
في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الأحزاب السياسية، المنخرطة في مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، منشغلة بصياغة أجوبة عملية عن الأسئلة الثقيلة التي تنتظرها البلاد، يبدو أن جزءا مهما من النقاش يدور حول توزيع الحقائب الوزارية والمناصب ومواقع النفوذ داخل الجهاز التنفيذي، وكأن الوصول إلى كرسي الوزارة أصبح أولوية تسبق تحديد ما الذي سيفعله الوزير فوق ذلك الكرسي.
ويظهر من خلال متابعة مسار المشاورات التي تقودها رئيسة الحكومة المكلفة، فاطمة الزهراء المنصوري، أن الأحزاب السياسية، المرشحة لتشكيل التحالف الحكومي الجديد، منشغلة بحسابات توزيع الحقائب الوزارية وتقاسم المناصب والمسؤوليات، في حين تبدو الأسئلة التي تشغل بال المواطنين وكأنها تنتظر دورها في آخر أجندة قادة هذه الأحزاب، ما يطرح أسئلة مقلقة حول مدى الالتزام بالوعود التي قدمتها الأحزاب السياسية خلال الحملة الانتخابية.
المواطنون ليسوا معنيين، اليوم، بمن سيحصل على هذه الوزارة أو تلك، ولا لأي حزب ستؤول حقيبة وازنة أو منصب سياسي، بقدر ما يعنيهم أن يعرفوا كيف ستتعامل الحكومة المقبلة مع الملفات الحارقة، وعلى رأسها غلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمة التشغيل، وإشكالات الصحة والتعليم، وأزمة التقاعد، وتحديات السكن، وضغط الخدمات العمومية، وغيرها من الملفات التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمغاربة.
لا أحد يجادل في أن توزيع المسؤوليات داخل أي تحالف حكومي مسألة سياسية طبيعية، وأن لكل حزب طموحه في الحصول على حقائب تتناسب مع حضوره وموقعه داخل الأغلبية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التفاوض حول المناصب إلى عنوان للمشاورات، بينما يتراجع النقاش حول البرنامج الحكومي الذي ستلتزم الحكومة بتنفيذه طيلة الخمس سنوات المقبلة من عمرها، لأن المغاربة لم ينتخبوا الأحزاب لكي تتفاوض حول عدد الوزراء ونوعية الحقائب، وإنما لكي يجدوا أمامهم حكومة قادرة على مواجهة واقع اقتصادي واجتماعي لا يحتمل مزيدا من الانتظار.
المواطن يريد أن يعرف، قبل أن يعرف أسماء الوزراء والقطاعات التي سيشرفون عليها، ما الإجراءات التي ستتخذها الحكومة للتحكم في الأسعار؟ وكيف ستواجه المضاربات والاختلالات التي تعرفها بعض الأسواق؟ وما خطتها لحماية القدرة الشرائية؟ وأين ستخلق فرص الشغل؟ وكيف ستعيد الثقة إلى المدرسة العمومية والمستشفى العمومي؟ وكيف ستتعامل مع أزمة التقاعد؟ وما الإصلاحات التي ستنجزها في الإدارة والاستثمار والحماية الاجتماعية؟
هذه هي الأسئلة الحارقة التي يفترض أن تكون حاضرة في صلب المشاورات، وتكون هي المحدد في التحالفات الحزبية، لا أن تبقى عالقة إلى ما بعد انتهاء توزيع «غنائم» الحقائب.
أعضاء وقادة الأحزاب المرشحة لتشكيل الحكومة يعيشون بدورهم على وقع الانتظار، لأنه تم تكريس أفكار داخل المشهد الحزبي الوطني بأن الحقائب الوزارية تحولت إلى غنيمة، والمناصب تحولت إلى مكافأة حزبية، ولا أحد يناقش البرنامج الحكومي الذي تحول إلى ملحق بالمفاوضات حول المقاعد والمناصب، علما أن هذا البرنامج من المفروض أن يشكل الأساس الذي يمنح التحالف الحكومي معناه السياسي، ومن دونه تصبح الأغلبية مجرد جمع حسابي لأحزاب مختلفة، لا تحالفا سياسيا يحمل مشروعا مشتركا.
المطلوب، اليوم، أن يكون البرنامج الحكومي بمثابة عقد سياسي واضح يحدد الأهداف والأولويات، ويرتبها وفقا لحجم الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية، ويحدد آجال التنفيذ ومؤشرات النتائج، حتى يصبح المواطن قادرا على مساءلة الحكومة حول ما وعدت به وما أنجزته.





