شوف تشوف

الرأيالرئيسية

الجن القارئ

يظل العقل البشري مفتونا بعوالم السحر والشعوذة والماورائيات رغم ما حققه من تقدم على مستوى العلم والتكنولوجيا الحديثة. أحيانا أتساءل، هل العلم فرع من فروع السحر؟ كيف نستطيع الطيران واختراق الأغلفة الجوية وسبر أغوار المجرات والنجوم إن لم نستخدم القليل من السحر؟ لقد اعتمد السحرة في الماضي على الكيمياء لتغيير طبيعة الأشياء، ولعل تقنية سحب الشريط من كم الساحر، التي تعد أشهر خدعة سحرية في العالم، تعتمد أساسا على قانون «شريط موربيوس» وهي نظرية رياضية معروفة. إن التداخل بين قوانين الفيزياء والرياضيات والكيمياء وبين عوالم السحر أمر مثير للدهشة والإعجاب.

لذا كان من المنطقي أن يغير سحرة مدرسة هوجورتس الابتدائية للبنين والبنات موازين الأدب العالمي إلى الأبد. لقد كانت 1997 سنة محورية في تاريخ الرواية والقراءة على حد سواء، حيث استطاعت كاتبة إنجليزية مغمورة، كانت تصارع الاكتئاب والفقر وتعيش على المساعدات الاجتماعية، أن تضع حجر الأساس لنوع مبدع من الأدب الروائي. والحديث هنا عن أدب الرعب والفانتازيا التاريخية. قامت جي- كي- رولينغ ببث الحياة بعصا سحرية في نوع أدبي ظل منسيا لفترة طويلة. عرفت روايات هاري بوتر شهرة عالمية منقطعة النظير ونجاحات جماهيرية كاسحة، وتحديدا الجزء الأول «هاري بوتر وحجر الفيلسوف»، حيث شهدت المكتبات حول العالم اصطفاف عشرات المئات من القراء، وخاصة اليافعين، لحضور حفلات التوقيع ولقاء كاتبتهم المفضلة واقتناء نسخ من رواية كرست في الطفل الغربي حب القراءة والمطالعة.

لقد ملأت شهرة قصص هاري بوتر الدنيا، لدرجة أنها وُثقت في أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما الأمريكية. نتحدث هنا عن فيلم «بوي هود» الحائز على جائزة «الأوسكار». تم تصوير هذا الفيلم على مدار 12 عاما، وكان بمثابة توثيق لأهم الأحداث في الثقافة الشعبية الأمريكية والعالمية في الفترة الممتدة بين 2002 و2014. فهل استعانت جي- كي- رولينغ ببعض التعاويذ السحرية حتى تنجح في أسر قلوب عشرات الملايين من القراء حول العالم؟ قد يكون الجواب بنعم، وذلك لأن الكاتبة استلهمت قصتها من عوالم ثلاثية «سيد الخواتم» للكاتب واللغوي الإنجليزي العظيم تولكين. فكيف تسلل السحر إلى عاصمة الأنوار؟ وهل نحن اليوم بحاجة إلى «تفوسيخة» نطرد بها الخوف والعفاريت التي سكنت ساحات السويسي؟ إن حادث تدافع المئات من الشباب والشابات الذي شهده فضاء معرض الكتاب، الأسبوع الماضي، لحضور حفل توقيع روايات الكاتب السعودي أسامة المسلم، يطرح أكثر من علامة استفهام، أهمها من هو أسامة المسلم؟ ولماذا تعرف المغاربة على هذا الكاتب قبل 24 ساعة فقط من وصوله إلى عاصمة البلاد؟ ولماذا اعتقدت، للوهلة الأولى، وأنا أشاهد مقطعا له على «التيكتوك»، أن الأمر يتعلق بداعية مشرقي يخبر مريديه أنه سيزور المغرب؟ ولماذا غابت عنا الشهرة الواسعة لهذا الرجل بين أوساط المراهقات؟ هل كشف أسامة المسلم عن الهوة المعرفية الكبيرة بين الأجيال؟ وهل أحرج هذا الكاتب المثير للجدل النخب الثقافية المغربية؟ ولماذا كنا نعتقد، قبل أسبوع، أن فعل القراءة مات وتحلل، وأن جيل التطبيقات الراقصة لا يقرأ؟ لماذا أحسسنا بالصدمة والدهشة ونحن نطالع حشودا من اليافعين ينتظرون بحماس وإصرار في طوابير طويلة من أجل كتاب؟ بعد أن اعتدنا مشاهدة هذا النوع من الطوابير أمام حفلات افتتاح صالونات التجميل لمشهورات «الانستغرام»، أو أمام مراكز نفخ الشفاه وتكبير الأرداف؟ هل يجب أن نشعر بالفخر بجيل تصالح مع الكلمة في غفلة منا؟

تبين لاحقا أن الشهرة الواسعة التي يحظى بها الكاتب السعودي بين أوساط الناشئة يعود سببها إلى صانع محتوى مغربي يدعى بيرمون، إذ يقدم هذا الشاب مقاطع فيديو حكائية يقوم من خلالها بسرد مقاطع من روايات أسامة المسلم بطريقة مسرحية مثيرة استقطبت عشرات الآلاف من المراهقين والمراهقات. إن الصدمة الحضارية التي أصابت مجتمع القراءة والكتابة في المغرب بعد «أسامة- غييت» أجبرت العديد من المشتغلين بهذا المجال على إعادة النظر في وسائل التواصل التقليدية التي لازال يعتمد عليها معظم الكتاب والناشرين في الترويج لإصداراتهم الأدبية والعلمية. فهل نحن على مشارف عصر سنلجأ فيه إلى «التيكتوك» لبيع كلماتنا؟ هل يحق لنا التعالي على قارئ شاب يحب قصص الفانتازيا والإيروتيكا المبتذلة؟ هل القراءة فعل نخبوي؟ وما الفرق بين قصص الجن والعفاريت وبين روتيني اليومي؟ هل العودة لتصفح الكتب الورقية كافية لتبرير محتوياتها؟ ولماذا عجز المثقف المغربي عن التواصل المباشر مع القارئ؟ لقد شعر العديد من الكتاب المغاربة بنوع من الامتعاض المبرر من نجاح وشهرة عفاريت أسامة الكاتب. إن الكلمة هي الصرح الأخير الذي يستطيع فيه العقل البشري الاحتماء من تغول الذكاء الاصطناعي وتفاهة التطبيقات الراقصة. فهل من الصحي أن تمر الكلمة عبر «التيكتوك» حتى يتعرف أبناؤنا على فنون الأدب والرواية والتاريخ؟ هل يتعلق الأمر بالتربح المادي من الكتب؟ وكيف كان سيقوم الجابري بنقد العقل العربي في «ميني فلوغ»؟ إذا كانت الكتابة نخبوية وصانعو القرار نخبويين.. فدع العامة يقرؤون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى