ. فقد كانت فاس، وهي العاصمة وقتها، تعيش ثورة حقيقية وانفلاتا أمنيا غير مسبوق سببه الحرب بين أنصار الفريقين. وهنا نورد قصة عبد الله بن مقتة، وهو من أثرياء فاس وأعيانها، وحاصل على الحماية البريطانية ويحظى بعلاقات وطيدة هرم السلطة، لكنه لجأ إلى حماية الإنجليز ليحمي ثروته من النهب. يقول لاورنس بهذا الخصوص:
«جلسنا على الفراش لنتحدث مع صاحب البيت، اسمه عبد الله بن مقتة. قدم لنا نفسه على أنه تاجر وصاحب محل كبير في سوق المدينة، بالإضافة إلى محل آخر في «البازار»، وله تجارات أخرى في مختلف مناطق المغرب. كان منزله بمثابة ملتقى لكافة جهات البلاد، حيث يزوره التجار من كل صوب لمناقشة أمور التجارة والبيع والشراء.
خلال مقامي بفاس، تعودت على شرب الشاي في حديقة إقامته في المساء. وفيها التقيت بأصدقاء كثيرين. في الليالي كنا نجتمع في دائرة، ليبدأ كل واحد منا في سرد حكايته وتفاصيل حياته. في المغرب، لم يكن هناك أي رابط للاتصال بين المدن البعيدة. لذلك كان تلك الجلسات فرصة تبادل الأخبار وسرد الأحداث وربطها ببعضها. جاء إلينا عبد أسود ينقل إلينا طلب سيده كي نحضر عنده حالا.
تناولنا وجبة محترمة، مطهية بإتقان في مائدة بمختلف أصناف الأكل. كانت فاس تغلي كليا، وكان الناس متعطشون لمعرفة ما يجري في المدن المغربية الأخرى.
قال لي عبد الله بن مقتة إن الرجال الذين يرافقوني من شأنهم أن يذيعوا في فاس أن هناك صحفيا إنجليزيا قادما من خلف البحار. وهو ما سيجعل الخبر يصل سريعا إلى السلطان، ولا بد أن يطلب السلطان حضور الصحفي حتى يستمع إليه. ولن أحتاج إلى تقديم الرسائل التي أحضرتها معي من طنجة لمقابلة السلطان، سوف تكون كل الأبواب مفتوحة أمامي.
عبد الله قال لي إنه حظي منذ الآن بشرف استقبالي في منزله الخاص، وإنه يتوق ليخبر أصدقاءه بالقصص التي حكيتها له عن الأرض التي لا تغرب عنها الشمس.
وضعت أمامنا صينية نحاسية كبيرة عامرة باللوز والتمور. كان فوقها تمر رائع من منطقة تافيلالت. بعد تذوق ما على الصينية الكبيرة، شرعنا في تدخين السجائر. خلال تلك الجلسة لم يخل بيته من الزوار، كان هناك تجار يأتون لتغيير العملة وآخرون لأداء ما في ذمتهم من مال. جاء أيضا صاحب جمل محمل بالقطن. كان يأتي بعض الناس للاستجداء والحصول على صدقات، وآخرون لبيع ما في جعبتهم من بضائع».
قام عبد الله بن مقتة بإعطاء أمره لجلد أحد العبيد، لأنه تسبب في كسر إبريق. واسترسل في الحديث إلينا: «البركة التي يحظى بها منزلي والرواج الذي يعرفه، بفضل توفيق الله وحده، هي التي تجعل هؤلاء الناس يقصدون بيتي باستمرار. وهي التي أتت بكما إلي لأتعرف عليكما. وأنا وحدي من سأخبركما بالحقيقة حتى تكتبانها، وسأحفظ لكما مقامكما عندي لإتمام مهمتكما من بلدكما الجليل. أنتما تعلمان أنني غني ولا أخاف أن تقتحم ملكيتي. آمل حقا أن تنتهي القلاقل التي تقع ببلدي، فأنا طاعن في السن وعظامي واهنة.
لقد أبقيت على بعض المال مخزونا. عندما غادر مولانا عبد العزيز فاس، وغادر معه رجال المفوضية الإنجليزية ومعهم بقية النصارى، أصبحت مهددا أيضا في مالي. لأنني واحد من المحميين الذين يرون فيهم خونة الآن. وإلى أن تستقر الأوضاع مجددا وتعود المفوضية الإنجليزية لتوفير الحماية، قد أكون تعرضت لبطش القايد. عندها ستنتهي أيامي مسجونا، أعاني الجوع وتكسر عظامي من طرف أولئك الذين يحسدونني الآن. نحن المؤمنون نعتقد أن سيدنا المولى عبد العزيز (بارك الله في عمره) مؤمن تقي ومسلم. ولا نصدق ما يقوله عنه المتطرفون.
لم نكن نحب أن نرى الأموال تصرف على شراء الألعاب والآلات التي تسير دون أن تجرها الحيوانات. إنها مسكونة بالشر والأرواح الشريرة. رأينا كيف أن السلطان ركب مرة واحدة من تلك الآلات مع أصدقائه النصارى، وقطعوا بها المدينة في رحلتهم إلى إحدى الحدائق. نساء السلطان أيضا كن يتعلمن التوازن وهن يركبن تلك العجلات التي تسمونها أنتم «درّاجات»، أمام أعين الرجال. ونحن نعلم أن تلك العجلات ليست للمؤمنين الذين يخافون الله. كان النصراني يطل من نافذته ويضحك على النساء اللواتي يسقطن أرضا بتلك العجلات. عندما علمت القبائل بهذه الأمور، صاح الجميع عاليا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا نريد المزيد من هذه الأمور».
هنا تبدو معالم المحمي واضحة بدون مساحيق. لأن بعض الكتابات الأخرى بالغت في الحديث عن أساطير يعيشها المحميون، أولها أنهم غيروا مثلا ديانتهم إلى المسيحية، والحقيقة أن الأمر يبقى إشاعات كما أفاد عدد من الباحثين في تاريخ المغرب، حيث لم يجدوا دليلا واحدا على تحول أغنياء المغرب المحميين إلى الدين المسيحي. وهكذا يبقى سبب حصولهم على الحماية الأجنبية اقتصاديا بالأساس وسياسيا أيضا، ولم يقترب من الجانب الديني أبدا. خصوصا وأن بعض المسؤولين الأجانب، كتبوا في مذكراتهم، لا يتسع المجال هنا لإيرادها، خصوصا وأنها تتناول موضوعا ثانويا، أن بعض أصدقائهم المحميين المغاربة، كانوا يحرصون دائما على أداء فرائضهم الدينية في المساجد، وكانوا يستأذنون، خلال الاحتفالات التي يتجمع فيها ممثلو القنصليات الأجنبية في المغرب والسفراء.. إلخ، لأداء الصلوات في وقتها.
ابن مقتة، لم يكن إلا واحدا من المحميين الكثر الذين كانت تزدحم بهم فاس، فقد كانت المدينة تستقطب أغلب المحميين المغاربة، أو لنقل إن أغلبية المحميين كانوا فاسيين بالأساس، ينضاف إليهم بعض المراكشيين الأثرياء، ويهود الصويرة الذين كانوا يمثلون لوحدهم قطبا ماليا مغربيا خالصا هناك بمحاذاة الميناء، وكان حصولهم على الحماية الأجنبية طعنة كبيرة للمخزن، لأنهم كانوا يمثلون موردا مهما للضرائب السنوية التي تحصل عليها الدولة، خصوصا أيام المولى الحسن الأول. ينضاف إلى هؤلاء محميون آخرون في طنجة، وقد كانوا في الأغلب ينتمون إلى الأسر المعروفة هناك، وحصلوا على الحماية مكافأة لهم على الخدمات التي كانوا يقدمونها هناك للأجانب، حتى أن بعضهم، مثل بنغريط، كان قد حصل على حماية الألمان ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، فقد كان سنة 1908 يمثل ألمانيا في قصر فاس، وكان يأتي رفقة الوفد الألماني من طنجة ليقف أمام قصر فاس في انتظار دوره لمقابلة الملك شخصيا، ومحاولة إقناعه بالتعاون مع ألمانيا.

قصة التاجر الذي حماه الألمان في مراكش وتسببت له فرنسا في الإفلاس
لم يكن أحد في مراكش، أواخر عهد المولى الحسن الأول، يعلم أن الضرائب التي كان مخططا أن تُفرض على عدد من التجار، قد تتسبب في سخط أغلبهم ليتجهوا صوب القنصليات الأجنبية للاحتماء بها، خصوصا وأن الناس وقتها لم يكونوا قد سمعوا بمصطلح الحماية بعد. التجار والأغنياء أنفسهم لم يكونوا يعلمون أي شيء عن الحماية، لكن الطعم الذي ابتلعه عدد منهم تمثل في عدد من التطمينات التي تلقوها من أصدقاء أجانب، بخصوص حماية أموالهم عبر تمتيعهم بالقوانين التي تسري على الأجانب وحدهم، أي أن الدول الأوربية مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، قد فكرت مبكرا في إغراء أغنياء المغرب و«رجال أعماله» الناجحين، وحتى بعض سياسييه، بالجنسية الأجنبية حتى لا يسري عليهم القانون المغربي. لأن الدولة المغربية وقتها، منذ عهد المولى عبد الرحمان تقريبا، قد بدأت في سن عقوبات مالية صارمة في حق التجار الذين كانوا يراكمون الثروة، لأن بعضهم كانوا يلجؤون إلى احتكار السلع أيام المجاعات، وهكذا فقد أصبح وضعهم غير مريح لتلجأ الدول الأوربية إلى اصطيادهم. وقد نجحت في هذا المسعى، ففي ظرف سنوات قليلة فقط، أصبح هناك مغاربة نافذون جدا ويتحكمون في السوق المغربية، لكن لا يسري عليهم القانون المغربي.
بالعودة إلى قصة التاجر المغربي، فقد ذكرت إحدى مراسلات القنصلية الفرنسية، التي كانت موجهة في إطار المراسلات السرية وقتها، لتتحول الآن إلى وثيقة تاريخية لا أقل ولا أكثر، أن «بن إبراهيم»، وهذا اسمه، يعيش وضعا مقلقا أواخر أيام المولى الحسن الأول، وأن أصدقاءه داخل القصر الملكي في فاس مهددون في أي لحظة بالإبعاد عن السلطة، خصوصا وأن «باحماد» كان وقتها يعيش صراعا مع آل الجامعي. وكان «بن إبراهيم» هذا، على علاقة وطيدة بباحماد وكان يتوسط له باستمرار لكي يسهل شؤونه التجارية دون أن يكون مضطرا إلى أداء الضريبة على ما يدخله إلى سوق مراكش من سلع، أو ما يوجهه إلى الأسواق الأخرى من هناك.
كان هناك بعض الفرنسيين الذين تعرف عليهم بن إبراهيم في مراكش، وقد كان يلتقيهم بانتظام مرات متفرقة خلال السنة. هؤلاء الفرنسيون كانوا ينسجون علاقات مع الأغنياء المغاربة. وفي إحدى الجلسات، كان بن إبراهيم قد جاء لتوه من منزل باحماد القريب من قصر فاس، وقد لاحظ التاجر أن وزير الدولة الأول، باحماد، لم يكن مرتاحا بشأن وضعه داخل السلطة وأسرّ له أنه خائف على منصبه من آل الجامعي. وهكذا وجد الفرنسيون الفرصة سانحة، خصوصا وأن الذي أبلغ القنصلية بالمعلومة عسكري برتبة قائد، وأشار في المراسلة السرية إلى أنه التقى في مأدبة عشاء بثري مراكشي اسمه بن إبراهيم، وهو قلق بشأن وضعه مع جهاز المخزن لأن الوزير الذي يسنده يعيش وضعا سياسيا غير مريح. وهكذا اقترحت فرنسا على بن إبراهيم تمتيعه بحقوق الجنسية الفرنسية وتوفير الحماية له.
يصعب القول إن بن إبراهيم هو أول المحميين في مراكش، لكن الأكيد أنه من الأوائل الذين ذُكرت أسماؤهم في ذلك الوقت. وهكذا كان بن إبراهيم يعتقد أنه حمى نفسه من أي ضرائب، وقد كان حدسه مبالغا في الترقب، فبعد وفاة المولى الحسن الأول كان باحماد قد تقوى أكثر من السابق، لكن وفاته بعد ذلك بسنوات ومجيء عبد الحفيظ إلى السلطة سنة 1908، جعلا بن إبراهيم يدرك مدى قيمة الحماية التي قدمتها له فرنسا، لأن بعض موظفي المخزن كانوا يضغطون على التجار لجمع الضرائب، وعندما وصلوا إلى إقامة بن إبراهيم، صفق الباب في وجههم، وأشهر أمامهم ورقة مختومة بطابع فرنسا، تشير إلى اسمه على أنه واحد من الرعايا الفرنسيين وأن أي اعتداء يطاله في المغرب، هو اعتداء على فرنسا. وهكذا أصبح المغرب أمام معضلة حقيقية، عندما أُشهرت وثائق مشابهة في وجه السلطة وفي أكثر من مدينة.

هكذا كفر علماء مغاربة أثرياء البلاد
كان العلماء المغاربة يوزعون نظرات صارمة كلما عبروا إلى المساجد أو أماكن التجمعات الخاصة بهم. لم يكن سهلا أن يتقبلوا المسار الذي عرفه المغرب منذ اليوم الأول الذي أصبح فيه بعض التجار محميين. كان هذا الكلام في وقت مبكر بطبيعة الحال، فبعد سنة 1912 أصبح بعض العلماء والفقهاء محميين ولو بشكل غير مباشر. لكنهم قبل تلك السنة، ذهبوا إلى حد تكفير كل الذين كانوا حاصلين على الحماية الأجنبية، لأن الأمر شكل معضلة كبيرة للدولة.
بعض الأعيان كانوا كرماء جدا مع المساجد، وبعض التجار كانوا قد ذهبوا إلى حد التكلف بمصاريف بعض الزوايا وتخصيص ذبائح يومية للضيوف. لكن المشكلة أن المخزن أسس لوقيعة كبيرة بين أثرياء المغرب وفقرائه، لأن الدولة كانت تحتاج إلى المال، والأغنياء كانوا يمتعضون دائما من ثقل الضرائب التي تفرضها عليهم الدولة، خصوصا وأن هناك غيابا للتكافؤ في فرض تلك الضرائب، لأن بعض المقربين من الوزراء والنافذين كانوا يُعفون من أدائها، أو يقدمون رشاوى على شاكلة «هدايا» لأصدقائهم، حتى يتغاضوا عنهم أثناء جمع الضرائب.
ولكي نفهم الصورة أكثر، يجب أولا أن نعرف الطريقة البدائية التي كانت تجمع بها الدولة الضرائب. فقد كان الأمر يصدر من القصر، ويتكلف موظفو المخزن بالقيام بجولات تمشيطية لجمع الضرائب لصالح الدولة، وأحيانا بالقوة من منازل المواطنين ومحلات التجار. هذه الطريقة كانت تضيع على الدولة مبالغ مهمة، لأن جامعي الضرائب التقليديين وموظفي المخزن، كانوا يدسون بعضها في جيوبهم، ورغم الإصلاحات التي باشرتها الدولة بهذا الخصوص إلا أنها لم تنجح أبدا في حماية الضرائب من النهب أو ضمان جمعها بطريقة عادلة على الأقل. هذا الأمر ساهم في ازدياد ممانعة الأغنياء. واستغلت الدول الأوربية هذا الأمر، خصوصا وأن نخبة الأوربيين في المغرب كانوا قد ربطوا صداقات مع تجار المغرب وأغنيائه، وهكذا قدموا لهم خدمة كبيرة تتمثل في مساعدتهم على التنصل من القانون المغربي وبذلك يصبحوا خارج نفوذ دائرة المخزن، ولن يكون عليهم أداء الضرائب للدولة المغربية. وسيصبحون بمثابة رعايا أجانب في المغرب، مع فرق بسيط هو أنهم مغاربة!
جاء هذا الأمر في وقت كان فيه المغرب يعيش احتقانا حقيقيا، لأن المغاربة بما في ذلك أعلى سلطة في البلاد، لم يتقبلوا أبدا وجود الأجانب في المغرب، وتغلغلهم في كل مناحي الحياة. هكذا أصبح علماء الدين، خصوصا في مراكش، وسوس، حانقين على هؤلاء التجار والأثرياء الذين أصبحوا يتوفرون على أوراق الحماية الأجنبية، وأصدر بعض العلماء فتاوى تُكفر كل الذين حصلوا على ذلك الامتياز. بينما ذهب أعوان السلطة من قياد وباشاوات، إلى حد اتهام هؤلاء التجار بالخيانة العظمى وقاموا بتأجيج الناس ضدهم، لكن فرنسا وبريطانيا راسلتا، بشكل أحادي، القصر في فاس، ليشيروا إلى أنهم لن يقبلوا أن يتعرض أي مواطن تحت حمايتهم للأذى على يد أبناء جلدته، وكانت المراسلات التي تتوفر في أرشيف بريطانيا وفرنسا أيضا، تبتعد عن لغة الوعيد أو التهديد، وتميل أكثر إلى لغة الحوار أو محاولة فرض واقع جديد يقبل بوجود محميين مغاربة داخل البلاد.
وهكذا بقيت لعنة «التكفير» تلاحق أغلب الذين كان الشارع غاضبا منهم، لكن الحقيقة أنهم كانوا غير آبهين أبدا لما يحيط بهم ما داموا يتمتعون بحماية بفضل الأوراق التي يتوفرون عليها، وبنوا لأنفسهم حياة جديدة تماما بعيدا عن الواقع المغربي. وهكذا أصبحت موجة تكفير العلماء لهم، بدون نتيجة تقريبا، رغم الغضب الذي أججته في نفوس المغاربة العاديين لفترة، قبل أن يتعايشوا هم أيضا مع الوضع.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *