شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

التاريخ المنسي للتظاهرات الرياضية بطنجة الدولية

نُظمت قبل 150 سنة وأبرزها الغولف والطيران والزوارق الشراعية والقنص

«كان الفلاحون وسكان الضواحي، يجتمعون لمتابعة عملية هبوط تلك الطائرات بعد قيامها بجولات فوق أجواء طنجة، وينتظرون المساء ليتابعوا إقلاعها من جديد صوب جبل طارق.

انتشرت روايات كثيرة عن نهاية البطلة «آميليا»، التي لقيت حتفها في حادث تحطم طائرة صغيرة. لكن لا تتوفر، للأسف، معلومات كافية عن جولتها بالطائرة فوق القارة الإفريقية، لكن هذه الشابة دخلت التاريخ، باعتبارها أول سيدة في العالم تعلن عن مغامرة من هذا النوع.

ورغم أن نادي الطيران الذي نتحدث عنه لم يُكتب له أن يستمر في المغرب شأنه شأن نادي القوارب الشراعية، إلا أن تلك التجربة حظيت باهتمام وفضول المغاربة أكثر من أي رياضة أخرى، ولم يكن ينافسها في شعبيتها، سوى سحر كرة القدم التي انخرط المغاربة في ممارستها وانتقلوا من الفرجة إلى احتراف اللعبة، انطلاقا من البطولات التي كانت تنظم في طنجة الدولية».

يونس جنوحي:

 

 

أرشيف تظاهرات رياضية في المغرب قبل قرن ونصف القرن

عندما وقعت معاهدة الحماية سنة 1912، وقُسم المغرب ترابيا إلى نفوذ فرنسي وإسباني، بقيت منطقة طنجة الدولية تمتاز بخصوصية قلما تكررت في مكان آخر بالعالم. إذ كانت تسيرها تمثيليات أجنبية، رغم الحضور الكبير للجالية الإسبانية داخلها، بحكم القرب الجغرافي طبعا، ولعوامل سياسية أخرى بالتأكيد.

قبل أن تُبنى الملاعب في طنجة، كانت المساحات الشاسعة التي كان يملكها أعيان المدينة من المغاربة الأثرياء، قد وضعت رهن إشارة الأجانب لكي يمارسوا فوق عشبها الرياضات الأكثر شعبية في أوروبا، مثل ركوب الخيل والغولف.

وهكذا توفر لهذه الرياضات جمهور مغربي غفير، جعله «الفضول» يراقب الأجانب من قريب وهم يمارسون رياضاتهم المفضلة. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تابع المغاربة بطولات أوروبية نظمت في طنجة، قبل حتى أن تنتشر رياضة كرة القدم التي نافس المغاربة فيها الأجانب، خصوصا الإسبان، وتفوقوا عليهم.

يتعلق الأمر هنا برياضات مثل «مصارعة الثيران»، والتي كانت رياضة إسبانية بامتياز.

إذ خلال مرحلة الحرب العالمية الأولى، وتضرر الاقتصاد الإسباني خلال الحرب الأهلية الإسبانية وعدم الاستقرار السياسي في البلاد، تقرر نقل بعض بطولات مصارعة الثيران إلى المغرب، وشُيد ملعب كبير لا يزال قائما في المدينة ليشهد على تلك المرحلة، وأجريت داخله مباريات مصارعة الثيران بمشاركة أبطال إسبانيا. وهكذا انتقل اهتمام الصحف الرياضية من مدريد إلى طنجة، وجاء الإسبان من كل أنحاء إسبانيا لمتابعة المباريات، وسرعان ما أصبحت طنجة منذ سنة 1920، قبلة لمُحبي مصارعي الثيران وأبطال تلك الرياضة، لكي يتابعوا أهم المباريات في «بلاصا طورو»، المعلمة التي بُنيت على مشارف طنجة، بعيدا عن الأحياء التي سكنها الإسبان والجنسيات الأجنبية الأخرى.

تابع المغاربة سباقات الزوارق الشراعية، بحضور أبطال تلك الرياضة، سيما من بريطانيا، إذ كانت تلك المسابقات لا تختلف في شيء عن مناسبات الفرجة الأخرى التي يتزاحم المغاربة لمتابعتها.

مدينة طنجة كانت دائما على موعد مع تظاهرات رياضية من هذا النوع، قبل قرن ونصف القرن، ولم تتوقف وتيرة تنظيم البطولات بها، إلى درجة أن منافسات الرياضات البريطانية الأكثر شهرة، خصوصا الغولف، نُقلت إلى طنجة الدولية خلال الحرب العالمية الثانية، بسبب ظروف الحرب في أوروبا.

هذه البطولات الأوروبية التي احتضنها المغرب، خلقت نوعا من التقارب الثقافي بين المغاربة والأجانب، وهو ما دونته عدد من الكتابات الأجنبية، لتكون دليلا على التاريخ المنسي للتنوع الثقافي في مدينة طنجة الدولية.

رحلات إلى المغرب اختلطت فيها الرياضة بالمغامرة

السفر إلى المغرب في سنة مثل عام 1873، لم يكن مجرد رحلة يقرر أي بريطاني القيام بها ويحجز ببساطة أول تذكرة سفر أمامه، بحرا إلى المغرب.

بل إن مغامرة زيارة المغرب كانت في حد ذاتها رياضة محفوفة بالمخاطر، فما بالك إن كان «المُسافر» امرأة!

هنا نورد ترجمة حصرية من مذكرات المغامرة البريطانية «آميليا بريير»، والتي جاءت بعنوان «شتاء في المغرب»، وطبعت سنة 1873 في لندن. تقول:

«بدت لنا أضواء طنجة تتراقص أمامنا، لكن الرياح كانت تعاكس اتجاه السفينة، وانعرجنا عن المسار ليبدو لي مركب صغير قادم في اتجاهنا، ليحاول قيادتنا عبر المسار الصحيح للوصول إلى الميناء». وتضيف: «الوصول إلى طنجة كان لا يزال في تلك اللحظة أمرا شاقا».

«كان القارب يغص بالمغاربة واليهود، وكانوا يحيطون بالمركب، ويتدافعون في ما بينهم للصعود بأي طريقة. كان الأمر خطيرا، لذلك ارتأيتُ رفقة السيد ليونز، أن أنتظر عودة القارب. في الظلام، والجو السائد من الارتباك، كانت السيدة الإنجليزية الأخرى على وشك السقوط في الماء عندما وُضعت في القارب.

كان علينا أن ننتظر حوالي عشرين دقيقة قبل أن يعود إلينا القارب. أغلب المحليين المغاربة، مسلمين ويهود، ذهبوا خلال الرحلة الأولى للقارب. بينما بقيت رفقة السيد ليونز ومهندس، والكابتن، وشخص أعمى وبعض المتعبين ننتظر».

عندما توغلت هذه السيدة أكثر في أوساط الطنجيين، استطاعت أن تكتب عن الطقس والطباع: «هكذا تبدو طنجة جميلة في فصل الربيع. إنها تمطر أحيانا في طنجة. وعندما يهطل المطر، فإنه يهطل بشدة. وتختفي الجبال بسبب كثافة الضباب. وتمتزج السماء والأرض أيضا في لونهما البني بسبب المطر.

لكن رغم ذلك، فإن المطر يكون رائعا في شهري نونبر ودجنبر. لكن السماء في رأس السنة تكون صافية، بينما تكون أشعة الشمس حارقة».

في هذا التاريخ، كان السفر أيضا نوعا من الرياضات الأولى التي كان المغرب في صلب اهتمامها وفي قلب أنشطتها.

هذه الأجواء المتعلقة بالرحلة نحو المغرب لم تثن الأجانب عن القدوم إلى المغرب، خصوصا وأن بعض الرياضات كانت قد انتشرت في طنجة وأصبحت لها تمثيليات وفرق ترعاها، مثل رياضة الغولف والتنس. إذ إن أثرياء لندن كانوا يعتبرون ألا متعة تضاهي متعة ممارسة الغولف أو التنس في مدينة طنجة.

انفتاح طنجة المبكر على أوروبا، ومكانتها الدولية، جعلاها منذ أزيد من قرن ونصف القرن تصبح قبلة لعدد من الرياضات الشعبية في أوروبا. بل إن تظاهرات رياضية في لعبة الغوف والتنس والقنص والزوارق الشراعية والطائرات الصغيرة، سبقت تظاهرات كرة القدم ونافستها في الشعبية. وتؤكد معطيات تاريخية أن هذه الرياضات سبقت وجود فرق لكرة القدم في المغرب. وهو ما يؤكد أن المدينة كانت دائما قِبلة لممارسي عدد من الرياضات ومُشجعي الفرق الأوروبية الأولى التي مارستها في المغرب.

قصة أقدم تجمع لأصحاب الزوارق الشراعية بشواطئ الأطلسي

نادي الزوارق الشراعية، أو «نادي الأثرياء» كما كان يطلق عليه الرياضيون الأوائل في مدينة طنجة، تأسس سنة 1925، لكن أنشطته تعود إلى ما قبل هذه السنة بكثير.

إذ إن رياضة الزوارق الشراعية والسباقات المصغرة التي كانت تقام على طول شاطئ طنجة المتوسطي، سيما خلال فصل الربيع، كانت فصولها تدور في سنة 1880 وما بعدها.

إذ إن تجمع الإنجليز الذين كانوا بارعين في تلك الرياضة، أكسبها شعبية كبيرة في صفوف سكان مدينة طنجة القدامى. البطولة الربيعية التي كانت تقام على شاطئ المحيط الأطلسي، كانت تحظى بمتابعة محلية كبرى، خصوصا وأن ممارسي الرياضة كانوا يحظون بصداقة القواد والباشوات الممثلين للسلطة المحلية في المنطقة.

هذه الفرجة المحلية المضمونة لم تكن هي ما يهم ممارسي رياضة الزوارق الشراعية في طنجة، قبل منتصف عشرينيات القرن الماضي، بقدر ما كان يهمهم المتابعون الأجانب، خصوصا منهم الذين يراهنون على أرقام الزوارق الشراعية قبل انطلاق السباق.

أفراد الجالية الإيطالية والإسبانية في المدينة، كانوا يشكلون غالبية الجنسيات التي تشجع الزوارق المتنافسة على الوصول إلى خط النهاية. ورغم أن المغاربة لم يكونوا مُلمين بقانون السباق، إلا أن هتافات المتفرجين المحليين كانت تتعالى من الشاطئ، وتُرفع شعارات تشجيع باللغة الإنجليزية تحفيزا للمتسابقين الإنجليز.

والمثير أن شعبية رياضة الزوارق الشراعية سرعان ما انتشرت في صفوف المغاربة، على الرغم من أن المصادر التاريخية لا تؤكد ممارسة المغاربة لهذه الرياضة، على الأقل في تلك الفترة، بل تُثبت أن امتلاك الزوارق وقيادتها أثناء السباق، كانت دائما شأنا يشرف عليه الأجانب المقيمون في طنجة، ويتبارون في إظهار مهاراتهم الرياضية في هذا الجانب، أمام بعضهم البعض.

هل كان دور المغاربة منحصرا إذن في التشجيع فقط؟ هذا ما تؤكده المصادر التاريخية المحلية، سيما منها التي تطرقت إلى التوثيق الشفهي لتاريخ مدينة طنجة، حيث أكد القدماء الذين عاصروا مرحلة «طنجة الدولية» قبل الحرب العالمية الثانية، أن سكان منطقة شاطئ المحيط الأطلسي من سواحل طنجة في اتجاه أصيلة، كانوا على مواعد سنوية مع رياضة سباق الزوارق الشراعية، ويتزاحمون لمتابعة السباقات.

هذه الرياضة جذبت رياضيين إنجليز حلوا ضيوفا على مدينة طنجة، خصوصا قبل الحرب العالمية الأولى. إذ إن القنصل البريطاني، ورئيس المفوضية البريطانية في طنجة الدولية، أشرفا على استقبال الرياضيين الإنجليز المشاركين في سباق للزوارق الشراعية، وتلقى المنظمون طلبا من رياضيين عن تمثيليات أجنبية أخرى في طنجة، منهم فرنسيون وإيطاليون، لكي يشاركوا في سباقات الدورة الربيعية. وكان وقتها أثرياء بريطانيون يتكلفون بتمويل السباقات وتنظيمها، قبل أن تصبح الرياضة أكثر رسمية، وتشرف عليها تمثيليات أولمبية.

استغلت بعض شركات الدعاية في لندن مسابقات الزوارق الشراعية في طنجة الدولية، للترويج لعلاماتها التجارية المتخصصة في صناعة الزوارق. وما زالت بعض منشورات الإشهار والشعارات التي توثق لدورات سباق الزوارق الشراعية في طنجة، شاهدا على الذكريات المنسية لهذا «العرس» الرياضي الذي احتضنته المدينة.

عندما تبارى الأوروبيون على قنص الطرائد في قُرى الشمال

طالما كانت رياضة القنص، خصوصا في المحميات، إحدى أكثر الرياضات التي يفضلها الأثرياء والسياسيون في العالم.

مدينة طنجة احتضنت دورات في رياضة القنص وملاحقة الطرائد منذ القرن التاسع عشر، وحضرها وزراء ودبلوماسيون ومشاهير أوروبيون واستمتعوا بملاحقة الطرائد في غابات نواحي طنجة في اتجاه مدن أصيلة والعرائش.

نتحدث هنا عن مرحلة 1880 والأجواء السياسية «الخطيرة» التي كانت تحيط بها.

تحدث الصحافي البريطاني والتر هاريس، في كتابه «The Land of an African Sultan»، أي (أرض سلطان إفريقي)، عن مغامرات رياضة القنص التي حضرها أثناء واحدة من زياراته الأولى إلى المغرب.

إذ شارك هذا المغامر الإنجليزي في دورة مسابقة للقنص، حضرها أثرياء أوروبيون، وأشرف عليها المالك الأجنبي الذي أسس فندق «كونتينونتال» الذي لا يزال قائما إلى اليوم. هذا الفندق كان يتكلف بتوفير كل مستلزمات القنص من ألبسة وأدوات وأسلحة ولوازم التخييم، وينقل المشاركين من ميناء طنجة إلى الغابات المحيطة بالمدينة، وينظم مخيمات للقنص لم يكن يتحمل تكلفتها إلا أثرياء أوروبا الذين لم يكونوا يدخرون «دولارا» واحدا، أثناء استكشافهم للمغرب.

غادر والتر هاريس منطقة العرائش في 15 يناير من سنة 1887، الوجهة كانت إلى مكناس. يقول إن ذلك اليوم كان أشد الأيام التي عاشها في المغرب رفقة أصدقائه السياح والفنانين حرارة، رغم أن الأسبوع الذي سبقه كان ممطرا للغاية.

يصف المشاهد على الطريق، مع تقلبات الجو وإعداد المخيم كلما أراد الموكب المبيت، ويقول إن الأضرحة منتشرة في كل مكان. وبعد أيام من المسير المتواصل والمبيت في المخيمات، حيث كان يستغل الليل لكي يسمع حكايات المرشدين الذين يعملون معه لكي يحكوا له عن تاريخ المغرب.

وعندما وصل إلى سيدي قاسم، كتب الآتي:

«خيمنا على مشارف سيدي قاسم في الليلة التي بعدها، كانت قرية صغيرة، لكنها مهمة جدا. وبما أنها كانت مقر إقامة القائد، فإن نطاق نفوذها كان واسعا جدا. كانت المنطقة بين مخيمنا وسيدي قاسم شاسعة جدا، وهو ما منحني وفرسي الأسود فرصة الاسترخاء، حيث قضيت اليوم كله في الجري وراءه وتدليله.

في سيدي قاسم، طلبني الخليفة، وهو نائب القائد. قلة فقط من النصارى حظوا بفرصة رؤية هؤلاء المسؤولين ورؤية منازلهم من الداخل. سبق لي لقاؤه قبل عامين، وعندما رآني سلم علي بعدما تعرف على وجهي، وكأنني صديق قديم.

أصر القائد أن يتم تزويدنا بكل ما نحتاج إليه من طعام وأمتعة وتلبية كل احتياجاتنا. كما أنه أهداني كلب قنص من نوع «السلوقي»، وهو نوع لا يمكن مقارنته مع نوع كلاب القنص المدربة جيدا عندنا في بريطانيا».

كانت هذه إذن أجواء رياضة القنص على الطريقة الأوروبية، خلال السنوات الأولى لبدايات الرياضات الأجنبية في طنجة الدولية. ويقول مواصلا وصف أجواء رياضة القنص التي كانت بمثابة بطولة دولية فوق الأراضي المغربية وقتها: «طبعا هناك أماكن بعينها يستحسن التوجه إليها، ولكن أنواع الطيور وأجناسها تختلف من سنة إلى أخرى. أمضينا اليوم كله في التصويب ولم نحصل على أي شيء. رغم أنه لا أحد مارس القنص في ذلك المكان تلك السنة قبلنا. لا يوجد تفسير لاختفاء الطيور، غير أنها ربما سئمت تلك البقعة وذهبت لتبحث عن أماكن أخرى.

يمكن الآن الحصول على خراطيش الذخيرة من محل في طنجة عند السيد «أنسالدو»، مالك فندق الـ«كونتينونتال». يستحسن أيضا الحصول على بندقية صغيرة لمواجهة قطاع الطرق.

وجدنا البغال المرصودة لأجلنا تنتظرنا على ضفة وادي «تاهضارت»، وهو نهر شاسع ومنظره غير ممتع، حيث يتعين علينا قطعه على متن قاربين، يتبعهما الخيول والبغال. عملية إنزال الحمولة من أعلى ظهور الخيول والبغال وشحنها في الزوارق، ثم إعادة حملها فوق ظهورها من جديد بعد قطع الوادي، عملية مضجرة، ونضيع بسببها وقتا طويلا في قطع الأودية».

حكاية عقارات تبرع بها أعيان المخزن للعبة التنس

تقول بعض الروايات التاريخية إن أعيان مغاربة تبرعوا للإنجليز والإيطاليين والفرنسيين الأوائل الذين سكنوا طنجة بعد سنة 1880 بأراض شاسعة على مقربة من غابة طنجة، لكي يبنوا فوقها ملاعب لممارسة رياضة التنس.

وبدأ تعرف المغاربة على هذه الرياضة، بعد ما نظم الإنجليز مباريات على شاطئ البحر المتوسط.

نقل الدبلوماسي الأمريكي السيد إدموند هولت في مذكراته التي وصف فيها المغرب بـ«العجيب» واختار الوصف عنوانا لمذكراته الدبلوماسية سنة 1909، أجواء وسياق مباريات التنس الأولى التي عرفتها مدينة طنجة. يقول في هذه المذكرات الصادرة باللغة الإنجليزية: «في منزل مدام جوانفيل، يكون من الضروري أن تلتقي المهدي المنبهي، والذي كان في وقت سابق الوزير الأقوى وصديق السلطان المولى عبد العزيز. بقامة طويلة وشعر ودماء سوداء، كان المنبهي أكثر المغاربة تحضرا. يلعب التنس باحترافية، ولديه فيلا فخمة يجمع في ساحتها نخبة المجتمع الطنجي وربما آخرين غرباء عن طنجة».

مناسبة الحديث عن ممارسة وزير مغربي سابق لرياضة التنس، تقتضي نقل ما قاله هذا الدبلوماسي الأمريكي عنه، إذ أكد في هذه المذكرات أن هذا الثري المغربي كان وراء حث أثرياء مغاربة آخرين في طنجة على التبرع بأراض شاسعة لكي تقام فوقها ملاعب للغولف والتنس، للترفيه عن الرياضيين الأجانب الذين جاؤوا إلى طنجة، نهاية القرن التاسع عشر.

هذه الأجواء التي تعرف فيها المغاربة على عوالم مباريات التنس، جعلت متابعة المباريات لا تخلو من مُتعة، وهو ما ازداد مع تقدم السنوات. إذ بعد الحرب العالمية الثانية، كانت مباريات التنس الشاطئي في طنجة تضاهي شعبيتها مباريات كرة القدم، وتخصص لها مساحات مهمة فوق رمال شاطئ طنجة الممتد على طول البحر الأبيض المتوسط، وتقام فوقها دوريات تشارك فيها مختلف الجنسيات المُشكلة لأطياف طنجة الدولية.

وعن هذه الجاليات الأجنبية يقول الدبلوماسي الأمريكي متحدثا عن لقائه بزوجة السفير الإيطالي في مدينة طنجة سنة 1909، أثناء واحدة من السهرات التي كانت تقام في طنجة: «سألتني بالإيطالية: أنت مع السيد سميث، قنصل الولايات المتحدة الأمريكية؟

-«نعم سيدتي».

ولم يكن هناك وقت لمزيد من الحديث، فقد كانت «بارونيس رودن»، زوجة الملحق العسكري الألماني، تقترب منا، وقالت بالإيطالية مخاطبة السيدة صارولا: «كيف حالك صديقتي؟». أجابتها الأخرى: «بخير عزيزتي». ثم سألتني عن أحوالي باللغة الإنجليزية، ومن باب الاحترام والتقدير أجبتها باللغة الألمانية».

هذا المزيج من اللغات كان يشكل عصب الحياة الدبلوماسية للأجانب المقيمين في طنجة، والذين ساهموا في جلب التظاهرات الرياضية الكبرى إلى المدينة، قبل أزيد من قرن ونصف القرن.

وبالعودة إلى موضوع الأراضي التي قدمت هدايا إلى التمثيليات الأجنبية في المغرب، لكي تقام فوق عشبها الطبيعي مباريات الغولف والتنس، فإن تفويتها لم يكن دائما بالمجان. إذ إن بعض أثرياء طنجة وأعيانها قدموا تلك الأراضي إلى الأجانب بأسعار رمزية، مقابل حصولهم على «الباصبور» لإحدى المفوضيات الأجنبية في طنجة، سيما البريطانية والألمانية، خلال انتشار ظاهرة «المحميين» المغاربة قبل الحماية الفرنسية.

سكان البوغاز تابعوا مناورات جوية لأول ناد للطيران سنة 1910

كانت الشابة البريطانية «آلين» واحدة من أعضاء ناد بريطاني، مقره في مدينة لندن. وما كانت لتصل إلى الشهرة التي وصلتها في أوروبا، لولا أنها لم تكن امرأة. إذ راج في الصحافة البريطانية أنها السيدة الوحيدة التي كانت عضوا تنافس الطيارين الرجال في النادي. إذ كانوا يشاركون أسبوعيا في رحلة جوية على متن الطائرات الصغيرة، المخصصة لراكبين فقط، ويقطعون المسافة بين جبل طارق وطنجة، لقضاء اليوم في المدينة «الإفريقية»، قبل العودة بطائراتهم في المساء إلى جبل طارق، ومنه كانوا يعودون بحرا إلى بريطانيا.

الانضمام إلى هذا النادي الذي بدأت أنشطته سنة 1910، وتوقف لاحقا بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى، لم يكن متاحا لعموم البريطانيين، حيث إن الانخراط كان محصورا في أبناء العائلات الثرية الذين كانوا يمثلون نخبة سكان بريطانيا.

كانت صور الشابة «آميليا» تغزو الصحافة البريطانية، خصوصا وأنها أعلنت عن رغبتها في القيام برحلة لوحدها على متن طائرتها الصغيرة لكي تستكشف المغرب.

اتخذت الشابة هذا القرار عندما شاركت في أنشطة قطع المسافة بين جبل طارق وطنجة بطائرتها الصغيرة. حيث كان سرب مكون من عشر طائرات على الأقل، يقطعون المسافة من جبل طارق إلى طنجة، ويهبطون في مساحة واسعة يجدون السيارات في انتظارهم لكي تقلهم إلى قلب مدينة طنجة، حيث كان يقام احتفال على شرف المشاركين في هذه الرياضة المثيرة لفضول سكان طنجة.

إذ كان الفلاحون وسكان الضواحي يجتمعون لمتابعة عملية هبوط تلك الطائرات، بعد قيامها بجولات فوق أجواء طنجة، وينتظرون المساء ليتابعوا إقلاعها من جديد صوب جبل طارق.

انتشرت روايات كثيرة عن نهاية البطلة «آميليا» التي لقيت حتفها في حادث تحطم طائرة صغيرة. لكن لا تتوفر، للأسف، معلومات كافية عن جولتها بالطائرة فوق القارة الإفريقية، لكن هذه الشابة دخلت التاريخ باعتبارها أول سيدة في العالم تعلن عن مغامرة من هذا النوع.

ورغم أن نادي الطيران الذي نتحدث عنه لم يُكتب له أن يستمر في المغرب شأنه شأن نادي القوارب الشراعية، إلا أن تلك التجربة حظيت باهتمام وفضول المغاربة أكثر من أي رياضة أخرى، ولم يكن ينافسها في شعبيتها، سوى سحر كرة القدم التي انخرط المغاربة في ممارستها وانتقلوا من الفرجة إلى احتراف اللعبة، انطلاقا من البطولات التي كانت تنظم في طنجة الدولية.

بالعودة إلى نادي الطيران، فإن أرشيف الرحلات الجوية بين جبل طارق وطنجة لم يعد يتوفر عنه سوى بعض الصور المنسوبة إلى عائلات بريطانية توارثت رياضة الطائرات الصغيرة. إذ إن طنجة عندما كانت قبلة لممارسي هذه الرياضة، لم يكن يتوفر فيها أي مقر للنادي مثل مقر جبل طارق، بل كان المشاركون يحلون ضيوفا على أثرياء طنجة الأجانب، وتقام حفلات غداء على شرفهم، قبل أن يغادروا المدينة في اليوم نفسه.

قصر مدة الرحلة كان حافزا كبيرا للإنجليز لكي يشاركوا في تلك الرياضة، سيما وأن البريطانيين وقتها كانوا مهتمين جدا باكتشاف المغرب، لكن السفر بحرا بحكم أنه كان محفوفا بالمخاطر، لم يكن الاختيار الذي يفضله أغلب البريطانيين في ذلك الوقت.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى