شوف تشوف

الرئيسية

الحقيبة الملعونة وزراء التعليم في الحكومات المغربية وسط العاصفة

من المتوقع أن تعرف الميزانية المخصصة لقطاع التربية الوطنية برسم سنة 2023 زيادة قدرها 6,5 ملايير درهم مقارنة بسنة 2022 لتبلغ غلافا ماليا يقدر بـ 68,95 مليار درهم، وفق ما جاء في نص مشروع قانون المالية للسنة المقبلة.

هذا الاهتمام يؤكد أهمية القطاع وحرص الدولة على تعزيز حضوره في منظومة التنمية، لأن التعليم هو قضية وطن يتضافر لكسبها المدرس والأسرة معا، وهو أيضا مصنع لجيل الغد.

منذ حصول المغرب على الاستقلال تحمل حقيبة وزارة التعليم عدد من الوجوه السياسية والتكنوقراط، بدءا بمحمد الفاسي، وانتهاء بشكيب بن موسى مرورا بعدد كبير من أسماء مسؤولين منهم من تركوا بصمتهم في المشهد التربوي ومنهم من مر مرور الكرام، ومنهم أيضا من مر مرور اللئام، لكن عبر التاريخ حرص الملوك الثلاثة على وضع أسماء وازنة على رأس قطاع قابل للانفجار في أي لحظة، أمثال: عمر بن عبد الجليل، عبد الكريم بنجلون، رشيد بلمختار، يوسف بلعباس، محمد بنهيمة، عبدالهادي أبوطالب، حدو الشيكر، قاسم الزهيري، عبد اللطيف الفيلالي، أحمد رضا اكديرة، الداي ولد سيدي بابا، عز الدين العراقي، محمد الهيلالي، محمد الكنيدري، مولاي إسماعيل العلوي، عبد الله ساعف، محمد الوفا، واللائحة طويلة.

كل هؤلاء وغيرهم من الوزراء واجهوا أزمة التعليم وتصدوا لاحتقان القطاع بالوعد تارة والوعود تارة أخرى، وبالوصفات الإصلاحية التي عجزت في غالبيتها عن الحد من الغضب الساطع القادم من الفصول الدراسية.

ولدعم جهود الحكومات المتعاقبة على تدبير شأن القطاع، خلقت لجان عليا قدمت وصفاتها لإنعاش التعليم، على غرار اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، والمخطط الخماسي المنبثق عن مناظرات المعمورة وإفران، والميثاق الوطني للتربية والتكوين، والبرنامج الاستعجالي والرؤية الاستراتيجية وتقرير النموذج التنموي، وقس على ذلك من المسكنات التي عجزت غالبيتها عن رفع مكانة المغرب في التصنيف العالمي للتربية والتعليم.

ظلت الحكومة تنظر للتعليم كمنتج للمتاعب وصانع للاحتقان، لذا عالجت أعطابه بمقاربات أمنية تارة وسياسية تارة أخرى.

 

شكيب بن موسى.. «سبع صنايع والتعليم ضايغ»

حين تم تعيين شكيب بنموسى على رأس قطاع التعليم، استغرب المتتبعون للشأن السياسي لإسناد حقيبة التربية إلى رجل جمع بين الديبلوماسية والداخلية وتشبع بالفكر التقنوقراطي، لكن البعض اعتبر التعيين فرصة لتنزيل التقرير التنموي الذي أشرف عليه شكيب، خاصة في شق التربية والتعليم. لكن مع مرور الأيام وأمام تعدد انشغالات الرجل بين التعليم والتعليم الأولي والرياضة ورئاسة مؤسسة محمد السادس للأبطال الرياضيين، تبين أن الغضب الساطع قادم خاصة بعد انتهاء الصلاحية الزمنية للوعود التي قدمها الوزير.

اتهمت النقابات التعليمية المشاركة في الحوار القطاعي وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، شكيب بنموسى بالتراجع عن عدد من الاتفاقات التي تمت بين الطرفين، وإصراره على «ضرب المنهجية التشاركية»، وخيرته بين فتح آفاق جديدة للحوار أو الاصطفاف في صف الأساتذة الرافضين للنظام الأساسي، الذي قوبل بموجة رفض واسعة في صفوف نساء ورجال التعليم، ما أدى إلى التظاهر في الشارع العام.

وصل الغضب إلى قبة البرلمان، ليساءل شكيب في جلسات الأسئلة الشفوية عن قطاع التعليم أكثر من قطاع الرياضة الذي يشرف عليه، ويتهم علنا بالانفراد بتمرير النظام الأساسي والمصادقة دون الرجوع إلى النقابات المحاورة والإنصات إلى ملاحظات القواعد.

انتقل الاحتقان من البرلمان إلى المؤسسات التعليمية والشارع العام، حيث تم شل قطاع التعليم في كل جهات المملكة بل إن الأساتذة نظموا اعتصامات داخل المؤسسات لمدة ساعتين قبل الانصراف وصلت إلى الإغلاق التام للمدارس، ما جعل الوزير يفكر في تجميد نشر النظام الأساسي في الجريدة الرسمية وهو بمثابة سحب غير رسمي للوثيقة واستئناف الحوار مع النقابات، لتجد الوزارة نفسها أمام مأزق حقيقي، إما المضي قدما في تنزيل النظام الأساسي ومن ثمة إصداره في الجريدة الرسمية، مع ما يعنيه ذلك من توترات، خصوصا وأن النقابات استدركت صمتها وانضمت للاحتجاجات، أو تجميد العمل بالنظام الأساسي مؤقتا وفتح باب الحوار مع المركزيات النقابية للاتفاق حول زيادة عامة في تعويضات المدرسين، خصوصا في المهام المرتبطة بالتدريس.

وحسب مجموعة من المقالات بجريدة «الأخبار» فإن الوزير بنموسى فوجئ بحجم الاحتجاجات ونسب نجاح الإضرابات، ما دفعه لعقد اجتماع عاجل مع مستشاريه من أجل البحث عن صيغة لانتزاع فتيل الغضب من عجين القطاع التعليمي، وقيل إن رئيس الحكومة قد دعا شكيب لاتخاذ إجراءات من أجل وقف الاحتقان، وإعادة النظر في مجموعة من المقترحات التعديلية في إطار التنسيق النقابي لتضمينها بمشروع النظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية، للقطع مع زمن الشطط والظلم الذي عانى منه المدرسون الذين فرض عليهم التعاقد.

لا تقتصر المعارك على جبهة المدرسين، بل امتد الغضب إلى بعض أطر وزارة التربية الوطنية العاملين بالإدارة المركزية والمنعم عليهم بأوسمة ملكية سامية بمناسبة ذكرى عيد العرش المجيد لسنة 2021 ينتظرون المناداة عليهم لتسليمهم أوسمتهم، بل إنهم راسلوا القصر الملكي للتدخل من أجل إنهاء حالة تنكر دامت طويلا.

 

 

 

أمزازي.. الوزير الذي دبر التعليم في زمن الوباء

 

حين عين الملك محمد السادس سعيد أمزازي، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي الناطق الرسمي باسم الحكومة سابقا، واليا جديدا على جهة سوس ماسة وعاملا على عمالة أكادير إداوتنان، تبين أن رجل التربية سيتحول على غرار كثير من الوزراء إلى رجل للداخلية، وأن تجربته كوصي على قطاعات حيوية في مجال تكوين الأجيال، كالتربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، يمكن أن تسعفه في مساره المهني الجديد، على اعتبار التربية والتعليم أساس التنمية.

جاء سعيد أمزازي إلى وزارة التعليم من جامعة محمد الخامس بالرباط التي كان رئيسا لها، ومن البيولوجيا وعلم الأحياء إلى علم التربية، ليحل بالوزارة وهو يتأبط تخصصا في علم المناعة ومكافحة الفيروسات، لهذا راهن عليه الجميع لتحقيق الحد الأعلى من المناعة لقطاع تتربص به القرارات وتعبث به رياح التغيير لتحوله إلى إطفائي.

أمزازي ليس مجرد دكتور متخصص في المناعة بل هو طبيب شرعي، يعرف أسرار الجثث ودواعي الكدمات، لهذا سيقضي حياته في البحث عن مناعة للقطاع الذي يشغله حتى لا يتحول إلى جثمان.

شاءت الصدف أن تتزامن ولاية أمزازي مع تفشي وباء كورونا، ولأن الوزير يحمل شهادة في طب المناعة، فقد وضع ثلاثة سيناريوهات لتدبير العملية التعليمية، خلال موسم دراسي عنوانه الحيطة والحذر، حيث اعتمدت وزارته على ثلاث فرضيات مرتبطة بالوضعية الوبائية المتعلقة بانتشار كوفيد 19.

تهم الفرضية الأولى تحسن الوضعية الوبائية والعودة إلى الحياة الطبيعية وفي هذه الحالة سيتم اعتماد التعليم الحضوري مائة بالمائة، أما الفرضية الثانية فتبقى مرتبطة بحالة وبائية تتحسن ولكن تستدعي الالتزام بالتدابير الوقائية، ويتم تطبيق التعليم بالتناوب بين الحضوري والتعلم الذاتي.

أمام ثالث الفرضيات، والتي تم اعتمادها أمام تفاقم الحالة الوبائية، حيث تم تبني نظام التعليم عن بعد، وذلك بتنسيق مع القطاعات الحكومية المعنية، سيما الصحة والداخلية وتحت إشراف رئيس الحكومة، مع المزج بين الصيغة الثانية والثالثة وإشراك الأسر في اتخاذ القرارات.

 

ميراوي.. الوزير المتيم بالنموذج الفرنسي تحت القصف النقابي

لا يختلف مسار عبد اللطيف ميراوي وزير للتعليم العالي عن زميله سعيد أمزازي، فقد ولدا في مدينتين صغيرتين الفقيه بن صالح وصفرو، وتقلدا مسؤولية رئاسة صرحين جامعيين، جامعة القاضي عياض في مراكش وجامعة محمد الخامس في الرباط.

لكن ميراوي ظل متمسكا بالحبل الفرنسي، ولا يتردد في الكشف عن إعجابه بالنموذج التعليمي الذي تبنته فرنسا التي يحمل جنسيتها، لذا يسابق الزمن من أجل «فرنسة» مناهج ونظم الجامعة المغربية، والقطع مع المكتسبات التي تحققت على امتداد تاريخ الجامعة المغربية.

أصر الرجل بعد وصوله إلى منصبه الوزاري، على القطع مع برامج سلفه والوجوه التي اشتغلت مع عدوه اللدود سعيد أمزازي، ومن تداعيات هذا العداء الصامت توقيف بناء أكثر من أربعين نواة جامعية بأقاليم شاسعة بعيدة عن الكليات في كل من الخميسات ووزان وسيدي قاسم وكلميم وخنيفرة والقصر الكبير، علما أن ميزانياتها مرصودة ومؤشر عليها، ما جر عليه غضب المنتخبين وجميع المتدخلين.

فتح ميراوي على نفسه جبهة أخرى حين ألغى بجرة قلم، «الباشلور» الذي كان قد انطلق العمل به في مجموعة من الجامعات ودرس الطلبة سنته الأولى ثم عادوا إلى النظام القديم. وعاش الوزير أيام الغضب بعد تجميد توظيف 700 أستاذ جامعي عبر المناصب التحويلية، وأصدر مذكرة لرؤساء الجامعات وعمدائها تحثهم على عدم قبول طلبات التقاعد النسبي للأساتذة بسبب الخصاص. كما فتح الوزير جبهة مع عمداء ورؤساء الجامعات في أكبر عملية تمشيط، ناهيك عن إصداره قرار توقيف جميع «الماسترات» المفتوحة نهاية الموسم وإعادة تقديم طلبات للبت فيها.

ولازال الاحتقان سيد الموقف في وزارة ميراوي، حين وصف بعض المسؤولين بعديمي الضمير، ما جر عليه سخط مفكرين يعول عليهم لرد الاعتبار للصرح الجامعي، ما دفع الكثير منهم للاستقالة.

هذا التوتر انتقل إلى الأساتذة الباحثين العاملين بالجامعات والمدارس العليا الأجنبية، كما ساهم في حركة تنقيلات تحكمت فيها دواع حزبية، بل إنه عجز عن إعفاء رئيس جامعة وجدة بسبب انتمائه للحزب الذي يقود الحكومة، بالرغم من تقرير المفتشية.

 

محمد الفاسي.. أول وزير للتعليم في مواجهة الشوريين

كانت لمحمد الفاسي علاقة قوية بمحمد الخامس، وكان يعيش متعة التعليم على كرسي مستقر، إذ كان يشغل منصب مدير للمدرسة المولوية وأستاذ يلقن الأمراء والأميرات مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية، حيث كان محمد الخامس يحرص على حضور دروسه. وهو الذي عاش محنة حقيقية بسبب زواجه من مليكة الفاسي المرأة التي كانت من بين الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال، ما خلف ردود فعل قوية من طرف المستعمر الفرنسي الذي طارد أعضاء الحركة الوطنية، فاستشهد العديد ونفي علال الفاسي إلى الغابون واعتقل محمد الفاسي وسجن آخرون. انتقلت إلى مدينة الرباط للاستقرار رفقة زوجها وكان بيتها في حي مكانا لعقد اجتماعات أعضاء الحركة الوطنية السرية.

عانى وزير التعليم من الصراع القائم بين حزب الاستقلال وحزب الشورى، وظل يواجه غضبات الشوريين بالانحناء للعاصفة، خاصة وأن السنوات الأولى من الاستقلال شهدت صراعا داميا بين الغريمين السياسيين، كما اتهم الفاسي بدعم أبناء الفاسيين وتيسير سبل تعليمهم في الخارج. وامتد الصراع إلى تعيينات مدراء المؤسسات التعليمية حيث كان الاستقلاليون ينالون حصة الأسد، في سياق تاريخي سعى فيه حزب الاستقلال إلى فرض نظام الحزب الوحيد، في حين كان يطالب حزب الشورى والاستقلال بخلق تعددية سياسية ونظام حكم ديمقراطي، لذا قام أقطاب الحزب في وزارة التعليم بكل ما في وسعهم لاستبعاد وجوه من هذه الأحزاب وتغييبها عن المشهد السياسي والتعليمي.

وانتقل الصراع إلى قطاع التربية والتعليم والشباب الذي كان تحت وصاية حزب الاستقلال، بعد أن دخل في مواجهات مفتوحة مع أحزاب أخرى، في محاولة لابتلاعها وتذويبها في صفوفه، إلا أنه اصطدم بصعوبة ذلك، عدا حزب الإصلاح الوطني الذي نجح في ضم أعضائه إلى صفوفه.

 

الحسن الثاني يبعد بن بركة عن حقيبة التعليم

لم يتردد الحسن الثاني، وهو وقتها ولي للعهد وأقرب المقربين من والده محمد الخامس، في التدخل بقوة لمنع المهدي بن بركة كي لا يترأس الحكومة التي أعقبت استقالة حكومة بلافريج. كما سارع كي لا يصل هذا المنصب عبد الرحيم بوعبيد، الذي كان قد استقال من نفس حكومة بلافريج، وأحدث بذلك أول أزمة سياسية سيعرفها مغرب الاستقلال.

لكن رهان القوة، الذي ظل يجمع الملك الراحل بأستاذه في مادة الرياضيات المهدي، دفعه لكي يتدخل بقوة لمنعه ثانية من حمل حقيبة وزارة التعليم العمومي في نفس هذه الحكومة. وهي الحقيبة التي آلت في نهاية المطاف لعبد الكريم بن جلون.

ومنذ ذلك الحين، كان الأمير مولاي الحسن يرى في المهدي بن بركة خصما سياسيا يصعب لجمه أو الحد من خطورته. لذلك ظل يسعى بكل قواه لدفعه للكفر بالعمل السياسي في البلاد، واختيار الهجرة، التي انتهت باختطافه واغتياله أربع سنوات بعد سقوط حكومة عبد الله ابراهيم، خصوصا وأن وضع الأمير أصبح أكبر، وهو يتولى عرش والده.

هكذا كان الملك الراحل ينظر لأستاذه في الرياضيات، قبل أن تفرق بينهم السبل ومن جهته، لم يكن المهدي بن بركة يفوت أية فرصة للتعبير عن وجهة نظره فيما كل ما كان يقوم به الملك الراحل، وهو لا يزال وليا للعهد. لذلك لم يتردد في عز الأزمة التي أعقبت إسقاط حكومة عبد الله ابراهيم، على الرغم من أنه لم يكن وزيرا فيها، في وصف إسقاطها بالانقلاب المدوي، وهو يقدم في مؤتمر الحزب تقريره الإيديولوجي الشهير، والذي عرف بـ «الاختيار الثوري». وقد كان المهدي بن بركة يعرف ما يعنيه وهو يتحدث عن الانقلاب الذي لم يكن قائده غير الأمير مولاي الحسن، الذي اعتقد أن نجاح حكومة الوطنيين، تعني قطع الطريق عن وصوله إلى الحكم، الذي كان بالنسبة له ذلك الحلم الذي راوده في عز حياة والده. لذلك اقترح أن يترأس الحكومة التي عينت بعد سقوط حكومة عبد الله ابراهيم، قبل أن يتراجع محمد الخامس عن الفكرة، ويجعله نائبا لرئيس الحكومة، لكن بسلطات أوسع.

 

مذكرة وزير التعليم التي فجرت إضراب مارس 1965

لن يجد الحسن الثاني من صيغة لنزع شوكة المعارضة التي تقوت منذ أول دستور قدمه للمغاربة في بداية سنوات الستينات، وتلك التي ولدت بين الطلبة والتلاميذ قبل أن تؤسس منظمات سياسية سرية كان أبرزها منظمة «إلى الأمام» ثم «منظمة 23 مارس»، غير الإعلان عن حالة الاستثناء في يونيو من سنة 1965. وهو القرار الذي كانت قد حركته انتفاضة الدار البيضاء في مارس من سنة 1965 والتي سقط فيها عدد كبير من القتلى. فيما زج بالمئات في السجون تحت إمرة وزير الداخلية الجنرال محمد أوفقير.

لكن قبل ذلك، كانت حكومة با حنيني التي عينها الحسن الثاني مباشرة بعد توليه الحكم، أقرب إلى السقوط بعد أن قدمت المعارضة الاتحادية ضدها في 1964 ملتمس الرقابة، الذي كان بمثابة المحطة التي دشنت شد الحبل بين الحسن الثاني والاتحاد الوطني للقوات الشعبية. غير أن أحداث مارس من سنة 1965 بالدار البيضاء، ستعجل بسقوط هذه الحكومة، والإعلان عن حالة الاستثناء، التي كانت تعني أن الملك الراحل سيضع كل السلط بيده ويوقف كل الحياة السياسية للبلد.

وزاد الأمر خطورة حينما قررت وزارة التربية والتعليم إبعاد كل التلاميذ الذين وصلوا سن الثامنة عشر من الثانويات، وإلحاقهم بالتكوين المهني. أما التهمة، كما قال بها الحسن الثاني، فهي أن داء السياسة وصل تلاميذ المؤسسات الثانوية، بالإضافة إلى أن مبرر حكومة با حنيني كان وقتها، هو ضرورة ربط التعليم بعالم الشغل، الذي كان في حاجة لمتمرسين أكثر من حاجته لمتعلمين تعليما عموميا.

اندلعت أحداث الدار البيضاء. وسقط آلاف القتلى برصاص الجيش، ولم يتردد الحسن الثاني في الاعتراف أن ما حدث كان بتخطيط من أوفقير، وأنه هو من ظل يعطي أوامره للجيش من أجل التدخل لأن ما حدث كان، بحسبه، خروجا عن القانون.

وقد جاءت دورية وزارة التعليم ليوم 19 فبراير لتصب الزيت على نار تذمر وغضب شعبي، مذكرة أرادت تقنين سن الالتحاق بالتعليم بالسلك الثاني ثانوي للتلاميذ الذي يبلغ عمرهم أقل من 17 سنة وإحالة ما فوق ذلك على التعليم التقني، المذكرة التي خلقت ضدها إجماعا في قطاعي التعليم الأصيل والعصري، حيث سيخرج الآباء والأبناء، ابتداء من 22 مارس، في مظاهرات سلمية عفوية باغتت الجميع بحجمها واتساعها في كل من الدار البيضاء وفاس ومكناس ومراكش وتاونات. وهي مدن عرفت هجرة قوية لأسر بدوية راهنت على تعليم أبنائها وتوظيفهم بالإدارة، للخروج من أوضاعها الهشة.

 

بوطالب يتخلص من حقيبة التعليم في اجتماع حكومي

رغم أنه شارك في أول حكومة ائتلافية عن حزب الشورى والاستقلال، وعاش في كنف القصر لسنوات، وظل عنصرا أساسيا في مختلف التشكيلات الحكومية سياسية كانت أو تقنوقراطية، بل إنه عين على رأس مجلس النواب سنة 1971، قبل أن ينتهي مقامه بقبة البرلمان سريعا إثر الانقلاب العسكري، إلا أن عبد الهادي لم يكن كائنا طيعا في يدي الحسن الثاني، إذ كان مزاجه الصعب يجني عليه الكثير من الغضبات الملكية، بالرغم من أنه كان أستاذا للملك في المدرسة المولوية.

يسجل التاريخ السياسي للمغرب، حكاية الخلاف الذي كان قائما بين بوطالب ووزير الداخلية أوفقير، وهو ما جعل مقام عبد الهادي على رأس وزارة التربية الوطنية لا يتعدى بضعة أشهر. أصل الخلاف إصرار أوفقير على التدخل في اختصاصات بوطالب، مستغلا الذكرى الثالثة لأحداث 23 مارس الدامية، لقد أشعر وزير الداخلية ملك البلاد بوجود قلاقل في المدارس والثانويات، وهو ما نفاه وزير التربية الوطنية، وامتد الصراع بين الرجلين إلى المجالس الحكومية حين طالب الوزير القوي بتقسيم وزارة التعليم إلى ست وزارات بدعوى الهاجس الأمني، وهو المقترح الذي استجاب له الحسن الثاني، مع إحداث وزارة للثقافة، التي لم تكن موجودة في التشكيلات الحكومية السابقة. لم تنفع احتجاجات عبد الهادي الذي حاول إقناع الملك بخطورة هذا القرار الذي يضر بوحدة المنظومة التربوية، إلا أن هذا الأخير اقترح عليه منصب وزير للتعليم العالي والثقافة، لكنه اعتذر بعد طول تفكير وقال قولته الشهيرة: «ارتديت في الوزارة لباسا فضفاضا يسع لقامتي لكن من الصعب أن أرتدي اليوم تنورة قصيرة». حينها قرر الملك إنقاذ ما يمكن إنقاذه وعين بوطالب وزير للدولة بدون حقيبة في الحكومة الحادية عشرة برئاسة محمد بنهيمة وتحديدا في يونيو 1968، بعد شهور عن ذكرى 23 مارس، في الوقت الذي عين محمد حدو الشيكر وزيرا للتعليم الابتدائي، وعبد اللطيف الفيلالي وزيرا للتعليم العالي، وقاسم الزهيري وزيرا للتعليم الثانوي والتقني.

 

طاولات محمد حصاد تجر عليه غضب المغاربة

جاء محمد حصاد من الداخلية بتزكية سياسية حركية، وأصبح وزيرا للتعليم إلا إنه عانى من مضاعفات قضية تتعلق بجودة الطاولات المدرسية التي تعهد بإنجاز 350 ألفا منها، في إطار أكبر صفقة جرت دفعة واحدة بقيمة تناهز 100 مليار سنتيم.

شابت الصفقة صعوبات كثيرة، فرضت عدم الالتزام بالوقت المحدد لتوزيع الطاولات على المؤسسات التعليمية مع بداية الدخول المدرسي، قبل أن يتم الشروع في توزيع الدفعة الأولى، التي كشفت تعرض عدد من الطاولات للتلف السريع خلال عملية النقل، وقبل استغلالها فعليا، بسبب طبيعة المادة الخام المستعملة في تصنيعها، وكذا جودة التركيب الذي تم بمعاهد التكوين المهني.

وقالت مجلة «جون أفريك» في تقرير لها إن الغضبة الملكية على حصاد أو ما سمي بـ «الزلزال السياسي» أطاح بوزير الداخلية السابق، «دليل على أن الغضب الملكي لا يستثني أحدا في وقت الأزمات»، مشيرة إلى أن الكثير فوجئوا بإعفاء حصاد الذي كان من ركائز الدولة، حيث إنه اكتسب سمعة طيبة بعد تقلده لعدة مناصب نجح فيها بامتياز، وخاصة حينما كان رئيساً للمكتب الوطني لاستغلال الموانئ و تمكن من إنقاذ شركات ومؤسسات تشتغل في ذات المجال من الإفلاس.

واعتبرت الصحيفة أن تقلد حصاد لمنصب وزير التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي بالتزامن مع تأزم الأوضاع بالحسيمة، وتعثر برنامج «الحسيمة منارة المتوسط» كان غير موفقا ودون مقاسه.

شغل محمد حصاد، الذي يصنف في خانة التكنوقراط، منصب وزير الداخلية في حكومة عبد الإله بنكيران، ثم عين في أبريل 2017 وزيرا للتربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، في خطوة فاجأت المراقبين.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى