شوف تشوف

الرأيالرئيسيةثقافة وفن

الأعصاب المتحكمة فينا بإرادة وبدون إرادة

بقلم: خالص جلبي

لننظر في الأعصاب التي تسيطر على الجسم وتأمره بالحركة، كما أنها تتلقى الحس منه، إن اتصال الأعصاب بالجسم هو على مستويين، الأول الأعصاب الإرادية وهي تسيطر على طائفة معينة من العضلات في الجسم التي تسمى بالعضلات المخططة، لأن العضلات قسمان، قسم مخطط، أي ذو شكل مخطط وهذا يختص بالعضلات التي تتدخل فيها الإرادة لتعمل، كما في عضلات اليد حين تكتب أو عضلات الساق والفخذ، وهناك نوع ثان من العضلات هو العضلات الملساء، والإرادة لا تتدخل فيها وإنما تسيطر عليها جملة عصبية خاصة، ومنها أجهزة الهضم والتنفس والبلع وعمل القلب، وبالطبع فإن هذا من مصلحة الإنسان، لأن هذه الأجهزة لو كانت خاضعة لعمل الإرادة، فمعنى ذلك أن الإنسان لن يكتب له النوم طول الحياة، حتى ولا الغفلة، لأن هذا معناه الموت المحتم له، ولكن مع هذا نجد أن عملية التنفس وضربات القلب والهضم وبعض العمليات الأخرى تعمل، حتى لو كان الإنسان نائما.

إن الجهاز الذي يسيطر على هذه العضلات هو الجهاز الودي ونظير الودي، وحقا إنه ودي من الود والحب، لأنه يحب الإنسان ويوده، وهنا يكمن سر آخر من أعاجيب أسرار التكوين، وهو اتزان الأعصاب النباتية، أي الأعصاب الودية ونظيرة الودية، فالأول يشبه البنزين أو المسرع في الآلة والثاني يقوم بعمل مضاد، فالأعصاب الودية تسرع القلب وتزيد من الحركات التنفسية وتبطئ الحركات المعوية وتوسع الحدقة وتقبض العروق الدموية، فيرتفع ضغط الدم، كما يحدث تشنج مصرة المثانة مع وهن العضلة المثانية، ومع الجملة الغدية يحدث التعرق، مع زيادة الإفراز الداخلي والخارجي، بالإضافة إلى زيادة سكر الدم.

وبالطبع إن هذا كله يمشي مع الدور الذي يلعبه العصب الودي والذي يعاكسه تماما نظير الودي، فالعصب الأول يظهر نشاطه في الغضب والانفعال والخوف والرياضة وأعمال العنف والهيجان وغيرها، وبالطبع فإن الكيان الإنساني في هذه الحالة يثور كما في الرياضة مثلا، وتتوسع حدقة العين ليرى جيدا ويمارس النشاط وهو يرى كأحسن ما يكون، ثم إن هذا النشاط يستدعي زيادة عمل القلب، ولذا تزداد ضربات القلب ويرتفع ضغط الدم حتى تحسن التروية، ولكن انقباض العروق ليس عاما في كل أجهزة الجسم، إذ لو كان الأمر كذلك فمعنى هذا أن عروق القلب الدموية سوف تنقبض أيضا، وبالتالي سوف تقل التروية الدموية عن القلب ويصاب الإنسان بخناق الصدر، وهو ألم شديد يحصر الصدر ويجبر الإنسان على الانقطاع عن الحركة، وقد يؤدي إذا زادت الحالة إلى انقطاع التروية عن بعض مناطق القلب، وبالتالي حدوث الكارثة المريعة وهي حدوث احتشاء القلب، أو ما يعرف عند عامة الناس بالجلطة الدموية القلبية التي قد تكون السبب في موت الإنسان أحيانا، ولنتصور الآن أن أي جهد يقوم به الإنسان ويبدأ نشاط العصب الودي ليقوده إلى هذه الحالة الوخيمة، ولكن العصب الودي يقوم بعمل عجيب هنا وهو أن يقبض جميع العروق، إلا العروق التي تغذي العضلة القلبية وهي العروق الإكليلية، بل على العكس يحدث توسع هذه العروق وزيادة تروية العضلة القلبية بالدم، وبالتالي القيام بالدور خير قيام، حينما ينشط هذا العصب في العمل كما في الغضب والهياج والركض والمباريات والعمل الجنسي وسواه.

ثم لننظر في جملة هذه الأسرار أيضا وهو تشنج مصرة المثانة، إن الإنسان في هذه الحالات يشعر حتى ولو كان بحاجة إلى التبول، كأن الدافع قد انقطع، والسبب في هذا عمل هذا العصب، الذي يرى أن هذا العمل لا يناسب هذه الحالة، فيتصل بالمثانة، فيأمر عضلات المثانة أن تشتد حتى لا يخرج البول في هذه الحالة، فمن علمه هذه العلوم ودربه على هذه الفنون يا ترى؟ إنه يتصرف كالعاقل تماما، وأما إفراز الغدد فإنه مناسب لهذه الحالة، ولذا يحدث التعرق كما يحدث زيادة إفراز هرمونات قشر الكظر حتى يتساند مع بقية الجسم في العمل.

 وأما العصب المبهم أو نظير الودي فإنه يقوم بعمل معاكس تماما، ولذا فإنه ينشط أثناء النوم، ولذا تبطؤ ضربات القلب ويزداد عمل الجهاز الهضمي لهضم الطعام، كما تقل الإفرازات والحركات التنفسية ويهبط ضغط الدم، وتنقبض حدقة العين، وينخفض مقدار السكر في الدم، لأن النشاط الذي يحتاج إلى المزيد من السكر لا داعي له في هذه الحالة، وهكذا نجد أن البدن في حالة اتزان وثبات عجيبة، بفضل عمل هذين العصبين، اللذين يقومان بمثابة الجهاز المسرع والمبطئ في الكيان الإنساني، أو البنزين والفرامل كما في السيارة!

وأما الأعصاب التي تتداخل في عمل الإرادة والتي قلنا إنها تسيطر على العضلات المخططة، فإن أمرها أعجب، ويتساءل الإنسان هنا ما الذي جعل هذه الأعصاب تتداخل في الإرادة؟ وما هي الإرادة؟ وأين مكانها؟ وكيف ميزت العضلات التي تتعلق بالإرادة بهذه الخطوط التي أعطتها المنظر المخطط المرقط، وكأنها جلد النمر! إن هذا يعود إلى أن الأعصاب الإرادية تتصل بقشر المخ الذي يعتبر المركز الأساسي لأرقى العمليات الذهنية، وحيث ترقد بين ثنايا تلك الخلايا شخصية الإنسان التي تأمر وتنهي وتسيطر على الجسم وتحركه، إن خلايا القشر ترسل الأوامر بواسطة الألياف التي سميناها بالمحاور الأسطوانية، وهذه المحاور تنزل بعد أن تعبر ممرات عجيبة ودهاليز مخيفة ومنعطفات رهيبة وأماكن مدهشة واتصالات فذة عظيمة.

 

نافذة:

الأعصاب الإرادية تتصل بقشر المخ الذي يعتبر المركز الأساسي لأرقى العمليات الذهنية وحيث ترقد بين ثنايا تلك الخلايا شخصية الإنسان التي تأمر وتنهي وتسيطر على الجسم وتحركه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى