شوف تشوف

الرئيسية

الأنا والغير في زمن كرونا

سناء فرحات
إن الأنا والغير لا يقتصر على مجتمع دون آخر، ولا يخص طائفة بعينها، بل يمثل إشكالية حقيقية تتحكم تفاصيلها ومفارقاتها بشكل كبير في طبيعة وواقع العلاقة بين البشر سواء كانوا أفرادا أم جماعات في كل مناطق العالم. فالغير، إذن، هو ذلك الأنا الذي ليس أنا، أنا يشبهني ويختلف عني بتعبير جون بول سارتر. 
 فكل النظريات التي تقال عن الأنا والغير يمكن القول إنها ثبتت الآن على أرض الواقع، عندما ظهر ما يسمى «فيروس كورونا» فنجد أن الأنا دائما تريد أن تقوم بعلاقة انفصال عن الآخر،. بعدما كانا سابقا في علاقة اتصال دائم، لأن الغير اليوم أصبح كالشبح بالنسبة للأنا. هنا يمكن أن نتساءل: هل كورونا قطعت ذلك الخيط الرابط بين الأنا والغير؟ ولماذا كل هذا الهروب والانفصال التام عن بعضهما البعض؟ 
 للإجابة عن هذا السؤال يمكن القول إن كورونا فعلا فعلت ما لم يفعله أحد، قامت بزرع الأنانية في الأنا وخير دليل ما شاهدناه في بداية هذه الجائحة «التهافت على السلع» الكل يتهافت لإنقاذ نفسه. وما نستنتجه من هذه الأنانية وهذا التهافت هو خوف الإنسان من الجوع في ظل هذه الأزمة لأن في اعتقاده بأنه إذا جاع سوف يموت، وهذا أكبر خوف بالنسبة إليه -هذا في بداية كورونا- لكن بعد ذلك الأنا استوعبت خطورة الأمر ولم يهمها ذلك التهافت حول السلع بل أصبح همها هو الابتعاد قدر الإمكان عن الغير، والالتزام بالتدابير الوقائية التي يشرحها الخبراء والمختصون. ولهذا فالأنا تبتعد خوفا من المرض، لكن كل ما نعرفه أن الناس يمرضون ويتشافون، فالمرض شيء عادي ما دامت الروح موجودة فإنها تبتلي بالمرض. لكن فيروس كورونا هو الآخر مرض! نعم، لكن يؤدي إلى الموت في بعض الأحيان. والأرقام التي نسمعها يوميا عن الموتى تسبب الرعب والقلق والخوف في نفوس الناس، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأنا تخاف الموت، والخوف من الموت ليس مجرد خوف عادي. فاليوم حاول الإنسان أن يتناسى واقعة الموت في هذه الظروف لكي تكون مناعته قوية إلا أنه لا بد أن يجد نفسه مهموما بهذه الواقعة. لكن فكرة الموت تقلقه وتكاد تلاحقه في كل مكان وزمان، وأصبحت الأنا محاصرة بوسواس الفناء. وهذا القلق والخوف من الموت سببه يختلف حسب الانتماء الديني للفرد، فالكافر يخاف الموت لأنه سوف يترك الحياة وكل ما حققه بحياته ونسى بأن الحياة ما هي إلا الموت بنفسه، لأن الحياة مجرد خيط يربط بين الولادة والوفاة فعند انتهاء هذا الخيط ينتهي مصير الإنسان. فبالنسبة للمؤمن فهو يخاف الموت لأنه ببساطة يخاف أن يلاقي ربه بمعاصيه وذنوبه. إذن فالأنا أو الإنسان بصفة عامة يعرف أنه في يوم من الأيام سوف ينتهي أجله ويموت لكنه يأتيه دائما الخوف من الموت. كما يقول باسكال: 
 «إنني في حالة جهل تام بكل شيء فكل ما أعرفه هو أنني لا بد أن أموت يوما ما، ولكنني أجهل كل الجهل هذا الموت الذي لا أستطيع تجنبه». 
 ما نستخلصه أن الخوف من الموت ظاهرة عامة، الشيء الذي يجعل الأنا اليوم تفر من الغير، لأن هذا الأخير بالنسبة لها يساوي الموت، يراه كأنه يرى الشبح ووجود الغير أصبح يهدد الأنا، لكن لا يمكن أن ننفي بشكل كامل وجود الغير لأنه ضروري بالنسبة للأنا، رغم أنه يهدد وجوده، ولا يمكن العيش بدون الغير هذا بديهي. حيث لا يستمر الجنس البشري بدون هذا التكامل بين الأنا والغير. فقبل كورونا كان هناك احتكاك دائم بالغير، والأنا تحتاج للغير في جميع أوقاتها لكن الآن في ظل وجود جائحة كورونا أصبح وجود الغير ضروريا لكن «عن بعد» مثلا التعليم، أصبحنا لا نتحدث عن ذلك التعليم الملموس الذي يحتك فيه التلميذ مع الأستاذ بل نتحدث عن التعليم عن بعد، بعد الأنا عن الغير، والعديد من المجالات أصبحت لا تحتاج إلى ذلك التعاون والتشارك عن قرب، بل كل شيء أصبح عن بعد وهذا الأمر الذي نشاهده الآن يجعلنا نتساءل ثلة من الأسئلة، من قبيل: كيف ستكون الأوضاع بعد كورونا؟ وهل بالإمكان عودة الحياة إلى طبيعتها كما كانت من قبل؟ وهل ستبقى علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان علاقة ترابط ومحبة وتضامن أم أن كل شيء سيتغير؟
 التأمل في ما يقع الآن قد يجعلنا نتنبأ بأن الحياة تستعصي أن تعود لطبيعتها، بعدما كانت علاقة الأنا بالآخر هي علاقة انفصال وقطيعة، وبعدما كان التقدم الهائل في مجال التكنولوجيا والاختراع يستحيل أن يكون وجود الغير ضروريا، لأننا بعد كورونا نتحدث عن الأنا فقط، ومن خلال الخدمات التي تقدم عن بعد الآن، ستبقى وستحل الآلة محل الغير بعد هذه الجائحة، وستأخذ مكان الغير في كل شيء، ونتحدث آنذاك عن الأنا فقط، وبهذا يمكن أن نقول بفرضية انقراض الجنس البشري (هذه فقط افتراضات ولا يعلم الغيب إلا الله).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى