شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

أوراق منسية من تاريخ الاتفاقيات بين فاس ولندن

الغنجاوي.. راعٍ أصبح «مهندسا» للدبلوماسية البريطانية المغربية

يونس جنوحي

مقالات ذات صلة

«مخطئ من يظن أن الاتفاقيات بين المغرب وبريطانيا، والتي تشمل الآن مشاريع الطاقة المتجددة وأحدث تكنولوجيات الملاحة البرية والبحرية، وليدة السياق الدولي الحالي. بل هي علاقات ضاربة في القدم وتعود إلى خمسة قرون خلت.

تاريخ كامل لم يُسلط عليه الضوء، يكشف معطيات مثيرة وقصصا أبطالها أشخاص حقيقيون عاشوا فعلا في المغرب، قبل قرون، وحاولوا استثمار العلاقات البريطانية المغربية لصالحهم.

كيف بدأت الاتفاقيات بين المغرب وبريطانيا؟ ومن استفاد منها؟ وكيف تنافس أشهر التجار والدبلوماسيين الإنجليز على بسط نفوذهم.. والأهم، كيف حوّل مغاربة حقيقة وجود الإنجليز بيننا إلى مشروع لمراكمة الثروة؟

في هذا الملف نورد قصة رجل مغربي اسمه أبو بكر الغنجاوي، بدأ حياته راعيا للغنم، لكنه بفضل تاجر بريطاني صار من أثرياء المغرب وأحد أقرب «المستشارين» إلى القنصل البريطاني، وكانت تقاريره موثوقا بها، وكافية لسن القرارات!».

 

 

++++++++++++++++++++++

من راعي غنم إلى أشهر ممثل دبلوماسي لبريطانيا في عهد محمد الرابع

قصته تستحق فعلا أن تتحول إلى فيلم سينمائي. اسمه أبو بكر الغنجاوي، وربما ما كان أحد لينتبه إلى أثره، لولا أن الباحث المغربي د. خالد بن الصغير، الذي تخصص في المراسلات المغربية البريطانية، اكتشف وهو في غمرة انهماكه صيف سنة 1987 عددا من الرسائل في الأرشيف البريطاني، مكتوبة باللغة العربية، وموقعة من طرف أبو بكر الغنجاوي، أرسلها إلى جون دراموند هاي، الذي كان دبلوماسيا في المغرب لعقود وتعرف على المغاربة جيدا في الفترة ما بين 1846 و1886.

الأرشيف البريطاني، يصف أبو بكر الغنجاوي الذي صار لاحقا صديقا لأشهر دبلوماسيي بريطانيا وسفرائها في المغرب، بأنه كان مجرد شاب ينحدر من وسط فقير، اشتغل في رعي الغنم، وعاش حياة فقيرة إلى أن انقلبت أحواله عندما تعرف على تاجر بريطاني، كان ممثلا لقنصل بلاده في منطقة آسفي. هذا التاجر البريطاني كان ينوب عن شركة بريطانية معروفة، ويستفيد من وضع اعتباري «فوق العادة» في المغرب. والخدمات التي قدمها له أبو بكر الغنجاوي في البداية لم تتعد إرشاده عبر الطرق وتأمين تنقلاته بين آسفي ومراكش.

إلا أن دهاء أبي بكر الغنجاوي أسعفه مع نهاية ستينيات القرن التاسع عشر واستغل جيدا تلك العلاقة بينه وبين ممثل القنصل البريطاني في الجنوب المغربي، واستطاع مراكمة ثروة مهمة لصالحه، مستغلا رغبة التجار المغاربة والأعيان في الفوز بصداقة البريطانيين. كما أنه عرض خدماته على البريطانيين، واتُهم في بعض الأحيان بأنه كان جاسوسا لبريطانيا، والحال أنه كان مساعدا للتاجر Hunot.

علاقة بعض «المغامرين» المغاربة بالتجار الإنجليز، في نهاية فترة حكم المولى محمد الرابع، ثم مع ابنه المولى الحسن الأول سنة 1873، كانت وما زالت موضوعا مثيرا لاهتمام الباحثين. فمن جهة، كانت عملية الوساطة لدى الإنجليز والاشتغال لصالحهم، تجلب المتاعب على صاحبها، وأحيانا يصل الأمر حد تكفيرهم. لكن الحظوة التي كانوا يتمتعون بها كانت مغرية لآخرين لكي يلعبوا الدور نفسه، خصوصا وأن العلاقة مع الدبلوماسيين والتجار الإنجليز كانت طريقا قصيرا لهؤلاء، لكي يضمنوا الوصول إلى ظل السلطة ويوفروا لأنفسهم النفوذ الذي يقود إلى مراكمة الثروة.

الباحث المغربي د. خالد بن الصغير أورد أقوى مضامين المراسلات التي عثر عليها، خلال رحلته العلمية إلى لندن، وتظهر من خلالها مكانة الغنجاوي وما كان يمثله للمخزن. ففي سنة 1872، ذهب الغنجاوي إلى مدينة طنجة، وقدم شكاية لدى القنصل البريطاني يطلب منه فيها أن يتوسط له لكي يحقق له بعض مطالبه لدى السلطان وينصفه من باشا مدينة مراكش، الذي كان مشهورا بسطوته. هذا الإقحام للبريطانيين في الشأن المغربي لم يعجب السلطان محمد الرابع.

 

قصة رسالة سرية كشفت «عمالة» مغربي للبريطانيين سنة 1873

شخصية أبي بكر الغنجاوي – في المراسلات كان يُسمى بوبكر كما ينطقها المغاربة بالعامية- تبقى إحدى أعقد الشخصيات التاريخية المغربية التي لعبت دورا في محطة مفصلية من تاريخ المغرب، والتي تتمثل في محاولة الإنجليز بسط نفوذهم والتفوق على الفرنسيين، والفوز بالسباق نحو استعمار المغرب.

في هذا الملف سوف نستعرض المسار التاريخي للعلاقات الاقتصادية بين المغرب وبريطانيا وأصولها، والرحلة الطويلة التي قطعها الإنجليز ومغامروهم لكي يضمنوا موطئ قدم لهم في «المغرب الأقصى».

الباحث المغربي خالد بن الصغير أورد في مؤلفه «مراسلات جون دراموند هاي مع المخزن»، ما يناهز 248 رسالة ووثيقة تاريخية تكشف عمق العلاقات المغربية البريطانية. ومن بين الرسائل التي عثر عليها في رحلته العلمية التي أشرنا إليها سابقا، رسائل سرية من أبي بكر الغنجاوي إلى هذا السفير والدبلوماسي البريطاني.

إحدى هذه الرسائل، تحمل تاريخ يوم واحد فقط على وفاة السلطان محمد الرابع، في شتنبر 1873، وقد كتبها الغنجاوي وأرسلها إلى السيد هاي، ولا بد أن القنصل البريطاني في طنجة وقتها قد اطلع عليها، بحكم أن الغنجاوي كان في ذلك التاريخ على اتصال وثيق به.

من أقوى ما جاء في هذه الرسالة، وقد تعمدنا هنا نقل نصها كما نشره د. خالد بن الصغير، بالصياغة التي كتبها الغنجاوي، وبأخطائها أيضا، ونورد منها ما يلي:

«الحمد لله.

إلى حضرة صاحبنا المحترم، المعتبر المعظم، منصطير السلطانة الفاخماتأكرت ابرطن، صَرجان هي درامنض هي. السلام عليك ورحمة الله عن تمامالخير ودوام العافية، هذا موجب السؤال عنك وعن كافة أحوالك وأعيالك، ومن يطوف بجانبك الكل يكون بخير إن شاء الله.
وقد أرسلنا لك مكاتبا عديدةعلى يدي الخليفة بالجديدة. وعلى يدي الخليفة بأسفي وعلى يدي الخليفة بالصويرة. وبينا لك فيهم وفاة السلطان سيدي محمد قدس الله روحه، وشرحنا لك فيهم بان ولده الخليفة مولانا الحسن نصره الله قد بايعاه أهلمراكش ونواحيها، واتفقوا الجميع أهل الآفاق بايالة مراكش على نصره.
وتوجهت له البيعة لمروءته وديانته وخيارته، مع انه من ذوات الفضل طولمدة خلافته، مع صغار سنه حصلت منه النتيجة والنجابة الكثيرة، وظهر منه الزهد في أمور الهزل.

(..)

وكان وقع الاتفاق مع السلطان المقدس رحمه الله، على قدومنا يوم السبتلحضرتك بقصد المشافهة معك في أمور مصلحة السلك وبناء المون بمرسةطنجة وحصر البحر بالدار البيضة، وتبين كفاية فصال الديون الذي علىالولات. وبعد الاتفاق معك

والمشافهة تقع الكتبة بكفاية ما اقتضاه نظركفي ذلك، وتتوجه للمقدس تغمده برحمته ويكون في ذلك سددٌ كما تشير، حتى قضى الله أمرا كان مفعولا قبل يوم السبت المذكور، وهو يوم الخميسالذي توفي فيه السلطان.
وتأخرنا عن القدوم حيث وقع تشويش في تلكالساعة في البلاد، وأمرني الفقيه السيد موسى بعد دفن السلطان بعدمالسفر لنجلس حتى يقدم السلطان مولانا الحسن، ويتجدد الأمر منانبدائه، لنشرح له كفاية كما كان مع أبيه وكفاية تأخير قضيته مع منذكر».

هذه الرسالة تكشف الدور الذي لعبه الغنجاوي، والوساطة التي مارسها بين المغرب والإنجليز، ورغم الدور الكبير الذي لعبه، إلا أنه لم يُسجل في التاريخ ولم تتم الإشارة إليه، رغم أن الوزراء المغاربة الذين اشتغلوا مع المولى الحسن الأول مباشرة بعد جلوسه على العرش، حظوا بنصيبهم من الضوء. وهو ما يكشف أن الغنجاوي كان فعلا مغضوبا عليه في النهاية. والمراسلات التي تعود إلى السلطان الحسن الأول، بعد أن خلف والده في الحكم، تكشف هذا الأمر، إذ إن رسالة وصفت الغنجاوي بـ«السلگوط»، لأنه فضل توجيه شكاية إلى الإنجليز وأقحمهم في الشؤون الداخلية للمغرب، رغم أن المشكل كان بينه وبين باشا مراكش، إلا أنه تجاوز القصر ومر إلى طنجة، لكي يطلب من القنصل البريطاني أن يتدخل.

 

أقدم شراكات بريطانيا على الإطلاق.. كانت مع المغرب

هي دول يمكن عدها على أصابع اليد الواحدة. أوائل البلدان التي تعاملت تجاريا مع مملكة بريطانيا، كان المغرب أحدها. وتعود هذه العلاقات إلى فترة 1585، عندما كان السعديون يحكمون المغرب.

فقبل زمن الجواسيس وتطورات سنة 1880 بقرون خلت، كانت بريطانيا قد خططت بدقة لفتح شركات لها في المغرب. وحسب المؤرخ البريطاني «ج. روجرز»، المتخصص في علاقات بريطانيا مع العالم الإسلامي، فإن الملكة إليزابيث كانت وراء تأسيس شركة بريطانية في المغرب، وحصلت من الملك السعدي على الموافقة لفتح مكاتب الشركة وبدء أنشطتها.

سبق في «الأخبار» أن تناولنا قصة هذه الشركة التي كانت تحمل اسم «شركة البربر»، ووراء إنشائها قصة تستحق فعلا أن تُروى.

وقد ورد أن تأسيس «شركة البربر» قد جاء بناء على توافقات مغربية بريطانية، بعد أن نجح وفد بريطاني غير رسمي في حيازة صفقات تجارية مهمة مع المغرب، وهو ما جعل الملكة إليزابيث تبعث إلى المغرب سنة 1585، رسالة مفادها أنها تقترح على أحمد المنصور إقامة شركة باسم «شركة بلاد البربر»، وهي شركة بريطانية رسمية أرادت لها الملكة إليزابيث أن تتعاقد مع المغرب لمدة 12 سنة تكون خلالها الشركة هي المحتكر الوحيد لجميع الأنشطة التجارية مع المغرب. وكان الممثل الرسمي للشركة في المغرب هو البريطاني «هنري روبرتس»، وقد جاء إلى المغرب في السنة نفسها، قادما من لندن بتوصية خاصة من الملكة إليزابيث لينقل أوراق الشركة وقرار اعتماده إلى قصر مراكش، حيث كان يقيم أحمد المنصور.

كان الغرض بالأساس من إنشاء الشركة هو قطع الطريق أمام بعض التجار الأجانب الذين كانوا يستغلون انفتاح بلدهم بريطانيا على المغرب، ويتاجرون في السلاح وبعض السلع التي كان وجودها بالمغرب مزعجا، مثل الأقمشة الرخيصة وبعض السلع التي يأتي بها التجار الإنجليز من آسيا، ولم تكن تلقى أي رواج في المغرب.

وهكذا كانت الشركة بوابة احتكارية للتجارة مع المغرب، وهو الأمر الذي قوى حظوظ البريطانيين، لكنه طوق المغرب اقتصاديا، ولم يعد مسموحا للدولة المغربية ولا التجار المغاربة، بتوسيع نشاطهم، وإنما كانوا ملزمين باحترام العقد الاحتكاري.

المنصور كتب في إحدى المراسلات الرسمية التي يعود تاريخها إلى سنة 1588 أنه يتعهد بتوفير الحماية للإنجليز الوافدين على المغرب. وبقيت الأمور منسجمة إلى درجة أن «هنري روبرتس»، ممثل الشركة، عندما قرر مغادرة المغرب، لحقه مبعوث مغربي خاص اسمه مرزوق الرايس ليقترح عليه العودة. ونقل المؤرخ البريطاني روجرز رأي السيد روبرتس في الموضوع: «استقبلنا كبار تجار «شركة بلاد البربر» خارج المدينة، والذين تراوح عددهم بين أربعين وخمسين، وقد امتطى كل منهم جوادا وخصصت لي أنا والسفير مركبة كبيرة، وتقدم بنا الموكب لندخل المدينة يوم الأحد 12 يناير 1589».

انتهت هذه الشركة إلى الانهيار، بسبب حرب كبيرة دارت رحاها بين التجار الإنجليز. فالذين استفادوا من العقد الاحتكاري مع المغرب، أضروا كثيرا بمصالح تجار بريطانيين آخرين لم يكونوا محظوظين كفاية لكي يستفيدوا بدورهم من «حسنات» فتح شركة بريطانية في المغرب، وهكذا أفلست الشركة بعد أن طالب التجار الآخرون بحلها وإنهاء استفادة الأقلية المحظوظة فقط من خدماتها.

لكن تجربة «شركة البربر» كانت فعلا أول مؤسسة اقتصادية نشط خلالها التجار، والجواسيس أيضا. إذ قبل أن تؤسس الشركة، لم يكن هناك إطار اقتصادي يُغري الباحثين عن الاغتناء في المغرب، لكي ينشطوا اقتصاديا. وهكذا فقد كانت قصة هذه الشركة، مناسبة جدا لكي يظهر جيل من المغاربة والأجانب الذين راكموا الثروة في هذا السياق الحرج.

 

 

 

السيد «هاي».. المُنقب الأول عن «الجواسيس» المغاربة

لولا أن السيد دريموند هاي سجل مذكراته الدبلوماسية وكتب يومياته في المغرب، لربما استحال على أي باحث بريطاني بعده أن يوثق للعمل الدبلوماسي الذي أنجزه هذا الرجل في المغرب خلال فترة حكم الملكة فيكتوريا. في سنة 1844، حل هذا الرجل في المغرب، وقد كان بحق مؤسس الدبلوماسية البريطانية وواضع لبناتها الأولى، بعد محاولات محتشمة لمن سبقوه. فالسيد «هاي»، كما يناديه الإنجليز، كان أول من سهل على بريطانيا العمل في المغرب بصورة مؤسساتية، بعد أن كانت العلاقات بين البلدين سابقا تقتصر فقط على البعثات الدبلوماسية والزيارات المناسباتية.

وقد قال عنه المؤرخ البريطاني روجرز، متحدثا عن واحدة من مهامه الأكثر شهرة، بعد أن أصبح خبيرا في الشأن المغربي وقضى بين المغاربة ما يفوق 25 سنة:

«وفي أبريل عام 1875 سافر هاي إلى فاس، لتقديم احتراماته للسلطان الجديد. وقد حمل هاي معه الهدايا كما جرت العادة في هذه المناسبة، وكان منها آلتان لبث البرقيات تلقاهما من وزارة الحرب. وقد بعث حاكم جبل طارق بثلاثة ضباط وثلاثة مهندسين عسكريين من رجال الحامية لاصطحاب هاي إلى القصر الملكي، والقيام بشرح كيفية اشتغال الآلتين. وقد ضمت جماعة هاي الضباط الثلاثة بالإضافة إلى اللفتنانت بيميش من المهندسين الملكيين، وطبيب وصديق شخصي وزوجته واثنين من بناته وزوجا لابنته. كما اصطحب معه مترجما وسكرتيرا وعددا من الخدم، حتى بدت الجماعة كبيرة بشكل غير عادي.

ووصلت الجماعة قبالة فاس في 10 أبريل من العام 1875، وقد لقيت كل حفاوة ممكنة من عمال مختلف الأقاليم التي مرت بها وهي في طريقها إلى العاصمة. وقد وصف هاي في الخطاب الذي بعث به من فاس في 11 أبريل إلى اللورد دربي، وزير الخارجية.. وصف حادثة غريبة جرت لهم خارج أبواب المدينة، وعكست حرارة الترحيب الذي لقيته الجماعة البريطانية. قال: «انتصب شريف مغربي وقد تزيى برداء رائع وامتطى فرسا يجري هنا وهناك وسط حشود من الناس، وهو يلوح بهراوة ويصيح مطالبا إياهم بسلوك كريم تجاه ضيوف السلطان من الإنجليز». وفي 22 أبريل عقد السير جون درمند هاي اجتماعا خاصا مع السلطان استمر لساعتين ونصف الساعة. وفي خلال المحادثات التي جرت في هذا الاجتماع، حاول السير جون أن يعبر بصراحة وإخلاص للسلطان عن ضرورة إجراء الإصلاح، إذا ما أراد أن يبقى المغرب بلدا مستقلا. وقد كتب هاي إلى اللورد ديربي تقريرا من فاس، بتاريخ 22 أبريل 1875، روى فيه ما جرى في هذا الاجتماع وقال: «يمتع جلالته بالذكاء، ووجدت حرجا في أن أوضح له ما يعاني منه المغرب»».

يُقصد هنا بالسلطان الجديد، المولى الحسن الأول الذي كان فعلا قد وصل إلى الحكم عامين قبل أن يزوره «هاي» في الزيارة الرسمية التي تحدث عنها المؤرخ روجرز، اعتمادا على مذكرات هاي. فقد كانت علاقات «هاي» بالمغرب تعود إلى عهد السلطان محمد الرابع، وسبق له أن مثل في قصر فاس وطلب أن يحظى باستقبال السلطان، وتعرف على شخصيات مخزنية، مثل الوزير التازي والصدر الأعظم الجامعي وإخوته الذين كانوا يشغلون أيضا وزارات سيادية في ذلك الوقت.

وتُوجه فعلا إلى السيد هاي تهمة تاريخية، وهي تعامله مع شخصيات مغربية لم تخف استعدادها للعمل لصالح بريطانيا، حتى لو كان الأمر يضر بمصالح المغرب. هؤلاء المغاربة كانوا مسلمين ويهودا أيضا، واستغلوا بعض العقود التي كانوا استفادوا منها سابقا، مثل عقود احتكار تصدير سلع معينة خارج المغرب، لكي يضغطوا بها على دبلوماسيين إنجليز من بينهم السيد «هاي»، وقد عرضوا خدماتهم في إطار السباق البريطاني الفرنسي، خلال عهد الحسن الأول الذي انتهى سنة 1894، وتجسسوا فعلا لصالح بريطانيا.

 

بعضهم لم يزر بريطانيا.. مغاربة اشتغلوا مع الإنجليز

اتفاق 1890 التاريخي بين بريطانيا والمغرب، الذي كان في إطار إصلاحات واتفاقيات تعاون عرضت فيها بريطانيا مساعدات على المغرب، كان وراءه مغربي حصل على الجنسية البريطانية. يتعلق الأمر بموسى أفلالو الذي غادر المغرب وهو في سن مبكرة، وأصبح بريطانيا وجاء إلى المغرب في إطار مهمة يمثل فيها بريطانيا، فاقتنصه الصدر الأعظم باحماد وصار صديقا مفضلا له، وطلب منه العمل لصالح المغرب، مستغلا إلمامه باللغتين العربية والإنجليزية.

هذا المغربي كتب كتابا باللغة الإنجليزية، تحدث فيه عن المغرب وقدم وصفا دقيقا لعالم المخزن وحتى تضاريس البلاد طولا وعرضا، واعتُبر كتابه عند صدوره خلال عهد المولى الحسن الأول، وثيقة استخباراتية بامتياز.

وكان وراء إنقاذ المغرب من آفة الجراد التي ضربت البلاد سنة 1889، بعد أن اتصل به الصدر الأعظم باحماد، وطلب منه أن يتوسط له لدى التاج البريطاني لكي يسهل حصول المغرب على المبيدات، وكانت تلك المرة الأولى في تاريخ المغرب التي واجهت فيها البلاد آفة الجراد بطريقة علمية. وقد تحدث موسى أفلالو في كتابه الذي كان يضم مجموعة من التقارير التعريفية بتضاريس المغرب ومناخه وبنية الإدارة المغربية، عن مجموعة من الأمور الحيوية التي يحتاجها المغرب، واستعملها الدبلوماسيون الإنجليز، وعدّلوا اقتراحاتهم وفقها.

وإذا كان هذا حال أفلالو، فإن وضع آخرين يختلف تماما. فقد حاول عدد من تجار فاس أن يشتغلوا لصالح بريطانيا، عندما رأوا كيف أن دبلوماسييها ومفوضيتها في طنجة قد أصبحوا نافذين داخل المغرب.

أما قصة هذا النفوذ فتعود إلى آخر أيام المولى الحسن الأول، فعند وفاته سنة 1894، ظهرت علامات صداقة متينة جدا بين الصدر الأعظم باحماد، الذي نصّب المولى عبد العزيز خليفة لوالده، رغم احتجاجات كثيرة، وبين بعض الأثرياء والدبلوماسيين الإنجليز الذين كانوا يأتون إلى فاس خصيصا لزيارته.

وفي آخر أيامه، قبل 1903، كان هؤلاء الإنجليز يزورون الوزير باحماد وهو على فراش المرض، خصوصا في الأشهر الأخيرة من حياته، حيث كان يستقبل داخل إقامته في فاس، والتي لم تكن تبعد عن القصر الملكي إلا بأمتار قليلة، بعض الدبلوماسيين الإنجليز وعلى رأسهم القنصل البريطاني ورؤساء المفوضيات الإنجليزية في المغرب، والذين كانوا يعرضون عليه السفر معهم للعلاج في بريطانيا، لكنه كان يقول لهم: «أريد أن أموت بسلام فوق هذا الفراش». ولم يكن ذلك الفراش سوى جلد خروف، كان يداعب صوفه بيد مرتعشة وهو يستقبل هؤلاء الدبلوماسيين في بيته.

في ذلك الوقت استفاد أحد الأثرياء الإنجليز، بفضل باحماد، من صفقة مهمة تتمثل في إعداد زي لـ«المخازنية» والحرس الملكي المنتشرين داخل القصر الملكي وخارجه. هذا الزي الرسمي تم اقتراحه على باحماد ووافق عليه فورا، ليتم إعداد ملابس تكفي كل «المخازنية»، وأبرم صاحب معمل إعداد تلك الملابس صفقة مع المغرب، وهو ما أثار موجة سخرية في أوساط الفرنسيين الذين اتهموا رجل الأعمال البريطاني بالنصب والاحتيال.

وهذا الثري البريطاني وظف معه عددا من المغاربة، ومنهم من صاروا محميين بريطانيين، رغم أنهم كانوا من أعيان مدينة فاس. حتى أن العلم البريطاني صار يرفرف فوق منازل بعض العائلات الفاسية، دون أن يكون أحد من أفرادها قد زار بريطانيا في حياته. وقد شكل هذا الأمر مشكلا كبيرا للمخزن المغربي بعد 1907، حيث كان عدد من المغاربة يحملون جوازات بريطانية ولم يسمحوا أن يسري عليهم القانون المغربي، وكانوا يعتبرون أنفسهم بريطانيين فقط، لأنهم أسدوا خدمات لتجار بريطانيين وخدمات أخرى «عند الحاجة».

 

قصة مغامر بريطاني بين المغاربة

لم يكونوا مجرد كُتاب أو مؤلفين، بل كانوا مغامرين بالدرجة الأولى، وقد تكون الكتابة آخر ما جاء بهم إلى المغرب. إلا أنهم خلدوا تجربتهم مع المغاربة عندما قرروا كتابة مذكراتهم. نورد هنا مقطعا من مذكرات «A Ride in Morocco»، وهي مذكرات لصاحبها آرثر كامبيل، وقد صدرت سنة 1897، ويحكي فيها عن مغامراته في المغرب أثناء رحلة استكشافية.

قوة هذه المذكرات التي ننقل هنا أحد مقاطعها، ونُترجمه إلى العربية، تكمن في أنها قد صدرت في وقت كان فيه الإنجليز يفدون بقوة إلى المغرب، ولا يجدون أي صعوبة في الحصول على مساعدات من مغاربة. وهذه المساعدات، اختلط فيها المخابراتي بالإنساني، وكان هؤلاء المغاربة الذين اشتغلوا لصالح هؤلاء المغامرين، لا يجدون حرجا في إعلان «ميلهم» إلى الإنجليز، واستعدادهم للعمل لصالحهم.

يقول هذا المغامر: «ما إن اتخذنا الطريق على اليمين واتجهنا صوب الزنقة التي تقود إلى حي «النصارى»، حيث يوجد «نُزل» هناك، حتى اصطدمنا بجماعة من الشبان والأطفال اجتمعوا حولنا وبدؤوا يضربون البغال ويطلبون منا المال ويلحون في الطلب، رافعين أصواتهم وضحكاتهم على طول الرصيف.

«الفندق»، أو النُزل الذي وصلنا إليه، كان في ملكية الإسبان. واسمحوا لي أن أقول إنه مهما كانت الرحلة متعبة وغير مريحة في المغرب، فإنه بالمقدور الحصول على سرير نظيف وعشاء جيد في تطوان. كان النُزل جيدا. كان على هيئة بناء مربع من طبقات، وفي كل طبقة توجد ثلاث غرف. حيث كان يبدو من بعيد كبرج.

كنت متعبا كفاية لأسقط من شدة الإرهاق، لكني قررت أن أتعشى جيدا أولا. السيد X وY، رجلان إنجليزيان كانا قد تجاوزانا في الطريق، كانا يتناولان عشاءهما معي. كان عشاء رائعا والخمر كان كذلك أيضا. حتى أننا نسينا أننا كنا متعبين، وبقينا جالسين إلى منتصف الليل نتحدث عن المغرب ونقارن تجاربنا مع الجبال

(..) قُدم لنا العشاء وجلسنا نحن أربعة في الطاولة. كان القنصل شخصا مثيرا للاهتمام. وكان يحظى بتقدير كبير في المغرب، وكانت لديه ملكة اللسان وإتقان أدب الحديث. ثماني سنوات قضاها مقيما في المغرب، جعلته متآلفا مع كل الظواهر والعادات عند المغاربة. تعلمنا منه في غضون ساعات قليلة فقط، ما لا يمكن تعلمه خلال شهر مع المرشدين، أو حتى من خلال الكتب.

كيف يستطيع هذا الرجل الحديث هكذا! لقد مضت عليه ثمان أشهر لم ير خلالها أي وجه بريطاني ولم يسمع لغته الأم، لكنه كان مسيطرا على الحديث طيلة السهرة.

بعد العشاء اقترح علينا القنصل التوجه معه إلى منزله لقضاء ليلة هادئة عنده. وذهبت لكي أخبر «مورينو» أنني سوف أخرج مع القنصل. كان «مورينو» يعتقد أنني سوف أكون في خطر كبير، وأنني سوف أغامر بحياتي عند الخروج في وقت متأخر ليلا. لاحظت أنه مع «الجيلالي» كنا أربعة رجال بريطانيين، بالإضافة إلى بعض الخدم المغاربة الذين كانوا يحملون القناديل لإضاءة الطريق. سمح لي «مورينو» بالمغادرة وحملني مسؤولية ما سيقع لي».

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى