
يونس جنوحي
عند توديع أفواج الحجاج المغاربة، وسط هذه الأجواء الصيفية المبكرة، تستحضر العادة المغربية القديمة التي واظب عليها المغاربة وأسسوا لها من زمان «الركب المغربي» مشيا على الأقدام، وصولا إلى زمن «القُرعة» ووكالات الأسفار و«الباقات».. وما لا يعرفه إلا من جرّب شد الرحال.
المغاربة أقدم شعب نظم رحلات الحج في إطار الوفد الرسمي، منذ سبعة قرون على الأقل. فالركب المغربي يُسجل مسارا واظب عليه أجدادنا الحجاج، وكان ينطلق من الصحراء، ليمر عبر مراكش، ويلتحق به فوج من علمائها، ويعرج على فاس ليحصل الوفد على المباركة السلطانية، ويحمل الرسائل والمساعدات المالية ثم يسير في اتجاه الشرق، ليتوقف لأيام في مصر ليتبادل العلماء الرسائل والكتب، ثم يواصل الركب مساره إلى الحجاز.
أما الوفد المغربي، الذي نعرفه اليوم، فبدأ تقريبا سنة 1958، عندما عين الملك الراحل محمد الخامس، العالم المغربي الكبير عبد الله گنون على رأس البعثة الرسمية باعتباره وزيرا للأوقاف، وكانت تلك واحدة من المرات الأولى التي سافر فيها الوفد المغربي إلى الحج عبر الطائرة، بعد أن كانت العادة أن يستقل الوفد الرسمي الباخرة التي كانت تضعها السلطات الفرنسية رهن إشارته أيام الحماية الفرنسية.
كتب عبد الله كنون، في مشاهداته، أن الملك الراحل محمد الخامس فاجأه بتعيينه على رأس الوفد المغربي إلى الحج، ولم يكن أمامه سوى أسبوع فقط ليستعد للسفر.
تزامن موسم الحج في ذلك العام مع شهر يونيو القائظ.. وكان الملك الراحل محمد الخامس في زيارة رسمية إلى مدينة مراكش، وهكذا تعين على الوفد الرسمي أن يسافر إلى مراكش أولا لتوديع الملك، ومن ثم العودة إلى الرباط، يوم 22 يونيو، للاستعداد للسفر.
الوفد المغربي ضم شخصيات من العيار الثقيل، فإلى جانب عبد الله كنون، كان هناك أيضا العالم، وزير التاج، الفقيه المختار السوسي، ووزير الأشغال العمومية الوزير الاستقلالي امحمد الدويري، ومدير التشريفات في القصر الملكي أحمد بناني، ومدير الإذاعة الوطنية الاستقلالي الدبلوماسي قاسم الزهيري، والفقيه التطواني، وغيرهم.. وجل من ذُكروا أدباء بالفطرة، أتقنوا السرد والوصف، ولا شك أن خواطرهم بشأن رحلة السفر إلى الحج بالطائرة تستحق فعلا أن يُنفض عنها الغُبار..
كانت تلك المرة الأولى التي تربط فيها الطائرة بين مطاري الرباط سلا ومدينة جدة السعودية، على أن تتوقف الطائرة للتزود بالوقود في مطار بنغازي بليبيا، فجرا، وكان كاتب سفارة المغرب بتونس في استقبال الوفد المغربي.
يحكي عبد الله كنون:
«.. ولم يكن منظر الصحراء من الطائرة إلا مما يزيد النفس انقباضا، وعند التحليق فوق القطر المصري، كانت العمارة على ضفتي النيل تلوح لنا كخط دقيق في وسط هذا الخضم الهائل من رمال الصحراء..».
وبعد أن قضينا سبع ساعات ونصفا في الجو، كنا ننزل في مطار جدة، ونتقابل مع صديقنا سفير المغرب لدى المملكة السعودية الفقيه السيد محمد غازي.. وفي تلك الأثناء كنت أتأمل في حركة المطار فأرى أفواجا عديدة من البشر على اختلاف ألوانهم وألسنتهم يتسابقون إلى حيث ينجزون مع الموظفين السعوديين الإجراءات اللازمة للدخول إلى المملكة العربية، وهؤلاء الموظفون الذين يعدون بالعشرات، ما بين شاب وكهل ومعمم ومطربش، يقومون بأعمالهم في منتهى النظام والأدب».
قصة الركب المغربي، على ظهر الخيل، ومشيا على الأقدام وبحرا ثم جوا، تستحق أن توثق، خصوصا وأن الجيل الجديد لايزال وفيا لقطع المسافة على الدراجات الهوائية، ليس من باب المغامرة فحسب.. الأمر يتعلق بمسألة جينية، من عهد ابن بطوطة، لا تُفسّر..





