حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

الانتخابات في زمن الذكاء الاصطناعي

نعيمة لحروري

منذ سنوات قليلة فقط، كان الحديث عن نزاهة الانتخابات ينحصر في المال، واستعمال النفوذ، والوعود الانتخابية، والخطابات الشعبوية. وكانت المعركة تدور في الساحات العمومية، وداخل القاعات، وعلى صفحات الجرائد، ثم انتقلت إلى منصات التواصل الاجتماعي. أما اليوم، فقد دخل لاعب جديد إلى هذه المعركة، لا ينتمي إلى أي حزب، ولا يحتاج إلى بطاقة ناخب، لكنه قد يكون الأكثر تأثيرا في تشكيل الرأي العام. إنه الذكاء الاصطناعي.

 

هذه التكنولوجيا ليست خيرا مطلقا ولا شرا مطلقا. فهي قادرة على أن تجعل الإدارة أكثر نجاعة، والتعليم أكثر تطورا، والطب أكثر دقة. لكنها، في المقابل، أصبحت قادرة أيضا على إنتاج أكاذيب تبدو حقيقية إلى درجة يصعب معها التمييز بين الواقع والوهم. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالانتخابات، حيث قد تؤثر معلومة واحدة مضللة في اختيارات آلاف الناخبين.

 

اليوم، لم يعد من الصعب أن يشاهد المواطن مقطع فيديو لمرشح وهو يتلفظ بكلمات لم يقلها قط، أو يستمع إلى تسجيل صوتي يبدو مطابقا لصوته، أو يرى صورا لاجتماعات أو تجمعات جماهيرية لم تحدث أصلا. فبفضل تقنيات “التزييف العميق” (Deepfake)، أصبح بالإمكان إنتاج محتوى مزيف بإتقان كبير، وبكلفة منخفضة، وفي وقت قياسي. والأسوأ من ذلك أن هذا المحتوى ينتشر بسرعة هائلة، بينما يحتاج نفيه أو تصحيحه إلى وقت أطول، بعد أن يكون قد أدى الغرض منه.

 

إن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس أنه يستطيع الكذب، بل أنه يستطيع أن يجعل الكذب أكثر إقناعا من الحقيقة. فالإنسان بطبيعته يميل إلى تصديق ما يراه بعينيه ويسمعه بأذنيه، حتى وإن كان ما يراه أو يسمعه مجرد منتج رقمي صُمم بعناية لخداعه. وهنا تصبح الحقيقة نفسها ضحية للتكنولوجيا.

 

والمغرب، بدوره، ليس بمنأى عن هذا التحدي. فمع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تزداد المنافسة، وتشتد الحملات، وترتفع حدة الاستقطاب السياسي. وفي مثل هذه الأجواء، قد يغري الذكاء الاصطناعي بعض ضعاف النفوس باستعماله لتشويه الخصوم، أو اختلاق تصريحات، أو فبركة صور، أو تضخيم شعبية مرشح معين عبر محتوى يبدو تلقائيا وعفويا، بينما هو في الحقيقة نتاج خوارزميات دقيقة.

 

ولا يقتصر الخطر على المرشحين فقط، بل يمتد إلى ثقة المواطن في العملية الديمقراطية برمتها. فإذا أصبح كل فيديو محل شك، وكل صورة قابلة للتزوير، وكل تصريح قابلا للاختلاق، فإن الناخب سيفقد تدريجيا ثقته في كل ما يصله من معلومات. وعندما تضيع الحقيقة، يصبح اتخاذ القرار الحر والمستنير أمرا بالغ الصعوبة.

 

لكن مواجهة هذا الخطر لا تكون بإعلان الحرب على الذكاء الاصطناعي أو بالخوف من التكنولوجيا. فهذه الأدوات ستبقى جزءا من حياتنا، وستتطور بوتيرة أسرع مما نتخيل. المطلوب هو أن يواكب القانون هذا التحول، وأن تُطور المؤسسات المختصة آليات سريعة لرصد المحتوى المزيف، وأن تتحمل المنصات الرقمية جزءا من مسؤوليتها في الحد من انتشار التضليل، والأهم من ذلك كله، أن نُنمّي لدى المواطنين ثقافة التحقق وعدم التسليم بكل ما يظهر على الشاشات.

كلما تطورت التكنولوجيا، ازدادت مسؤولية الإنسان. فالآلات لا تعرف الأخلاق، وإنما تنفذ ما يطلب منها. ولهذا سيبقى الضمير البشري، وليس الذكاء الاصطناعي، هو الضامن الحقيقي لنزاهة أي انتخابات.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى